fbpx

المرشحون اليساريون في لبنان : السلطة ليست على قارعة الطريق

والحال أن توزع مرشحي اليسار السابقين والحالين، يقول عن الإرث اليساري في لبنان، اكثر مما يقول عن حاضر اليسار ومستقبله: العودة الى الطوائف للسابقين، او الانضواء في لوائح الأحزاب الرابحة. واللعب تحت مستوى السياسات العليا لليساريين الحاليين، من خلال الموافقة الضمنية على مقولات حزب الله، لناحيتي السلاح والمقاومة ومحاربة الارهاب التكفيري.

بين لوائح السلطة، من تيار “المستقبل” الى حركة “أمل”، وبين لوائح المجتمع المدني ولائحة الحزب الشيوعي، ينتشر المرشحون اليساريون السابقون والحاليون في ظاهرة، ربما تكون واحدة من العلامات اللافتة في الانتخابات التشريعية المقررة في لبنان في أيار (مايو) المقبل.
ما من شيء يجمع المرشحين الآتين من صفوف اليسار اللبناني، بتجارب مختلفة الأهمية والعمق فيه، بعدما فرقهم انهيار المنظومة الاشتراكية وأزمات فكرية وتنظيمية. قسم من المرشحين – على غير لوائح الحزب الرسمية – عاد الى طائفته من دون أن ينكر ماضيه الماركسي، بل يحاول أن يستفيد من إرثٍ ما كوّنه أثناء أعوام نضاله السابق. بعضهم ذهب الى محاولة مسح ماضيه، وفرض ستار من الكتمان حوله، بعدما بذل جهوداً مضنية في اقناع زعيمه الحالي بولائه، حتى استحق إدراج اسمه على اللائحة مضمونة الفوز.
ليس من المتوقع أن يؤدي النواب اليساريون في حال فوزهم، سواء أصحاب الحظوظ المرتفعة المرشحون على لوائح طوائفهم، أو الذين يخوضون معاركهم باسم الحزب الشيوعي، أن يقدموا أيّ مساهمة نوعية. زملاء لهم سبقوهم الى المقاعد النيابية، لم يأتوا بجديد، والتزموا الصمت غير البليغ، أثناء أكثر جلسات التشريع التي شاركوا فيها. الاستثناء كان الشخصية اليسارية حبيب صادق، الذي حاول أن يكون صوتاً جنوبياً مميزاً، في زمن تأسيس الثنائية الشيعية. من أتى بعد حبيب صادق، التزم بالخطوط التي رسمها انقسام البلاد بين كتلتي الثامن والرابع عشر من آذار.
عموما،ً لا تفيد تجارب اليساريين السابقين الذين دخلوا قاعة البرلمان، في رسم ملامح برنامج أو نهج مختلف عن المسار العام للكتل الطائفية الكبرى، التي كان يسيّرها الجهاز الأمني السوري بين أوائل التسعينات والعام 2005، ثم انخرطت في توازنات سيطرت على المشهد السياسي، حتى قبول رئيس تيار المستقبل سعد الحريري بترشيح ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، وصولاً الى ما سميّ “تسوية” بين الثلاثي الشيعي – العوني – الحريري. ومن البديهي أن مرشحي لوائح السلطة، من اليساريين السابقين، سيلتزمون بالسقف الذي ستحدده كتلهم، فيجلسون في مقاعدهم هادئين، الى ان يُطلب منهم الادلاء بأصواتهم لمصلحة زعمائهم، على أمل ان يستدعوهم الى لوائحهم بعد اربع سنوات.
أما إذا حصل وفاز شيوعي او يساري متمسك بهذه الهوية السياسية، فالأرجح أنه لن يخرج عن اصطفاف القوى التي سمحت بوصوله الى ساحة النجمة، ما دامت الانتخابات اللبنانية تجري بمنطق الكتل الكبيرة الصمّاء (ما يسمى باللغة الانتخابية “البلوكات”) القادرة على طحن أي مرشح لا يتوافق مع أمزجة رؤساء اللوائح القوية.
والحال أن توزع مرشحي اليسار السابقين والحالين، يقول عن الإرث اليساري في لبنان، اكثر مما يقول عن حاضر اليسار ومستقبله: العودة الى الطوائف للسابقين، او الانضواء في لوائح الأحزاب الرابحة. واللعب تحت مستوى السياسات العليا لليساريين الحاليين، من خلال الموافقة الضمنية على مقولات حزب الله، لناحيتي السلاح والمقاومة ومحاربة الارهاب التكفيري… من نافل القول ان السابقين والحاليين لن يوافقوا على هذا الوصف، وسيتحدثون على تبدل الظروف والاحوال والقناعات، وربما تجود قريحة البعض فيذكرنا بدوره في تأسيس المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي أوائل الثمانينات.
لكن السؤال الأبرز هو، عن سبب هذا الاندفاع في صفوف “شعب اليسار” الى الترشح وتشكيل اللوائح. الإجابة الأبسط هي الاعتقاد ان عامل النسبية الذي أُدخل الى القانون الجديد، نشر لدى اليساريين وهم إمكان تحقيق خرق في لوائح القوى الطائفية المُكرسة. وحتى اليوم لم يتراجع اليساريون عن دعوتهم القديمة، الى جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة ذات نظام تمثيلي نسبي. والظاهر أنهم لم يراجعوا أيضاً هذه الفكرة، التي جاءت اثناء المدّ اليساري في سبعينات القرن الماضي، عندما كانت أحزاب اليسار، تنتشر على مساحة خريطة الوطن، من دون أن تكون لها معاقل صلبة في مناطق محددة.
الإجابة الأبعد تتعلق “بالتربية” التي حصل عليها اليساريون في أحزابهم القديمة، والتي تضع مسألة الوصول الى السلطة، سواء عبر الثورة أو عبر الانتخابات، في الموقع المركزي من أي عمل سياسي. فتتراجع مقولات العدالة الاجتماعية، والحريات الفردية والعامة، أمام الهوس بالوصول الى منصب نيابي، ولو في “بوسطة” الزعيم الطائفي، الذي طالما احتقرهم وناصبوه العداء. حتى ليبدو أن كثراً من بينهم ما زالوا يصدقون ما قاله جوزف ستالين للشيوعيين الاوروبيين، غداة الحرب العالمية الثانية، من أن “السلطة ملقاة على قارعة الطريق وعليكم التقدم والتقاطها”.
المشكلة عندنا أن السلطة موجودة في حرز حريز، ولن يتنازل أصحابها عنها بأي شكل كان.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حزب الله سيواصل ادعاءه بأنه بريء من هذه السلطة، وهذا لن يفيد، ذاك أنه أقدم على نحو سافر ومن دون أي قناع على قتل المبادرة الفرنسية أمام أنظار كل اللبنانيين.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني