التقرب إلى النظام عبر استهداف فيلم “ريش” :
من يسيء إلى سمعة مصر؟

يدور الفيلم في سياق خيالي، يتجاوز عاملي الزمان والمكان، ربما لا يربطه بمصر سوى العملة وملامح الممثلين ويمكن أن تتخيله من صورته والديكورات والألوان فيلمًا كوبيًا أو روسيًا قديمًا...

بين من أزعجته السيقان العارية ومن أفزعته الحقيقة العارية تجري أحداث مهرجان الجونة السينمائي المصري. 

جدل هائل بسبب فيلم “ريش” الذي عرض للمرة الأولى في مهرجان “كان” ونال جائزة “أسبوع النقاد”، فحاز اهتمامًا خاصًا من جميع الحضور لمشاهدته في عرضه الخاص الأول داخل مصر بالجونة. 

غادر 4 فنانين صالة عرض “ريش”، بعد 15 دقيقة فقط، غاضبين بحجة أنه “يسيء لسمعة مصر”، وأغرقوا الفيلم في جدل حول الصورة التي يقدم بها مصر للعالم، بينما يتقدم النظام السياسي نحو الجمهورية الجديدة، ويبني مدنًا على رمال، وعاصمة إدارية جديدة، ويتقدم في مشروع “حياة كريمة” المعني بتحسين حياة الفقراء في الريف والعشوائيات. 

كان كلُ شيء هادئًا في محيط الجونة، حفلات موسيقية وسهرات، حتى صرخ الممثل المعروف شريف منير، أحد الغاضبين الأربعة، في اتصال هاتفي لإحدى الفضائيات، بأن صورة الفيلم تجعل شكلنا قبيحًا، والأسرة التي يصوّرها تعيش في عذاب غير طبيعي، ويقول: حتى العشوائيات اللي كانت موجودة مش بالمنظر ده، الصورة اللي كنا بنشوفها في فيلم “حين ميسرة” لازم نبعد عنها، احنا دلوقتي في جمهورية جديدة وشكل جديد، وغيرتي على مصر هي اللي بتحركني”.

ثم يصل “منير”، الذي قدّم صورة سوداوية أخرى لمصر عام 1991 في فيلم “الكيت كات”، حين كان شابًا منطلقًا، اليوم ينهال على فيلم “ريش” باللكمات الآن، إلى النقطة التي تزعجه بالضبط، حين يقول: “كل المبادرات اللي بتحصل، حياة كريمة والأسمرات وتكافل وكرامة، ولسه هنطلع أفلام تبين الفقر؟ مش دي مصر اللي نعرفها.”

مصر التي لا يعرفها “شعب الجونة”

يصبح ما يقوله شريف منير منطقيًا حين تمد الخط على استقامته، وأنت تسمع هذا التصريح، فمصر التي يعرفها شريف منير هي مصر التي ترقص وتستعرض أزيائها الأنيقة وحياتها الفارهة الآن في الجونة، وتحضر المؤتمرات الرئاسية الفخمة، وتظهر في القصور وصراعات الأثرياء بمسلسلات رمضان، والسيارات المرسيدس التي يركبها أغلب النجوم، في الواقع والأعمال الفنية.

 فقد جرى مؤخرًا، بتمويل من الدولة التي تتولّى عمليات الإنتاج عبر ذراعها الإعلامي والفني، طمس كل ما يمكن أن يظهرَ الحقيقة في القاع، أصبحت تتحدث عن حياة جميلة وسلسة في دفق عروض لمسلسلات اجتماعية تذاع على الفضائيات المصرية، وتتناولَ بطولات الجيش، وتبرز نخبة المجتمع، ولا تتناول العشوائيات والفقراء وكأنهم أزيلوا تمامًا، رغم أن معدلات الفقر، حسب بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، تصل إلى 29.7%. 

 أكثر من ربع المصريين يعانون من الفقر المدقع، بينما تتزايد الأسعار، ويُرفع الدعم عن الخبز، وتشتعل المتطلبات الأساسية للبيت المصري غلاءً، لكن الفنان شريف منير ورفاقه لا يرون الفقر أو الفقراء، ولا يريدون رؤيتهم، حتى في الأفلام.

صار هناك شريحة من الفنانين المصريين المنفصلين تماماً عن الواقع، الذي يجدرُ بهم أن يعبروا عنه، حتى أصبحوا لا يعرفون شيئًا عن وجوده من الأساس، أو ينكرونه إلى الحد الذي يجعلهم يؤمنون بأنه لم يعد موجودًا، وأن مصر الحقيقية هي الموجودة في أفلامهم ومسلسلاتهم فقط.

حملة موجهة وعودة نغمة “التمويل الأجنبي”

“ريش” هو الفيلم الروائي الطويل الأول لأغلب صناعه، بدءًا من المخرج عمر الزهيري، مرورًا ببطلة العمل، دميانة نصار، وكذلك جميع الممثلين ليس بينهم محترفًا واحدًا، لانتمائه لفئة الأفلام المستقلة، ورغم ذلك فاز بجائزتين في الدورة الأخيرة بمهرجان “كان” السينمائي الدولي. 

ويدور الفيلم في سياق خيالي، يتجاوز عاملي الزمان والمكان، ربما لا يربطه بمصر سوى العملة وملامح الممثلين ويمكن أن تتخيله من صورته والديكورات والألوان فيلمًا كوبيًا أو روسيًا قديمًا، بينما تتناول أحداثه اختفاء أب بعد أن حوّله الساحر في عيد ميلاد ابنه إلى دجاجة وفشل في إعادته إنسانًا طبيعيًا لتدخلَ الأم في معاناة قاسية خلال محاولاتها لإعالة أسرتها، وسط ظروف صعبة وفقر شديد. 

نموذج الأسرة شديدة الفقر منتشر في مصر بشدة، هناك فقراء ومشرّدون وعمال باليومية حين يصابون بمرض أو أزمة تنهار الأسرة بالكامل، وتكشف أحدث الإحصاءات أن 3.3 مليون أسرة تعيلها سيدات في مصر، بالإضافة30 ألف سجينة غارمة لم تقدر على دفعِ ديونها، بالتأكيد حياتهنّ أصعب من بطلة فيلم “ريش” التي تعيش حياة صعبة، ولكن.. خارج السجن.

ولأن الدولة المصرية تعتبر أي إنجاز مصري في الخارج هو إنجاز شخصي لها، تحتفي به حتى دون أن تدرك أبعاده أو تطلع عليه، للترويج لإسهاماتها في جميع المجالات، حتى تفرغه من مضمونه فتتعامل معه كإنجاز تضيفه إلى دولاب بطولاتها، وليس عملًا فنيًا يستحق النقاش والجدل، احتفت بفيلم “ريش” بعد فوزه بجائزتين في مهرجان “كان”، ونال صناعه تكريمًا من وزيرة الثقافة المصرية دون أن تشاهده.

لكن الدولة – بعد موقف الفنانين الأربع – تنصَّلت منه وشنَّت حملة ضده عبر صحفها، وقنواتها، والموالين لها، ليتهجم “الدولجية” على صناع العمل ولا يكتفون بتصنيفه فيلمًا سيئًا أو مغايرًا للواقع، يصل الأمر إلى اتهام صناعه بحياكة مؤامرة للإساءة لمصر، ومطاردتهم باتهامات الحصول على تمويل أجنبي حتى نشرت صحيفة أخبار اليوم (الحكومية) ما يعتبر سبًا وقذفًا بالمعايير القانونية والمهنية أن مخرج الفيلم حصل على 40 ألف يورو مقابل الإساءة لمصر. كل هذا فقط لأن الفيلم إنتاج مشترك بين عدة جهات مانحة من فرنسا وهولندا واليونان وجهة إنتاج مصرية (يمثلها المنتج محمد حفظي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي)، لتتحرك دعاوى قضائية تطالب بمحاكمة صناع الفيلم. 

وركب العشرات موجة الهجوم على الفيلم لتقديم فروض الولاء والطاعة الوطنية، أبرزهم النائب محمود بدر (مؤسس حملة تمرد)، والمخرجة إيناس الدغيدي، ومجموعة إعلاميين وفنانين آخرين، دفاعًا عن مبادرات الدولة في ملفي الفقر والعشوائيات، الذين تعترف الدولة أنهما لا زالا حاضرين وبقوة، وأن مجهوداتها مستمرة للتخلص منهما، فيما اعتُبر مشهدًا مبالغًا في التعبير عن الوطنية والولاء للنظام القائم من فنانين “صف ثانٍ” أملًا في الحفاظ على مواقعهم، والإبقاء على الاستعانة بهم في بعض الأدوار بالإنتاج الدرامي والسينمائي الذي تحتكره الدولة المصرية حاليًا. 

إقرأوا أيضاً:

التجارة بالهتافات الوطنية.. حيلة “الدولجية” للبقاء

تحملُ هذه النوعية من الفنانين، الذين يُلقَّبون بـ”الدولجية” لكثرة مشاركاتهم وهتافاتهم الوطنية عبر السوشيال ميديا، تحديدًا شريف منير، الذي أطلّ في وقت سابق من مطبخ منزله وفي الخلفية علم مصر، قلقًا وخوفًا شديدًا من تكرار الأعمال الفنية التي أدّت إلى اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير، إذ أنها أدّت إلى تعطيل الأعمال الفنية لبعضِ الوقت، وهو ما لا يريدون تكراره حتى لا يتضررون ماديًا، كما أنهم على وفاق تامٍ مع النظام السياسي القائم، الذي يدير لعبة السينما والدراما، ولا يريدون إزعاجه أو البُعد عنه. وبالتالي، فمن الخطأ اعتبار تلك النزعة الوطنية المُدعاة “شوفينية”، بل على العكس، هي خالية من الولاء أو المحبة للوطن، لكنها أقرب ما تكون للتجارة مع الدولة الحالية باسم الوطنية: سنصرخ بأن البلد أصبحت عظيمة في مقابل امتيازات خاصة تجعلنا “طبقة أعلى دائمًا”.

في دورة العام قبل الماضي من مهرجان الجونة، عرض فيلم “ليلة رأس السنة” وكان يتناول جانبًا آخر من حياة الطبقة الثرية في مصر، فأظهرها وكأنها – بالكامل – خيانات زوجية ومخدرات وعلاقات غير شرعية وانصراف كامل وراء الشهوات والرغبات والصراعات، وكان أبطالُ العمل من المشاهير بالوسط الفني، في مقدمتهم إياد نصار وشيرين رضا، ورغم أن الفيلم يسيء لمصر أيضًا بكل ما يحتويه من مخالفات للقانون، إلا أن أحدًا لم يتكلمْ، رغم أن هذا الفيلم، بالحسبة التي يقيّمون بها فيلم “ريش” يسيء إلى مصر أيضًا، لكن الفارق في حالة الفيلم المستقل، أنه حصل على جائزة عالمية تثير غيرة الفنانين الكبار وأن صناعه ليسوا من “شلة الجونة” (وهو مصطلح شهير بالوسط الفني في مصر)، وأخيرًا أنه لا يتداخل بشكل مباشر مع الفقر الذي يبني النظام المصري شرعيته على العمل لمواجهته ورفع مستوى حياة الناس.

وهذا هو السبب وراء امتلاء القنوات والصحف المصرية بحديث عن المشروعات القومية، واستضافة لمن تتحسّن حياتهم ومن يمنحهم الرئيس السيسي امتيازات لأنه سمع بقصصِهم التي تتحول إلى “تريند” أو قابلهم في الشارع، دون أي التفات إلى من لا يزالون تحت خط الفقر، ويعانون معاناة قاسية في عالمهم الصعب، وذلك لترويج شعور “وهمي” بالإنجاز وتحقيق تقدم ملموس، لكن من يصدق ذلك.

كان الإجهاز على فيلم “ريش” غلقًا لآخر ثغرة يمكن أن تقال الحقيقة من خلالها، ورسالة لصناع السينما “المستقلين وغيرهم” بأن من يقدم شيئًا من الواقع، سيتم تخوينه ومنع عمله، إلا إذا كان يقدّم الواقع الذي يراه “مجتمع الكمباوندات الراقية”.

“احنا شعبين شعبين”

للشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي، قصيدة شهيرة يقول فيها: “إحنا شعبين شعبين شعبين.. شوف الأول فين والتاني فين.. وأدي الخط مابين الاتنين بيفوت”. وهذا هو الفارق بين الوسط الذي جاء منه شريف منير ورفاقه، والوسط الذي جاء منه مخرج فيلم ريش، عمر الزهيري. الأول يرى في مصر الإصلاح الاقتصادي والنمو والرخاء ولا يرى فقراء أو متعبين في “الكمباوند” الذي يعيش به بمنطقة راقية على أطراف القاهرة، أو في المصيف الذي ينزل به بالجونة أو الساحل الشمالي. 

السنوات العشر الأخيرة خلقت انفصالًا كاملًا وبعدًا هائلًا بين الطبقات خلَّف حالة من عدم الوعي والتطرف، فكل طرف لا يرى حياة الآخر، ويتخيَّل عنها أشياءً لا يراها. فالفقراء يرون الأثرياء غارقين في الخمور والجنس ولا يعملون ويعرقون من لعب التنس والجيم فقط، والأثرياء يريحهم ما يرونه في التليفزيون ليلًا ونهارًا من صعود في مستويات الحياة بالقرى وإزالة للعشوائيات وتحسين لحياة الفقراء، ويشعرهم أنهم آمنون، كما أن هذه الصورة التي تروّجها الدولة في الإعلام والدراما والسينما، فاختفت الأفلام التي كانت تعبر عن مآسي الناس في مصر والمجتمعات السرية التي لا يعرفها من هم خارجها، أفلام على شاكلة “حين ميسرة” و”ساعة ونص” و”كباريه” لم تعد موجودة، ولا أفق لإنتاجها لأنها، باللهجة الأمنية التي تعشقها السلطات، “مسيئة لمصر”، كما أنهم يريدون تصدير صورة أنها “غير موجودة” من الأساس. 

هذه المجتمعات هي ما يراه الزهيري وأبطال أعماله في حياتهم اليومية، فهو مخرج مستقل، مهمَّش، لم يجدْ من ينتج له فيلمه، الذي – يا للعجب – لم يفلح في إيجاد منتج مصري له فلجأ إلى صناديق الدعم الأجنبية فنال جائزة في مهرجان “كان”، فصانع الفيلم نفسه مهمش، ويعيش على الهامش، هل يصنع فيلمًا عن حياة الجونة والانتماء والحياة الجميلة التي يعيشها المصريون؟.. هو وصناع الفيلم يخوضون صراعًا يوميًا من أجل البقاء، فمن الطبيعي أن يقدموا عملًا يصف مصر من وجهة نظرهم، نابع من تجربتهم الذاتية شديدة الصعوبة.. تلك الحياة التي يعتقد فنانو الجونة أنها انتهت، أو يتشدّقون بأنها انتهت حتى يضمنوا البقاء للأبد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني