انقلاب عسكري في السودان…
الجيش يَئِد الديموقراطية الوليدة

في الفترة الأخيرة خرج الصراع بين العسكر والمدنيين للعلن وسط اتهامات متبادلة بالفساد والصراع على الكراسي، بينما كان الوضع في الشارع السوداني أشبه بنار تحت الرماد مع غليان شعبي بسبب تدهور الوضع المعيشي وشح في السيولة والوقود والخبز.

استفاق السودانيون صباح الاثنين 25 تشرين الأول/ أكتوبر على خبر استيلاء الجيش على السلطة واعتقال رئيس الوزراء عبدالله حمدوك وعدد من الوزراء وقيادات حزبية مناصرة للحكم المدني وشخصيات سياسية معارضة، في انقلاب عسكري هو الثاني في أقل من عامين، بعدما أطاح الجيش عام 2019 بالرئيس عمر حسن البشير، إثر احتجاجات عارمة، وهو كان جاء بدوره إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1989.

وكأن قدر السودان أن يتقلب بين انقلاب وآخر، وألا يغادر مربع الاضطرابات ويبقى في دائرة أزمة طاحنة، بينما كانت آمال الشعب معلقة على السلطة الانتقالية للخروج من النفق المظلم والتأسيس لنظام ديموقراطي تعددي، بعد ثلاثة عقود من الحكم الاستبدادي والقبضة الحديدية بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير.

كان واضحاً أن اتفاق تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين ضمن ما سمي حينها بالمجلس السيادي وجاء بعبدالله حمدوك رئيساً للوزراء ممثلاً لقوى التغيير والحرية، الجبهة التي قادت ثورة 2019  وبعبدالفتاح البرهان رئيساً للمجلس، كان اتفاقاً هشاً.

اتفاق تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين كان نتاج ضغوط داخلية وخارجية لإنهاء سيطرة الجيش ممثلاً حينها في المجلس العسكري الانتقالي بقيادة البرهان، وإنهاء أزمة الحكم. بمعنى أنه كان نتاج إكراهات اللحظة ولم يكن قناعة لا من هذا الطرف أو ذاك.

كان يفترض أن تقود السلطة الموقتة برئاستي حمدوك والبرهان، المرحلة الانتقالية لمدة 39 شهراً، تنتهي بانتخابات عامة تؤسس لنظام ديموقراطي، لكن سرعان ما انهار المسار الانتقالي بدفع من العسكر الذين جيّشوا أنصارهم وحشدوا لاحتجاجات تطالب برحيل الحكومة الانتقالية، وبأن يدير البلد الغارق في أزمات طاحنة، الجيش.

ويبدو أن الانقلاب الأخير تم التحضير له جيّداً، على عكس محاولات انقلابية سابقة في الأشهر القليلة الماضية كانت أعلنت عنها السلطة الانتقالية من دون أن تقدم تفاصيلها.

في الفترة الأخيرة خرج الصراع بين العسكر والمدنيين للعلن وسط اتهامات متبادلة بالفساد والصراع على الكراسي، بينما كان الوضع في الشارع السوداني أشبه بنار تحت الرماد مع غليان شعبي بسبب تدهور الوضع المعيشي وشح في السيولة والوقود والخبز.

ولم تكن الأزمة المالية والاقتصادية طارئة فهي إرث ثلاثة عقود من الفساد والاستبداد والحروب الداخلية، ومعالجتها كانت تحتاج وقتاً وتفاهمات خاصة وتسويات مع الدائنين الدوليين واسترضاء الولايات المتحدة بالتطبيع مع إسرائيل، نظير شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، حتى يتاح للخرطوم الحصول على قروض من الجهات الدولية المانحة ومساعدات خارجية. 

كما لم تكن الأزمة الاقتصادية طارئة، فكذلك نية العسكر في الاستفراد بالحكم، لم تكن طارئة أيضاً، فمنذ الإطاحة بالبشير، لم تهدأ رغبة قادة المجلس السيادي وهم من رموز العهد السابق ومن النواة الصلبة للنظام المعزول، في الاستئثار بالحكم، فالطبع غلب التطبع وإن اتخذوا من أزمة الحكم مسوغات للانقلاب.

يعلم قادة الانقلاب وهم جزء من السلطة الانتقالية أن الانقلاب سيفجر موجة غضب، واستعدّوا لتلك اللحظة قبل أشهر، حين أعلن النائب الأول لرئيس المجلس السيادي محمد حمدان دقلو المعروف باسم “حميدتي” عن تأسيس قوة أمنية جديدة للتدخل “لحسم التفلتات الأمنية وفرض هيبة الدولة في العاصمة الخرطوم وعلى مستوى البلاد”.

وحميدتي هو أيضاً قائد قوة الدعم السريع في عهد البشير وهي القوة التي يُنسب إليها ارتكاب انتهاكات واسعة في ظل النظام السابق.

وبالتزامن مع الإعلان عن تشكيل تلك القوة، نفى حميدتي أن تكون لدى العسكر نية الانقلاب على الشركاء المدنيين في الحكم الانتقالي، لكن اتضح مع تنفيذ الانقلاب، حقيقة ما كان يتم تدبيره.

الخلاف بين رأسي السلطة الانتقالية في السودان، برز للعلن قبل أشهر قليلة مع اعتراض المدنيين الممثلين لقوى التغيير والحرية، على دمج فلول النظام السابق في العملية السياسية الانتقالية.

يرجح أن تشهد شوارع الخرطوم والولايات الكبرى احتجاجات عارمة رفضاً للانقلاب العسكري، بينما تسود حالة من التوتر الشديد ومخاوف من موجة عنف غير مسبوقة.

وكانت تصريحات الجانبين تشير إلى خلاف يتم العمل على حله، لكن محاولة انقلابية فاشلة في أيلول/ سبتمبر الماضي من قبل عسكريين موالين للبشير، كشفت حجم الهوة بين العسكر والمدنيين.

وفي تلك الفترة حذّر رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك من فوضى دموية يتم تدبيرها.

وكان تحدث في حزيران/ يونيو الماضي عن حالة تشظٍ في المؤسسة العسكرية قائلاً، “جميع التحديات التي نواجهها في رأيي، هي مظهر من مظاهر أزمة أعمق في الأساس وهي بامتياز أزمة سياسية. التشظي العسكري وداخل المؤسسة العسكرية أمر مقلق جداً”. 

لاحقاً وجه رئيس المجلس السيادي عبدالفتاح البرهان ونائبه الأول محمد حمدان دقلو اتهامات للسياسيين بالصراع على الكراسي، وحمّلا الحكومة المسؤولية عن تفاقم الأزمة، فيما كانت التوترات تتصاعد في شرق السودان مع احتجاجات عارمة ضد التهميش وضعف الخدمات.  

وسارعت دول عربية وغربية وأفريقية لإدانة الانقلاب، وهو أمر ستتبعه حتماً إجراءات عقابية بينما يكابد السودان في مواجهة أسوأ أزمة على الإطلاق. ومن المتوقع أن تبادر الدول الداعمة للانتقال الديموقراطي وعلى رأسها الولايات المتحدة، بإعادة فرض عقوبات على الخرطوم وهو ما من شأنه أن يفاقم الأزمة الاقتصادية، بينما سيدفع الشعب فاتورة المغامرة العسكرية الجديدة.

قد يلجأ العسكر لاحتواء الغضب الدولي بالإعلان عن سلطة انتقالية جديدة، لكن كل المؤشرات تجمع على أن الوضع سائر إلى موجة عنف وعنف مضاد، فالأنباء الآتية من السودان تشير  إلى أن مئات المحتجين اقتحموا الحواجز العسكرية في مبنى القيادة العامة  في العاصمة الخرطوم، وأن مواجهات عنيفة تدور بين المتظاهرين الرافضين للانقلاب وقوى أمنية وعسكرية.

وذكرت وسائل إعلام سودانية أن “تجمع المهنيين السودانيين” وأحزاباً وسياسيين دعوا إلى عصيان مدني، بينما نزل مئات المدنيين إلى الشارع بشكل تلقائي.

ويرجح أن تشهد شوارع الخرطوم والولايات الكبرى احتجاجات عارمة رفضاً للانقلاب العسكري، بينما تسود حالة من التوتر الشديد ومخاوف من موجة عنف غير مسبوقة.

ومن غير الوارد أن يتراجع الانقلابيون عن قرارهم وهو أمر سيعيد السودان إلى مربع العنف، بعدما نسف العسكر مكتسبات المرحلة باستيلائهم على الحكم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني