حزب الله: إسلام سياسي وأيضاً مسلح بمئة ألف!

لطالما استمرأ البعض، ومن ضمنهم قوميون ويساريون، السكوت عن ممارسات حزب الله، في مقابل تركيز نقدهم، أو هجماتهم، على جماعات الإسلام السياسي التي تحسب نفسها على "السنّة".

مثل هذا الهجوم يتناسى طبيعة هذا الحزب، الذي يفرض نفسه ممثلا حصريا للإسلام السياسي “الشيعي” في لبنان، رغم أنه هو الأخر يتغطى بالدين، ويحتكر تمثيل الطائفة، ويستخدم السلاح لفرض هيمنته على المجتمع والدولة في لبنان؛ كما أخواته في العراق. 

في العموم، سيما في البدايات، كان يتم تبرير ذلك بدعوى المقاومة، التي كانت محصورة في الشريط الحدودي أصلا، إلا أن ذلك الحزب كفّ فعليا عن مقاومة إسرائيل، وذلك بعد انسحابها بشكل أحادي من جنوبي لبنان (2000)، باستثناء لحظة اختطاف جنديين إسرائيليين 2006، تلك العملية التي استجرت حربا إسرائيلية وحشية على لبنان، ذهب ضحيتها أكثر من ألف من اللبنانيين، ونتج عنها دمار رهيب في بيروت وجنوبي لبنان، ما اضطر نصر الله ذاته وقتها للاعتذار، بدعوى أنه لو كان يعرف أن تلك العملية ستؤدي إلى هكذا حرب لما تم القيام بها. وما يجدر ذكره أن العملية المذكورة لم تأت في سياق مقاومة، بواقع إنها كانت متوقفة قبلها وظلت كذلك بعدها، إذ كان الهدف منها كان مجرد استعادة هيبة الحزب وتأكيد قدرته على السيطرة، بعد التداعيات الناجمة عن اغتيال الرئيس الحريري (2005)، والتي نتج عنها حال من الضغط الشعبي والدولي فرض إخراج القوات السورية من لبنان.

مئة ألف مقاتل لحزب الله في لبنان، هذا ليس رقما مبالغا فيه، إذ لبنان، والمشرق العربي، باتا في واقع بالغ الخطورة.

فيما بعد سكت هؤلاء عن حزب الله الذي حاول توظيف قوته العسكرية، وهيمنته على الطائفة “الشيعية”، في الداخل اللبناني، بانخراطه النشط في اللعبة السياسية الطائفية، الأمر الذي أكد نجاح سياسة إسرائيل في الانسحاب الأحادي، إذ ليس فقط تخلصت من العبء الأمني لوجودها في الجنوب، وإنما نجحت، أيضا، في توريط حزب الله في الصراعات الداخلية في لبنان، وفي تعزيز انقسام المجتمع اللبناني على أساس طائفي/مذهبي، وهو ما ساهم فيه حزب الله، كذراع لإيران، بكل تصميم، وبكل تبجّح، سيان عن قصد أو من دونه.

بيد أن الفضيحة المدوية لهؤلاء، في سكوتهم عن طبيعة حزب الله كحزب طائفي ويتغطى بالدين، ويشتغل كذراع إقليمية لإيران، أتت مدوية بعد انخراط هذا الحزب في الصراع السوري، منذ بدايته، في قتله السوريين، وتشريدهم، مع فصائل مثل “زينبيون” و”فاطميون” و”حسينيون” و”عصائب الحق” و”أبو الفضل العباس”، وذلك قبل ظهور “جبهة النصرة وداعش، وغيرهما، على رغم أن هؤلاء تذرعوا فيما بعد، بوجود تلك الفصائل الجهادية المتطرفة، لإرضاء “ضمائرهم”، وتبرير محاباتهم حزب الله، وهي ذريعة واهية، إذ لا يوجد تنظيم إرهابي أو جهادي يبرر آخر، أو يغطي على آخر، سيما إذا كان ذلك التنظيم يدافع عن نظام قام على الاستبداد والفساد، ويمعن في محاربة شعبه وتشريده.

الفكرة هنا أن نقد الإسلام السياسي، وهو أمر مطلوب ومشروع وضروري، لا يستقيم في نقد أحد وجوهه، فقط، المتمثل بفصائل الإسلام السياسي “السني”، إذ يفترض أن يشمل ذلك فصائل الإسلام السياسي “الشيعي” أيضا، وفقا للمعايير ذاتها. ووضعي مزدوجين في الفقرة السابقة ناجم عن تحفظي على تنميط مجموعات بشرية وفقا لانتماءات دينية أو طائفية أو هوياتية، بمعنى أن تلك الفصائل تتغطى بالدين، أو بمذهب معين، من دون أن يعني ذلك إنها تعبر عن المنتسبين إلى هذه الطائفة أو تلك، في تمييز للطوائف عن الطائفية، إذ أن تلك الفصائل تستخدم كل وسائل القسر والترغيب والترهيب لفرض هيمنتها على طائفتها، وذلك ينطبق على الفصائل العسكرية “سنية” كانت أو “شيعية”؛ وهو ما ينطبق على حزب الله، وعلى فصائل الحشد الشعبي في العراق على ما نشهد هذه الأيام.

إقرأوا أيضاً:

وعلى أية حال فقد تكشّف مع الموجة الثانية للربيع العربي، التي شملت العراق ولبنان، أن أحزاب وفصائل الإسلام السياسي الشيعي، كما نشطت في وأد الموجة الأولى للربيع العربي في سوريا واليمن، نشطت أيضا في وأد تلك الموجة سيما في العراق ولبنان، إذ خرجت مجامع فصائل الحشد الشعبي المسلحة في العراق، وجموع حزب الله في لبنان، لمواجهة المتظاهرين السلميين. وفي الواقع فإن تلك القوى تموضعت علنا، وبكل وضوح، في معسكر الدفاع عن أنظمة الطائفية والفساد، من موقع تبعيتها للنظام الإيراني، باعتبار أن أي تغيير في تلك البلدان سيكون على حساب النفوذ الإقليمي لإيران، التي ما فتئت تدعي الهيمنة على خمسة عواصم عربية (بغداد ودمشق وبغداد وبيروت مع غزة!).

في هذا السياق يمكن فهم تصريح نصر الله الذي هدد فيه بوجود مئة ألف مقاتل في حزب الله، ما يفيد بوجود دولة داخل دولة، أو أعلى من سلطة الدولة، وتلك مسألة لا علاقة لها البتة بالمقاومة المتوقفة منذ العام 2000 كما ذكرنا، بقدر ما لها علاقة بتعزيز نفوذ نظام إيران في الإقليم.

وقد يجدر لفت الانتباه هنا إلى أن هذا التصريح يذكر بالاعتصام الضخم والطويل والمكلف الذي نظمه حزب الله في بيروت (2006) والذي استمر لـ 18 شهرا حول السراي الحكومي لإسقاط حكومة الحريري، كما يذكر بمظاهرة حزب الله، التي عرفت بمظاهرة القمصان السود في السابع من أيار (2008)، التي تم فيها مهاجمة مؤسسات إعلامية ومنشآت عامة وترويع مواطنين. واللافت أن “أخوات” حزب الله في العراق، من فصائل الحشد الشعبي (الميلشيات الطائفية المحسوبة على إيران) تحاول استعادة تلك التجربة في بغداد، للانقضاض على نتائج الانتخابات التي لم تأت في صالحهم، ولو باستخدام السلاح. وهذا كله يمكن إضافته إلى عمليات الاغتيال الإجرامية التي تمت تحت مظلة هذا السلاح والتي لم يكن أولها الرئيس الحريري، فقد سبقه حسين مروة ومهدي عامل خلال فترة الحرب الأهلية، وصولا إلى لقمان سليم (2021)، مرورا بجورج حاوي وسمير قصير وجبران تويني، وهي عمليات سجلت ضد مجهول، أو جرى طي ملفها بدعوى السلم الأهلي، وهو تماما ما يجري الدفع بشأنه اليوم بخصوص شحنة الأمونيوم وجريمة تفجير مرفأ بيروت.

وباختصار، لا يوجد ما يمكن نفيه في تحديد طبيعة هذا الحزب، إذ أن اسمه حزب الله، أي كأنه يصادر أو يحتكر الذات الإلهية، ثم إن أمينه العام يستدعي في خطاباته العصبية الطائفية، والمظلومية “الشيعية” بقوله لبيك يا حسين، وهيهات منا الذلة. أما كون حزب الله يشتغل كذراع إقليمية لإيران، فهو موضع فخر لأمينه العام الذي وقف متحديا في أحد خطاباته (صيف 2016) معلنا: “نقول للعالم كله، موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من إيران، ولا أحد له علاقة بهذا الموضوع…”.

أما بالنسبة للمقارنة بين الإسلام السياسي “السني” والإسلام السياسي “الشيعي”، فيمكن القول إن الإسلام السياسي “الشيعي” أكثر حركة وتأثيرا ونفوذا وعمقا في مجتمعاته، رغم أن الإسلام السياسي “السني” هو الأكثر ضجيجا، وأن الأضواء مسلطة عليه أكثر من الأول (في نظرة سلبية وليست إيجابية). أيضا، قوة الإسلام السياسي “الشيعي”، تتأتى من عوامل متعددة، أولها، استناده إلى دولة مركز، هي إيران، في حين لا يوجد دولة مركز للإسلام السياسي “السني”. ثانيا، الإسلام “الشيعي” لديه تراتبية أو هيكلية تنظيمية، بخصوص المراتب الدينية، والمقلدين، وهذا لا يتوفر للإسلام “السني”، ما يقوي الكيانات السياسية للأول، ويضعف الكيانات السياسية للثاني أو يشتتها. وثالثها، أن الإسلام “الشيعي” لديه إمام، هو المرشد الأعلى أو “الولي الفقيه”، وهو في الواقع بمثابة “خليفة” في المنظور “السني”، في حين لا يوجد إمام في الإسلام “السني” ولا زعيم. ورابعها، أن العصبية عند الطائفة “الشيعية” تغذت عبر تاريخ من المظلومية، في حين أن “السنة” لا يعرفون أنفسهم كطائفة. وخامسها، أن الإسلام السياسي “الشيعي”، في البلدان العربية، يستند إلى موارد منتظمة وكبيرة تأتيه من الدولة المركز، في حين يفتقد الإسلام السياسي “السني” لموارد منتظمة، وإن وجدت فهي تخضع لمزاجيات ولتوظيفات متباينة ومختلفة. وسادسها، أخيراً، أن الإسلام السياسي “الشيعي” بات يعقد ولاءه لميلشيات طائفية مسلحة، في حين أن الأمر لم ينجح مع الإسلام السياسي “السني”، الذي تعددت ولاءاته وتوظيفاته وتضاربت مصالحه، كما شهدنا في الحالتين السورية والعراقية. في هذا الإطار يجدر التذكير بخطاب لنصر الله، قال فيه: “الإمام الخامنئي سيدنا وقائدنا وإمامنا وحسين هذا الزمان.”

القصد من هذه المقارنة أن الإسلام السياسي “الشيعي” والمسلح، لا يقل خطورة عن الإسلام السياسي المسلح “السني”، إن لم يكن يزيده، بحكم الميزات التي يتمتع بها، وشاهدنا أنه استطاع تصديع مجتمعات البلدان العربية في المشرق العربي، وأنه بحكم قدرته على التنظيم وجلب الموارد استطاع بناء قوة عسكرية تمكنه من الاشتغال كدولة داخل دولة، أو كدولة عميقة أقوى من الدولة الظاهرة، والأهم من هذا وذاك أنه يشتغل وفقا لتوظيفات المركز الإقليمي، أو دولة الولي الفقيه في إيران، بغض النظر عن أولويات ومصالح الدولة المعنية.

مئة ألف مقاتل لحزب الله في لبنان، هذا ليس رقما مبالغا فيه، إذ لبنان، والمشرق العربي، باتا في واقع بالغ الخطورة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني