لمن تكون الغلبة…
لجمهور الموسيقى أم لجمهور الحرب؟

بزمن قياسي أصبح للاوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية جمهور ثابت ينمو ويتوسّع. في البداية لم يمتلك هذا الجمهور خبرة كافية في الاستماع إلى هذا النمط الموسيقي، ولكنه مع الوقت أصبح جمهوراً متفاعلاً وذوّاقاً.

لا يُنبئ المشهد في لبنان على كل الصُعد بأمر إيجابي قد يَحْدث. ومع ذلك افتتحت الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية موسمها الثقافي بأمسية موسيقية يقودها الموسيقي لبنان بعلبكي، مُقترحاً برنامجاً موسيقياً اوركسترالياً ممتعاً ويحمل دلالات مهمة. إلا أنّ وضعاً موصوفاً واستثنائياً تجب الاشارة إليه، ومن دونه لكان الافتتاح حدثاً ثقافياً عادياً ومألوفاً.

تنعقد الصفة الاستثنائية مِن كارثية أوضاعنا الاقتصادية والسياسية والأمنية، ومِما يعيشه معظم اللبنانيين من فقر وبؤس ويأس. وتتكثّف أكثر من خلال ارتفاع مُطْرد لأصوات قرقعة السلاح وطبول الحرب الأهلية.     

وعلى رغم سوداوية المشهد، ارتفع صوت الموسيقى في هذه الأمسية، صادراً عن أقل بقليل من مئة موسيقي (بين عازف ومُغنٍّ) ليُعبّروا بلغة حضارية وجمالية تدعو الى السلام والحوار وتقبُّل الآخر المُختلف. فالحدث بحد ذاته يتخطى عاديّته المألوفة، إذْ يُضيء شمعة في هذا الظلام الدامس ليَبْدو الصوت الصادر عن الاوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية كبصيص أمل في استعادة الحياة الطبيعية أو كصرخة ضد لغة العنف والحرب.                   

هذه الأوركسترا اللبنانية التي تميّزت منذ تأسيسها عام 2000 بحيوية فنية عالية عبر إطلاقها كل عام موسم حفلاتها الموسيقية والممتدة لعشرة أشهر بمعدل ثلاث الى اربع حفلات شهرياً، كانت قد اعتادت وتيرة هذه الحيوية التي طبعت المشهد الثقافي في لبنان، واعتاد معها جمهور المُستمعين. هذا الجمهور الذي نما مع الوقت كمّاً ونوعاً ليُصبح جمهوراً توّاقاً في متابعة حفلاتها الأسبوعية.

وجمهور السماعِ الموسيقي في لبنان عموماً مُتعطش، مُتطلّب ومنفتح. هو على تنوع كبير، ليس سببه فقط هذه الكثرة في تنوع الأنماط الموسيقية من شعبية، وكلاسيكية/ مُعاصرة عربية كانت أم عالمية، بل وايضاً في تعدد مصادر ثقافات هذا الجمهور وتنوعها، التي بدورها تحصّلت من جذور تاريخية وعادات اجتماعية وهجرات تقاطعت كلها وتفاعلت في الجغرافيا والتاريخ.

الجمهور الموسيقي اللبناني على العموم يميل بأكثريته إلى نمط الأغنية بكل أنواعها واتجاهاتها شرقاً وغرباً. ولكن أيضاً يوجد جمهور لا بأس به لموسيقى الجاز والفيوجن، وآخر لموسيقى الروك والهيب هوب والراب. كما يوجد جمهور في لبنان لا يُستهان به للموسيقى الكلاسيكية العالمية.

هذه الجماهير الموسيقية إن صح التعبير والمقارنة لا تُشبه جماهير السياسة والأحزاب العقائدية بشيء. فهي ليست مُنغلقة على ما تُحب وتختار، كما أنّها ليست مُتعصبة لنمط تُفضِّله على غيره، بل مُنفتحة ومرنة، بحيث يحق للفرد فيها أن يُغيّر انتماءه الى جمهور نمط آخر وحتى ان ينتمي الى كل انماطها وتياراتها في الوقت نفسه.

جمهور الموسيقى الكلاسيكية في لبنان والذي يوصف بالنخبوية والأكاديمية، ليس جمهوراً مستحدثاً، اذْ تشكَّل منذ خمسينات القرن الماضي مُنطلقاً من ثلاثة امكنة:

– الكونسرفاتوار الموسيقي الذي درج على تقديم حفلات موسيقية من اعداد نخبة  

  من طلابه وأساتذته.

– الجامعة الأميريكية في بيروت التي ضمت نخبة من أساتذة الموسيقى، وفيها شُيدت قاعة “الاسمبلي هول” التي استضافت آلاف الحفلات للموسيقى الكلاسيكية.

– مهرجان بعلبك السياحي الذي أفرد حيزاً معقولاً لعروض الموسيقى الكلاسيكية العالمية.

أثناء فترة الحرب الاهلية اللبنانية تلاشى هذا الجمهور. لكنه ومع توقُّفها عام 1990  استعاد حيويته مع استعادة النشاط الاكاديمي في الكونسرفاتوار الذي دأب على تقديم حفلات أسبوعية لموسيقى الحُجرة. إلى جانب بروز مهرجان “البستان” والمُقام في فندق البستان الذي انحصرت عروضه الموسيقية بالموسيقى الكلاسيكية.

جمهور “مهرجان البستان” هذا كان الأشد نخبوية والأكثر طبقية في تاريخ مسيرة هذه الموسيقى وجمهورها. فلم يكن ثمن بطاقة الدخول الباهظ هو فقط الذي يحول دون خفض مستوى هذه النخبوية المفرطة والمحصورة في فئة الأثرياء من رجال الاعمال وسيدات الصالونات المُترفة، بل ايضاً كانت سياسة مقصودة من إدارة هذا المهرجان على إقصاء كل مُحبي هذه الموسيقى من الطبقة الوسطى وما دون وحصرها فقط الأثرياء وذوي النفوذ في السياسة والإعلام. امّا حال هذا الجمهور في الشكل فتخاله أقرب ليكون جمهور اً محفل ماسوني او جمهور عرض لأحدث أزياء الموضة والمجوهرات.  

في السنة الأخيرة من القرن العشرين اُنشئت الأوركسترا السيمفونية الوطنية اللبنانية ، ومعها بدأ جمهور جديد للموسيقى الكلاسيكية بالتجمع والنمو سريعاً. ولأول مرة في تاريخ انتشار هذا الطابع الموسيقي في لبنان تنحسر صفة النخبوية عن جمهورها. ساهم في هذا الانحسار عوامل عديدة من بينها: 

اولاً؛ مجانية الدخول لحضور كل الحفلات من دون مقابل مالي أو تمييز.

ثانياً؛ انتظام وتيرة العروض لثلاث او أربع حفلات موسيقية في الشهر الواحد وعلى مدى ثلاثة فصول كاملة.

ثالثاً؛ مدينة بيروت وما تمثله من رمزية، كانت مكاناً دائماً للحفلات.

رابعاً؛ الهوية الوطنية للاوركسترا بحيث ظهّرت صورة حضارية وحداثية  لبلد يسوده الانقسام  الطائفي وتهدده الحروب الأهلية المُتقطّعة. 

إقرأوا أيضاً:

كل هذا معطوف على قدرة ممتازة أظهرتها هذه الأوركسترا في تنفيذ برامج موسيقية متنوعة لأهم الاعمال السيمفونية الكلاسيكية والمعاصرة، ما جذب إليها على وجه الخصوص شريحة كبيرة من الطبقة الاجتماعية الوسطى، إضافة الى شرائح من كل المجتمع اللبناني لم تكن تعلم بوجود هذه الموسيقى أصلاً أو لم تكوِّن في السابق انطباعاً صحيحاً عنها.

وبزمن قياسي أصبح للاوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية جمهور ثابت ينمو ويتوسّع. جمهور شمل كل الشرائح الاجتماعية والطبقية والمهنية. في البداية لم يمتلك هذا الجمهور خبرة كافية في الاستماع إلى هذا النمط الموسيقي، ولكنه مع الوقت أصبح جمهوراً متفاعلاً وذوّاقاً. جمهور كان وما زال يأتي الى الحفلة بفرح ولهفة لاكتشاف سر الصوت الموسيقي.

وبالعادة يأتون فرادى أو مجموعات. قد يدخل احدهم متأخراً بعد دوام عمله المسائي، أو مبكراً آتياً من بيته، مرتدياً ثيابه العادية الانيقة من دون مبالغات. قد تلحظ بينهم عائلة كاملة او أم برفقة ابنتها او راشداً يصحب والده المتقاعد أو أصدقاء مراهقين. وقد يصدف أن تتجاور جلوساً امرأتان إحداهُما مُحجّبة والاُخرى سافرة.

يدخل الجمهور قبل الوقت المحدد بقليل إلى قاعة الحفل. وهي بالاصل قاعة الكنيسة في جامعة “القديس يوسف” وقد تحولت عشية الحفلة الى محراب موسيقي. يتبادلون التحية بين بعضهم بعضاً مُسرعين الى أخذ أفضل الأمكنة، ليشرعوا بعدها في قراءة مُتأنية لبرنامج الحفلة على صوت تحمية الموسيقيين لآلاتهم. ومع لحظة دخول الموسيقيين الى المسرح تعلو أصوات تصفيقهم بحرارة وتعاطف كبيرين. تبدأ الموسيقى وتبدأ معها دهشتهم وانفعالاتهم بحيث يشعر الموسيقيون الجالسون على خشبة المسرح بتفاعلهم وفرحهم من خلال قوة الموسيقى وهشاشتها. 

أمسية يوم الجمعة الافتتاحية انتظرها الجمهور والموسيقيون على السواء بشوق وتهيّب كونها أتت بعد توقف قسري عن العروض، دام لأكثر من سنة نتيجة الاغلاق العام الذي فرضته إجراءات التصدي لجائحة “كوفيد- 19”. الجمهور كان حاشداً. امّا البرنامج الموسيقي الذي عزفته الأوركسترا لجمهورها فأتى مملوءاً بدلالات لافتة من ثلاثة مؤلِّفين: اثنان معاصران ومن أصول لبنانية، عبد الرحمن الباشا وبشارة الخوري، أمّا الثالث غابريال فوريه ففرنسي . يؤدي عازف الكمان الأول الموسيقي ماريو الراعي دور الصولو المنفرد في موسيقة بشارة الخوري المُعنوَنة “رحلة غير مُكتملة”، فيُبرز صوت كمانِه صراعاً تراجيدياً يخوض غماره الصوت/ الفرد بمواجهة صوت الأوركسترا / الآخر المُختلف، في رحلة يشوبها قلق وانقطاع في التواصل. هي أشبه برحلة متقطعة في الزمن تعج بالظلال والألوان الرمادية. رحلة لا تنتهي ابداً الى مُستقرٍّ وسكينة بل الى صمت طويل وقاسٍ يصدر من آلة ماريو الوترية.

في السنة الأخيرة من القرن العشرين اُنشئت الأوركسترا السيمفونية الوطنية اللبنانية ، ومعها بدأ جمهور جديد للموسيقى الكلاسيكية بالتجمع والنمو سريعاً.

الحفلة تُختم مع المؤلف غابريال فورية وقداس لراحة الموتى (ركوييم)، بطله أصوات جوقة الإنشاد التابعة لجامعة اللويزة وبإدارة الأب خليل رحمة. وعلى رغم كون فوريه هو مؤلف رومنطيقي الأسلوب إلا أنه ابتعد كثيراً من أفكارها في مراحل أخيرة من حياته وكاد يلامس الانطباعية في أسلوبه. وفي هذا القداس تحديداً يُلاحظ كيف أنه اسند انشاد النصوص الليتورجية الى جوقة من أربعة أصوات من دون أي تنميق أو مبالغات الأسلوب الرومنطيقي، وخفّف بشكل كبير من شدة المصاحبة الاوركسترالية. فكل جزء من هذا القداس عبارة عن صلاة هادئة ورِعة ترافقها خطوط هارمونية رقيقة. مقاطع الغناء المنفرد أهاها التينور فرناندو عفّارة والسوبرانو لارا جوخدار.

مُوَجّه الأوركسترا (كونداكتر) لبنان بعلبكي، هذا اللبناني الجنوبي الأصل الذي آمن بمشروع الثقافة والفن الموسيقي كخيار لبناء الوطن والإنسان، يُنهي بإشارة من يده الصوت الاخير من الموسيقى. تتلوها لحظات قليلة من الصمت ليعلو بعدها صوت تصفيق الجمهور مُكرِّماً الموسيقى والموسيقيين. تقف الأوركسترا وتنحني لجمهورها. الاثنان يتواجهان وقوفاً ليُشكِّلا حشداً واحداً مفعماً بالحب والمشاعر الإيجابية والامل.                                          

وانا واقف في مكاني ضمن الأوركسترا أفكّر وأخالُ انّ ثمة أحداً غيري من ضمن هذا الحشد يكرر سؤالي الصعب والمُر: 

وماذا بعد؟ كيف سنكْمِل الحياة وثمة جمهور آخر مغاير يحشد في الخارج منادياً بالحرب ورافعاً صوت السلاح عالياً؟ ولمن ستكون الغلبة في النهاية، لجمهور الموسيقى أم لجمهور الحرب والقتل والدمار؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني