يوم عادي في مدينة غير عادية

ما بين "عاديات" مدينة مثقلة بالوجع والتعب، ومدينة  اعتادت ألا تمنح أهلها إلا القهر، يصير الموت مصدراً للراحة أو الخلاص من التعب.

في الحرب، تميط المدن اللثام عن عنفها الأصيل، تعيش وأهلها حالة فجة من المكاشفة المؤجلة لعقود، لا تتغير الوجوه، تلبس المدينة ويومياتها وجوهها الحقيقية.

رنات صاخبة على جرس “الانترفون”، أرفع السماعة صوت امرأة غريبة تستجير: افتحوا الباب، الولد سيموت من الجوع! أفتح باب البناء وباب بيتي، لأجد امرأة شابة يسبقها صوت بكاء رضيع، تجلس على الدرج، تخرج ثديها وتلقمه لوليدها، يهدأ صوته لكن جسده ما زال يرتعش وصدره ينشج متعباً من شدة البكاء.

صوت خطوات على الدرج، تجفل الأم تحاول سحب ثديها من فم ابنها، فيتمسك بالثدي ويعض على الحلمة، بسرعة الهارب من ملاحقة ما، تغير مكانها، تترك الدرج، تجلس على أرضية مدخل البناء، تدير وجهها إلى الحائط وتخفي ثديها بانحناءة كاملة من رأسها، من يخاف من؟ الأم الشابة من عيون العابرين؟ أم العابرون من إحراج الشابة وهي لا تفعل شيئاً! أم ترضع طفلها، يختلط الحق الطبيعي بالعادة، والمدينة المتحاربة مع أيامها ومع أحوال أهلها المتفاقمة بؤساً وفقراً وعجزاً، تعلن: أن الخوف كان هنا أولاً، وما زال هنا، والحرب لا تخاف، لكنها تعزز الخوف وتعممه، كل من الآخر، وكل يوم من اليوم التالي، وكل مكان من عابريه أو من المتحكمين فيه.

تتوه المدينة في أمورها العادية، ازدحام هادر كموج البحر، على المواقف وعلى الزوايا وفي منتصف الطرق وعلى الأرصفة، سيدة تصرخ بابنتها: اصعدي في أي سرفيس فيه مكان فارغ، تجفل الابنة، وتسأل أمها: أي سرفيس؟ لا تمتلك الأم وقتاً لتجيبها، بحركة سريعة وعنيفة تدفع ابنتها في حافلة فارغة توقفت فجأة أمامها، يصرخ السائق: “مو طالع، معي طلاب جامعة”، تشتمه الأم، يرد السائق بشتيمة قذرة، تبكي البنت، تطلب من أمها العودة إلى البيت: تصرخ الأم بانفعال كبير: العودة إلى البيت تعني أن أباك سيفرض عليك ترك المدرسة.

تحضر القصة القديمة الحديثة بشدة، لطالما كان توقف الطلاب وبخاصة الطالبات عن الدراسة لعدم توفر مدارس في أمكنة السكن أو لعدم توفر مواصلات للانتقال نحو مدارس في المدينة أو في أحياء بعيدة، أمراً عادياً جداً، كان كذلك منذ عقود، ولما يزل، لكنه مسكوت عنه، واقع مغيب عمداً، لأنه لا يهم أحداً. لطالما اكتفى المحللون ودارسو أسباب التسرب من التعليم بحصر أسباب عزوف الأهل عن إلحاق بناتهم في الدراسة بسبب العادات والتقاليد كعنوان عريض، لكن أحداً لم يذكر يوماً أن مجرد تأمين وسائل نقل للطالبات (وهو واجب وحق) يمكنه أن يساهم بالتحاق أعداد كبيرة من الفتيات الراغبات بالتعلم في المدارس.

نتساءل عن “عاديات” المدينة في أيامها غير العادية، جنون يكتسح الشوارع، وبشر هائمون على وجوههم، نظرات فارغة متطابقة على كل الوجوه، تختزل وجودهم بعبارة الضياع.

 على الشرفة رجل يصرخ، يضرب  بيديه على سورها المعدني فنسمع رنيناً حاداً، على الرصيف شاب يصرخ، يقفز فجأة إلى منتصف الطريق، يلتف بحركة سريعة ودائرية، ويعود مرة ثانية على الرصيف، يعاود الصراخ ثم يضحك بصوت عال، يبتعد، يضرب بيديه وبشدة على جدران حاوية القمامة المعدنية. يعود إلى الرصيف، يجلس على حافة مدخل البناء، ينخرط في عملية حكاك متواصلة تبدأ من جلدة رأسه الأصلع حتى كاحليه، والرجل الواقف على الشرفة في البناء ذاته يغير إيقاع مشيته، بعدما لف رأسه بمنشفة وعاد متنقلاً ببطء شديد من أول الشرفة حتى آخرها، فجأة يرمي المنشفة. المصادفة وحدها جعلت رأس الشاب الذي عاود ضرب جدران الحاوية لكن بقدمه هذا المرة، مستقراً لها، لا أحد ينطق بحرف، لا أحد يعترض على الصخب الناجم عن ضرب حديد الشرفة وجدران الحاوية، لا أحد يسأل عن سبب اختيار المنشفة رأس الشاب الغارق في توهانه دوناً عن غيره، هو الجنون أو الانهيار، والذي يبدو طبيعياً جداً، بل سمة أساسية من “عاديات” المدينة.

تحافظ المدينة على توحشها، والتفاصيل اليومية العادية لا تتكرر، بل ثابتة وتحافظ على استقرارها، يبدو الهروب من “العاديات” جنوحاً نحو تغيير ما، تغيير غير مأمول وغير متوقع، وكلما غرقت المدينة في تأكيد “عادياتها” يتآلف البشر مع المدينة في خرابها الأخير ويعلنون أن الأمل معدوم والتغيير خطير، وأن الحياة تتطلب الانغماس في التعود حتى آخر حدود الخديعة.

إقرأوا أيضاً:

 روائح القمامة وأبخرة العوادم، ومشاهد الطفلات والأطفال الغارقون من أقدامهم وحتى رؤوسهم في حاويات القمامة، امرأة تصنع أرجوحة ما بين حاويتين بحبل بلاستيكي ووسادة بالية استخرجتها من الحاوية لطفلها الذي كان يعيق كل محاولاتها لجمع القمامة، جاءت برفقة منافستها في العمل (شقيقتها)، التي تركت أطفالها خارج الغرفة التي تأويهم، في الزقاق المزدحم بالأطفال والعربات والدراجات الهوائية وبأكوام التراب والحفر وغازات الطبخ وحبال الغسيل المنصوبة على أعمدة الكهرباء، تقول لأختها في محاولة لتبرير تصرفها العبثي العادي: الله الحامي واللقمة لا تجمع إلا بالقهر. ملأت الشقيقة كيسين متخمين بالبلاستيك والكرتون من أكياس النايلون ماركة “الميل الأحمر”، وهي علامة على أن الكيس يتسع لخمسين كيلوغراماً، منحها مشهد الكيسين الممتلئين فرحاً باهتاً، وعلى رغم التعب قررت أنها لن تعود إلى البيت قبل ملء الكيس الثالث الذي أحضرته معها.

هدّأت الأرجوحة من حركة الطفل وسمحت لأمه بالتنقيب عمّا يمكن بيعه، ورجت شقيقتها الانتقال إلى حاوية مقابلة لتترك لها ما تبقى في هاتين الحاويتين حيث يتأرجح طفلها ولا تستطيع تركه، توافق الأخت، يغفو الطفل، تسحبه أمه عن الأرجوحة، تربطه إلى ظهرها في جعبة قماشية صنعتها بربط طرفي جلابيتها العلوية ببعضهما ومن ثم تربطهما بالجزء الأمامي منها، تحول وزن الطفل الغافي إلى معيق جديد للدخول في قلب الحاوية حيث اعتادت الأم أن تحصل على كل ما تعجز شقيقتها البدينة عن جمعه فاكتفت مرغمة بالتقاط ما تبقى.

 تنتقل الأخت إلى الحاوية المقابلة، تملأ الأم كيساً واحداً وتقرر العودة إلى بيتها، تقول لأختها: هذا اليوم واضح من أوله، خسارة بخسارة، تجر كيسها الثقيل وابنها مربوط إلى ظهرها، تجر شقيقتها الكيسين الثقيلين بعد عجزها عن ملء الكيس الثالث، تطالب أختها بمساعدتها، لكنها تعجز عن ذلك، يبلغ التعب منهما حداً لم تعد السيدتان معه قادرتين على جر أقدامهما، تتوقفان عند منتصف الطريق، تلقيان بأكياسهما أرضاً، وتجلسان على التراب الجاف، يستفيق الطفل، تجلسه أمه أعلى كيسها وتغرق السيدتان في نحيب طويل. 

 ما بين “عاديات” مدينة مثقلة بالوجع والتعب، ومدينة  اعتادت ألا تمنح أهلها إلا القهر، يصير الموت مصدراً للراحة أو الخلاص من التعب، التعب العادي جداً حتى آخر درجات الإرهاق، يصير الأبناء عائقاً عن تأمين أساسيات العيش والآباء مصدراً لتناسل القهر، والرحيل حلم يبتعد ويبتعد، حتى تعذر الهرب يصبح أمراً عادياً جداً، لا فكاك من عاديته. يسخر المسحوقون من فكرة الهرب، اعتادوا أن القهر قدرهم، واعتادوا أنه من أمر طبيعي أن يموتوا كل يوم ألف مرة، حتى غدا الموت عادة يدمنها البؤساء كي يمتلكوا حين يموتون لحظة للبكاء أو للغضب، غضب ينزع عن المدينة “عادياتها” ويغرقها في محاولات للإنكار أو الهرب، كذب ومغالاة في النفاق أن ننكر أن الغولة تأكل أبناءها، كما المدينة التي تدعي أن الحرب وحدها هي السبب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد إبراهيم
بينما يفتش أحدهم محتويات المطبخ، عثر على زجاجة بيرة في الثلاجة، ثم خرج بها ليخبر الضابط بكل ثقة: “مش إخواني يا باشا، لاقينا في تلاجته بيرة”.
Play Video
بعد جريمة تكساس التي وقع ضحيتها 21 شخصاً بينهم 19 طفلاً، أُعيد النقاش حول آفة السلاح في أميركا. بعد عشرات جرائم القتل الجماعي، لا تزال السلطات الأميركية عاجزة عن اتخاذ قرارات تضبط انتشار السلاح.

2:29

Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني