صباح فخري: أسكرنا حتى في رحيله

أنقذ صباح فخري الموسيقى السورية، منحها فرصة لتوجد من خلال صوته ولتستمر، لنستطيع اليوم لو سئلنا ما هي الموسيقى السورية؟ نرد فوراً، إنها صباح فخري.

“بدأتُ الغناء حين ولدتُ”، هكذا يختصر المطرب السوري صباح فخري موهبته الفريدة. حتى مناغاته كانت شكلاً من أشكال الموسيقى، يروي في إحدى مقابلاته أن أحد أقربائه كان يقرصه في كلّ زيارة دافعاً إياه إلى البكاء، ولما سألت الأم غاضبة لماذا يفعل ذلك؟ أجاب: “أنا أحب بكاء هذا الطفل”، وكان بكاء ذلك الطفل بالفعل بداية الطريق لعملاق سيدعى لاحقاً صباح فخري.

ولد صباح الدين أبو قوس أو صباح فخري في 2 أيار/ مايو 1933 في مدينة حلب، لم تتوقف مناغاته الموسيقية حين كبُر إنما اشتد عودها وتحولت إلى طبقات من الأصالة والمقامات والمواويل، طبقات عاشت فيها أجيال من السوريين والعرب. 

كأن قصائده الغزلية المغناة قادتها النساء منذ البداية، ففي طفولته وبينما كان يتسلق شجرة ويدندن وسط حوش المنزل، انتبهت إحدى صديقات والدته إلى صوته فقالت له: “انزل يا صباح سأعلمك موالاً”، كانت الخانم هي أوّل من علم صباح موالاً استمر صداه حتى اليوم: “تعلّمْ بكايا ونوح يا حمام وخذ من شجوني دروس الغرام”.

درس فخري في “أكاديمية الموسيقى العربية” في حلب وتخرج من المعهد الموسيقي الشرقي بدمشق، درس الموشحات والإيقاعات وتعلم رقص السماح الشعبي الخاص بمدينة حلب وهو نوع من الرقص يعود إلى أصول دينية صوفية، الرقصة التي انعكست لاحقاً وقدمها أثناء غنائه على المسرح فمزج الديني بالغزلي والشعبي وغدت إحدى الرقصات الدينية علامة فارقة في ما قدمه.

ترك عمله كمؤذن في أحد جوامع حلب وانتقل إلى الغناء الشعبي والقدود الحلبية وبفضل صوته الاستثنائي صارت القدود واحدة من أهم أشكال الغناء في العالم العربي من دون أن تحيد عن شعبويتها ونخبويتها في الوقت ذاته وهو أمر ما كان ليفعله غير فخري. أكثر من 60 عاماً في الغناء، وصل خلالها المطرب الحلبي إلى كل منزل سوري وعربي، مغنياً في كل العالم حتى وصل فنزويلا والأميركتين.

مال المطرب الحلبي إلى مقام “الراست” في أغانيه ليس فقط لأن هذا المقام يمنح المطرب الاسترسال في الغناء ويسهّل التنقل بين الطبقات الصوتية بل أيضاً لأن هذا المقام يليق بصوته. إحدى أشهر حركاته الموسيقية تدعى “تريل” وهي تشبه العُربة الموسيقية حيث يخرج الصوت من الأنف في الطبقات العالية فيبدو الصوت شبيهاً بالمناغاة، كأن علاقته بصباح الرضيع لم تنقطع حقاً ومن الأغاني الملحنة على مقام الراست موال “من عيسهم” وموشح “يا شادي الألحان” وموشح “أحن شوقاً”، لتغدو معظم القدود لاحقاً مغناة على مقام الراست بفضل صباح فخري، وفي الحقيقة ليس غريباً أن يستخدم صباح هذا المقام تحديداً هو الذي عمل مؤذناً لسنوات في حلب، فإضافة إلى أنه من المقامات المفضلة لتلاوة القرآن بسبب ما يمنحه من وقار وهيبة كذلك يعتبره البعض المقام الرئيسي في الموسيقى الشرقية والأكثر وضوحاً وتعبيراً عن الشخصية.

استخدم فخري المقامات الأصيلة في الموسيقا الشرقية والتي لم تعد منتشرة اليوم كمقام الراست أو الرصد في أغاني مثل “صيد العصاري، يا مال الشام” ومقام الحجاز في أغاني مثل “قدك المياس، البلبل ناغ” ومقام البيات في أغاني مثل “ابعتلي جواب” وموال “حبيبي على الدنيا”.

كانت علاقة صباح مع الجمهور الحلبي خاصة، فكان يذهب قبل الحفلة ليتذوق أطباق المازة والمشروب، فبرأيه يجب أن تكون جودة الطعام بجودة صوته وما سيقدمه، بخاصة مع امتلاك الشعب الحلبي مزاجه الخاص في تناول الطعام والمشروبات الكحولية والاستماع إلى الموسيقى، يكفي أنه المطرب الذي يدهش حتى نفسه حين يسمعها فيقول: “الله يا صباح فخري”، سنستمر طويلاً نردد حين نسمعه: “الله يا صباح”، فكم طفلاً أدهشنا واستمر في الغناء منذ لحظة ولادته حتى بلغ الثامنة والثمانين من العمر!

إقرأوا أيضاً:

كل هذا جعل من فخري جزءاً من الهوية السورية، وصوتاً مشتركاً بين الجهات المختلفة، أغانيه يتمايل الناس عليها، مع قدح العرق. بات حالة عامة، تُسكِر الناس كما الشراب والتصوف والحب، من دون أن يخلق انتقاله من عمله كمؤذن إلى مغنٍ جدلاً كما تفعل هذه المواضيع الحساسة عادة، بل على العكس يبدو أن مزج الاتجاهين من خلال صوته وتقنياته جعل المسألة تلاقي نوعاً من القبول الجماعي، كأن ما ينتظره الناس هو سماع هذا الصوت بأي شكل وداخل أي قالب سواء أكان دينياً أو غزلياً.

أنقذ صباح فخري الموسيقى السورية، منحها فرصة لتوجد من خلال صوته ولتستمر، لنستطيع اليوم لو سئلنا ما هي الموسيقى السورية؟ نرد فوراً، إنها صباح فخري، إنها القدود والموشحات، ووسط الحرب الطاحنة التي شهدتها البلاد يمكننا اليوم القول إن هنالك رمزاً قادراً اليوم على جمع السوريين. 

دخل فخري موسوعة غينيس لأطول حفلة غناء متواصل، إذ وقف 10 ساعات على مسرح في فنزويلا حتى قال المستمعون “ألا يدخل إلى الحمام هذا الرجل؟”، إلا أن ابنه أنس أكد في إحدى مقابلاته إنه حضر حفلات لوالده استمرت أكثر من 10 ساعات بالفعل، يروي قائلاً: “كنا نبدأ الغناء في المساء وننتهي في الصباح”، وصلت شهرة صباح الباكرة حتى أم كلثوم، وحين قابلها مدير الإذاعة والتلفزيون السوري سابقاً سألها: “ماذا أحضرُ لكِ من سوريا؟”، فقالت له: “والنبي ابعتلي كاسيت صباح فخري”، يروي صباح في إحدى مقابلاته ضاحكاً.

وحين سئل صباح ما الأهم بالنسبة إليك أن تُحِبَ أو أن تُحَب، أجاب بثقة،  الاثنان بالأهمية ذاتها، هل كان يعلم قبل رحيله أن شعباً عربياً كاملاً أحبه؟ هل كان يعلم أن الملايين نعوه واستمعوا الى أغانيه وشعروا “بالسلطنة”؟ كيف يمكن أن “يسلطنك” مغنٍ حتى في رحيله!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منى آدم
علاء حبيس في سجنه لا يرى من العالم سوى فردًا واحدًا من أسرته لمدة عشرين دقيقة كل شهر.
Play Video
هل النسوية فكرة متطرفة ولماذا تبدو ضبابية في المجال العام في منطقتنا العربية؟ هل النسويات متأثرات بالهجوم الشرس المستمر من المنظومة الدينية والسلطوية الرافضة للتحرر والمساواة الكاملة للمرأة؟

43:20

Play Video
نقاش ما بعد الانتخابات أعاد إحياء ملف الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي. فمن سيتحمل كلفة سرقة ودائع اللبنانيين ومن سيحاسب من؟

6:29

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني