أصوات من المعارضة السورية تحتفي بـ”طالبان”:
حنين إلى زمن “داعش”؟

كان إقناع الناس بالفرق بين الإسلام والانتساب إلى الجماعات الإسلامية أمراً صعباً، بخاصة مع تفاقم وحشية النظام التي دفعت الناس إلى الانحياز إلى التطرف لوقف هذه الوحشية.

فاجأ الكاهن سارة (اسم مستعار) وهي فتاة مسيحية حين أجبر النساء والفتيات في إحدى المدن السورية على ارتداء أغطية الرأس خلال أحد الطقوس الدينية، علماً أنه لم يفعل ذلك سابقاً. وارتداء أغطية الرأس ليس أمراً شائعاً أو فرضاً دينياً لدى المسيحيين في سوريا، تقول سارة: “نظرنا نحو بعضنا بعضاً باستغراب، لكن لهجة الكاهن القاسية أجبرتنا على وضع أغطية الرأس”، وتسأل: “هل يمكن أن نصبح يوماً متشددين كما داعش وطالبان؟”.

الأقليات في سوريا تتجه نحو التطرف

ما حدث مع سارة مشهد صغير من مشاهد التوجه الديني في سوريا اليوم والذي يتحول شيئاً فشيئاً نحو التطرف، يدعمه منحُ النظام المؤسسات الدينية ووزارة الأوقاف دوراً أكبر في الجانب السياسي، فخطر التطرف لا يكمن في الإسلام المتشدد الذي يدعو إلى حكم يشبه “طالبان” وحسب، إنما في تحول الأقليات السورية أيضاً نحو التشدد، سواء بدافع الحماية على اعتبار أن التنظيمات الإسلامية المتشددة شكلت تهديداً لها في مرحلة ما، أو بسبب التأثر غير المباشر بما يحدث على الساحة السورية، فسواء رضيت هذه الأقليات أم لا، تنتشر الأفكار المتشددة بشكل يومي بين أفرادها.

عودة حكم “طالبان” إلى أفغانستان، أرجعت السوريين إلى الماضي القريب وتحديداً إلى زمن “داعش”، لكن لم يتوقف الأمر على الخوف من عودة التنظيم، إنما امتد لتظهر آراء داعمة لـ”طالبان” في أوساط المعارضة السورية. لا يمكن اليوم تجاهل دور الحاضنة الشعبية في نمو “داعش”، بخاصة في المناطق الشرقية كدير الزور، والتي شكلت حاضنة قوية مكنت التنظيم من بسط سلطته، وهذه الحاضنة التي احتوت “داعش” ذات يوم، تهلل اليوم لفوز “طالبان” الميمون على أميركا. يقول محمد أحد الشبان الهاربين من دير الزور، إنه لم يستغرب ما حدث في مدينته، لأن الحركة الوهابية كانت موجودة بالفعل قبل الثورة، والتشدد منتشر، وكذلك “الطرائق” وهي جماعات دينية متشددة مثل الطريقة الرفاعية والخزنوية والقادرية، والتي انتسب أعضاؤها إلى التنظيم فور وصوله، وكان من ضمنهم أصدقاء لمحمد، هذه الجماعات لم تكن ذات تأثير قبل الثورة، وكان النظام يحاربها، إلّا أنها توسعت وعملت بشكل سري. يقول محمد الشاب الذي يعمل في الغناء والعزف، إن الأخبار التي تصلهم من مدينته ما زالت تحمل ذلك التطرف القديم وحتى مع ذهاب “داعش”، ما زالت أفكاره موجود بالفعل، كيف لا ومعظم السكان يدعون إلى تطبيق الشريعة! 

“إن شاء الله نشوف هاليوم عنا ونشوف شبيحة الطاغية بشار مثل الفيران عبيركضوا”

عودة “طالبان” السورية

لا يمكن اليوم إنكار انتشار الأصوات السورية المؤيدة بشكل واضح لعودة “طالبان”، وتمنيها الوصول إلى حكم مشابه في سوريا. يبدو كما لو أن التنظيم المتشدد هو حلم كثيرين في سوريا، تكفي جولة على مواقع التواصل الاجتماعي لإدراك حجم الكارثة، الفكرة القائلة بأن التعليقات ووسائل التواصل الاجتماعي ليست ذات أهمية تناست أن هذه الآراء تخصُّ كثيرين يمثلون شرائح من المجتمع السوري.

يرى أحمد تعليقاً على خبر عودة “طالبان”: “إنه يوم تاريخي، سيقولون ما قبل طالبان وما بعد طالبان”، أما سامر فيقول ببساطة، “ع قبال بلادنا العربية” وتعليق آخر يقول: “إن شاء الله نشوف هاليوم عنا ونشوف شبيحة الطاغية بشار مثل الفيران عبيركضوا”، هذه عينات صغيرة من آراء كثيرة تدعم “طالبان”. 

إذاً هناك شريحة من السوريين تقف بشكل صريح إلى جانب “طالبان”، تقول إحدى الصديقات إنها فوجئت برأي رجل خلال ركوبها “الميكروباص”، أكد لها أن “طالبان” ليست سيئة، يكفي أنها أخرجت أميركا، وهي الحل السياسي الأفضل لأفغانستان، فلماذا نحارب طالبان! وبحسب الرجل “طالبان” بحاجة إلى تطوير سياستها وعدم إخافة الناس… وحسب!

وإن لم يكن للإسلام السياسي والذي ظهر في القرن العشرين أي وجود يذكر قبل مئة عام في سوريا، فقد تتحول حتى الأقليات اليوم إلى جماعات متشددة، بخاصة مع انتشار الأفكار المتطرفة، لا سيما لناحية قمع النساء، “كيف يمكن منع انتشار التطرف وهو يطوّقنا من كل مكان؟” تسأل سارة.

إقرأوا أيضاً:

النظام السوري بمواجهة التطرف!

ما يحدث اليوم على الساحة السورية ليس مستهجناً، فلو عدنا إلى الخلف مع انطلاق الثورة السورية. برهان غليون الرئيس السابق لـ”المجلس الوطني السوري” كان أبدى رأياً في أسلمة الثورة السورية، مشيراً إلى أنها نتاج فراغ أيديولوجي وفكري وسياسي لدى التيارات الأخرى، فبات لدى مؤيدي أسلمة الثورة حجة قوية، وفي انتظار البديل الذي قد لا يأتي توسع الفكر الإسلامي على حساب الثورة والحرية. آراء القيادات الفكرية المشابهة لرأي غليون عززت حضور التطرف اليوم، ودفعه إلى تمجيد “طالبان” التي فعلت ما لم يفعله “داعش”، فاتجه سياسيو الثورة السورية وأعلامها منذ لحظة انطلاقها إلى تبرير أسلمتها، بأن الشعب السوري في أغلبه مسلم، ولذلك لا بأس بخروج التظاهرات أيام الجمعة بعد الصلاة من المساجد، ولا بأس بإطلاق أسماء دينية على الكتائب والفصائل على الأرض، حتى بدا وكأن هناك ضرورة سياسية ورابطاً قوياً بين الشعب المسلم في أغلبه والانتساب إلى جماعات القتال الإسلامية والجهادية. 

وكان إقناع الناس بالفرق بين الإسلام والانتساب إلى الجماعات الإسلامية أمراً صعباً، بخاصة مع تفاقم وحشية النظام التي دفعت الناس إلى الانحياز إلى التطرف لوقف هذه الوحشية، في إغفال لضرورة فصل الإسلام عن مجمل الثورة وجعلها ثورة شعب، فحتى المفكر صادق العظم قال إن “الثورة السورية هي ثورة سواء تأسلمت أو تعلمنت”، متناسياً أن نجاح الثورات الإسلامية لن يكون في صفّ الشعوب في نهاية المطاف، وسيرمي بمفاهيم ثقيلة وقاسية على الحريات وطريقة تعامل القيادات معها. في كل الأحوال، منح هذا الواقع النظام السوري فرصة لإزاحة الثورة تحت مسمى الجماعات المتشددة.

اليوم ونحن نستشعر رغبة التطرف الدفينة في العودة، يبدو المستقبل السوري غائماً، بخاصة في ظل انتشار هذا الفكر في مدن ومحافظات سورية، كإدلب وإعزاز، هل سنشهد قريباً مواجهة صريحة يعلنها الإسلام السياسي مدعوماً بأمل شبيه بعودة “طالبان” بدعم تركي وقطري؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني