رفع الدعم عن البنزين:
موسم الإفقار الجماعي للبنانيين

لا يبدو أن الحكومة قد شرعت حتّى اللحظة بأي خطوة لامتصاص الآثار المعيشيّة لمرحلة رفع الدعم عن المحروقات، وخصوصاً من ناحية وسائل النقل المشترك التي كان يفترض تجهيزها قبل رفع الدعم.

منذ أيلول/ سبتمبر الماضي، قررت وزارة الطاقة والمياه البدء بتسعير صفيحة المازوت بالدولار النقدي، واحتساب قيمتها بالليرة وفقاً لسعر صرف السوق الموازية (أي السعر الرائج في السوق السوداء). وفي الأسواق، بات الحصول على الدولارات لاستيراد هذه المادّة يتم من خلال السوق الموازية مباشرةً، من دون المرور بمصرف لبنان، وهو ما عنى من الناحية العمليّة رفع الدعم بشكل تام عن المازوت، وربط توفّره وتسعيرته بتوفّر الدولار وتسعيرته في سوق القطع. 

لكن وخلافاً لما اعتقده كثيرون، لم يكن الدعم قد رُفع منذ ذلك الوقت عن مادّة البنزين، التي قامت وزارة الطاقة والمياه بتسعيرها وفقاً لسعر صرف الدولار في منصّة مصرف لبنان، والذي يقل في العادة عن سعر الدولار في السوق الموازية بنحو ألفي ليرة أو أكثر. بمعنى آخر، ظلّت تسعيرة مادّة البنزين مدعومة ضمن حدود الفارق بين سعر صرف المنصّة وسعر السوق الموازية. أما تأمين الدولارات بسعر الصرف المضبوط هذا، فظل على عاتق مصرف لبنان الذي عمد إلى بيع مستوردي البنزين الدولارات المطلوبة من خلال المنصّة نفسها. ولهذا السبب، لا يمكن القول إن الدعم رُفع عن البنزين سابقاً، لا من ناحية طريقة تأمين الدولارات التي استمرّ مصرف لبنان بتحمّلها، ولا من ناحية سعر الصرف المعتمد لبيع هذه الدولارات الذي ظلّ عند حدود منخفضة قياساً بسعر الصرف الفعلي. 

رفع الدعم عن البنزين يوم أمس

كل ما سبق ذكره، يبدو ضروريّاً لفهم أهميّة التطوّر الذي حصل بالأمس على مستوى تسعيرة صفيحة البنزين، وتدرّج وزارة الطاقة والمياه ومصرف لبنان في رفع الدعم عن هذه المادّة. فجدول الأسعار الذي أصدرته الوزارة صباح الأربعاء 19 تشرين الأول/ أكتوبر، سعّر صفيحة البنزين للمرّة الأولى وفقاً لسعر الصرف الرائج في السوق الموازية، لا منصّة مصرف لبنان، وهو ما يعني أن البلاد دخلت من الناحية العمليّة مرحلة رفع الدعم التام عن البنزين، تماماً كما حصل بالنسبة إلى مادتي المازوت والغاز المنزلي منذ أكثر من شهر. وبذلك، تكون الدولة اللبنانيّة قد أنهت مسار التدرّج في رفع الدعم عن جميع أنواع المحروقات من دون أي استثناء، وربطت أسعار كل هذه المواد بسعر الدولار في السوق الموازية.

نتيجة هذا التطوّر، وخلال يوم واحد فقط، ارتفع سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان بنحو 59900 ليرة لبنانيّة، ليبلغ سعر الصفيحة 302700 ليرة. أما سعر صفيحة البنزين 98 أوكتان، فارتفع بحوالي الـ62 ألف ليرة لبنانيّة، ليبلغ سعر الصفيحة حدود الـ312700 ليرة لبنانيّة. مع الإشارة إلى أن سعر صفيحة المازوت ارتفع أيضاً ليبلغ حدود الـ270700 ليرة لبنانيّة، مسجّلاً زيادة ب35500ـ ليرة، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية. كما شملت زيادة الأسعار قارورة الغاز المنزلي، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار أيضاً، إذ ارتفع سعر القارورة الواحدة بحدود الـ9400 ليرة، ليصل إلى 229600 ليرة لبنانيّة.

لفهم قسوة الارتفاع الأخير في أسعار الجدول الذي أًصدرته وزارة الطاقة، تكفي الإشارة إلى أن سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان صار يساوي اليوم أكثر من 6.7 مرّات سعر الصفيحة نفسها قبل خمسة أشهر، فيما تضاعف سعر صفيحة المازوت بأكثر من 8 مرّات منذ ذلك الوقت. 

إذاً، قيمة الحد الأدنى الشهري للأجور أصبحت لا تتجاوز حدود الصفيحتين وربع الصفيحة من البنزين، وهو ما يدل على عمق المشكلة المعيشيّة التي ستواجه الأسر اللبنانيّة بعد هذه الزيادات في الأسعار، بغياب أي تصحيح شامل للأجور والرواتب. أما الأخطر، فهو أن هذه الزيادات القاسية بدأت قبل إيجاد أي بدائل على مستوى وسائل النقل المشترك، وقبل تطبيق آليات الدعم البديلة، التي كان يفترض أن تعين الأسر الأكثر حاجة بعد رفع الدعم، كالبطاقة التمويليّة مثلاً. 

إقرأوا أيضاً:

قيمة الأجور تتآكل

عمليّاً، مثّل جدول أسعار المحروقات ذروة الارتفاع في أسعار البنزين والمازوت والغاز المنزلي، بعدما استمرّت أسعار السلع الثلاث بتسجيل معدلات ارتفاع أسبوعيّة طوال الأشهر الماضية، بالتوازي مع انسحاب مصرف لبنان تدريجياً من آليّات دعم الاستيراد السابقة. أما أثر الارتفاعات التدريجيّة في أسعار السلع الثلاث، فسرعان ما ظهرت في معدلات التضخّم في الأسواق، والتي أثرت بدورها على مستوى التآكل في القيمة الشرائيّة للأجور والرواتب. مع أهميّة الإشارة هنا إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات يترك أثره على أسعار جميع السلع في السوق، نتيجة انعكاس تسعيرة المحروقات على كلفة النقل والتوضيب والتشغيل وغيرها.

لهذا السبب تحديداً، تظهر أرقام الإدارة المركزيّة للإحصاء إلى أنّ معدّل التضخّم العام هذه السنة بلغ مستوى الـ131.59 في المئة حتّى شهر آب/ أغسطس الماضي، أي خلال 8 أشهر فقط من هذه السنة، مقارنة بنحو 58 في المئة فقط في الفترة المماثلة من العام الماضي. وهذا المستوى المرتفع لمعدّل التضخّم العام في السوق، لا يمكن فصله هذه السنة عن عمليّة الخروج التدريجي من آليات دعم استيراد المحروقات، والارتفاع المتدرّج في أسعار البنزين والمازوت والغاز، خصوصاً أن جزءاً أساسياً من معدّل التضخّم المرتفع نتج عن ارتفاع أسعار النقل بنحو 290 في المئة، وارتفاع كلفة المحروقات والغاز بنسبة 137 في المئة، كما تظهر أرقام الإدارة المركزيّة للإحصاء. كما يظهر من الأرقام نفسها أن ارتفاع أسعار المحروقات ترك أثره على أسعار جميع السلع والخدمات الأخرى، التي دخلت كلفة النقل والإنتاج من ضمن أسعارها، كأسعار المواد الغذائيّة والمنتجات الزراعيّة والصناعيّة وكهرباء المولدات الخاصّة وغيرها.

بالنسبة إلى كلفة كهرباء المولّدات الخاصّة، كان من الواضح أن أسعار هذه الخدمة تأثّر بتقاطع عاملين معاً: أولاً ارتفاع أسعار المازوت بالتوازي مع رفع الدعم عن استيراده، وثانياً ارتفاع ساعات تقنين مؤسسة كهرباء لبنان، وبالتالي زيادة ساعات التغذية الكهربائيّة التي تقوم المولدات الخاصّة بتغطيتها. ولهذا السبب بالتحديد، ارتفعت كلفة اشتراكات المولدات الخاصّة في بعض المناطق بأكثر من سبعة أضعاف خلال أشهر قليلة، وهو ما فاقم من استنزاف الأسعار الجديدة لأجور المقيمين وقدرتهم الشرائيّة. 

لفهم قسوة الارتفاع الأخير في أسعار الجدول الذي أًصدرته وزارة الطاقة، تكفي الإشارة إلى أن سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان صار يساوي اليوم أكثر من 6.7 مرّات سعر الصفيحة نفسها قبل خمسة أشهر، فيما تضاعف سعر صفيحة المازوت بأكثر من 8 مرّات منذ ذلك الوقت. 

المزيد من الارتفاع المتوقّع في الأسعار

كل ما سبق، لن يكون آخر المطاف بالنسبة لمعاناة المقيمين في لبنان مع أسعار المحروقات بمختلف أنواعها. فرفع الدعم كلياً عن جميع أنواع المحروقات، وبشكل تام ونهائي، سيعني ربط أسعار هذه المواد بسعر صرف الدولار اليومي في السوق الموازية. ولهذا السبب بالتحديد، من شأن ارتفاع سعر الصرف إلى نحو 25 ألف ليرة لبنانيّة مقابل الدولار أن يرفع سعر صفيحة البنزين بشكل إضافي إلى ما يقارب الـ380 ألف ليرة لبنانيّة، وهو ما سيفاقم الأثر المعيشي لرفع الدعم. مع الإشارة إلى أنّ زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازية، لاستيراد المحروقات نفسها، سيؤدّي حكماً إلى ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة خلال الأشهر المقبلة.  

وفي الوقت نفسه، تستمر الأسواق العالميّة بالتعافي تدريجياً من الآثار الاقتصاديّة لوباء “كورونا”، وما فرضه الوباء من حالات إقفال واسعة النطاق. ولهذا السبب بالتحديد، تستمر أسعار المحروقات بتسجيل زيادات معتبرة في السوق العالميّة، وهو ما سيؤدّي حكماً إلى ارتفاع كلفتها على المقيمين في لبنان بالعملة الصعبة. 

لا يبدو أن الحكومة قد شرعت حتّى اللحظة بأي خطوة لامتصاص الآثار المعيشيّة لمرحلة رفع الدعم عن المحروقات، وخصوصاً من ناحية وسائل النقل المشترك التي كان يفترض تجهيزها قبل رفع الدعم. لا بل وحتّى قرض البنك الدولي الذي تم تخصيصه لتمويل مشروع النقل المشترك في بيروت وضواحيها، تم تعطيل الاستفادة منه طوال الفترة الماضية، ما أدّى إلى مفاقمة آثار التطورات الأخيرة. وفي الوقت الراهن، تستمر الخضات الأمنيّة والتجاذبات السياسيّة بتعطيل عمل الحكومة في كل ما يتصل بالتعامل مع تداعيات الأزمة، ومنها التعطيل الحاصل اليوم على خلفيّة رفض بعض مكونات الحكومة مسار التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني