فيديو ابراهيم حطيط المريب: هل هُدّد لتفجير وحدة أهالي ضحايا المرفأ؟

لا تتوانى المنظومة الحاكمة وفي صدارتها حزب الله وحركة أمل عن ممارسة كل أعمال الترهيب لاجهاض التحقيق في انفجار مرفأ بيروت ولعل الملابسات التي احاطت برئيس لجنة أهالي الضحايا ابراهيم حطيط هي الحلقة الأكثر وقاحة في استهداف الضحية والامعان في ترهيبها.

“اشهدوا يوم اللي بموت بيكون نبيه برّي قتلني”. 

هذه كانت رسالة المتحدث باسم لجنة أهالي ضحايا انفجار بيروت ابراهيم حطيط خلال اعتصام نفّذه الأهالي قبل مدّة، بعد تعرّضه لضغوطات وتلقّيه تهديدات من أنصار رئيس مجلس النواب نبيه بري. 

بالأمس وكأنما اغتيل حطيط معنويًّا بعد انتشار الفيديو المدوّي الذي ظهر فيه يوم الجمعة معلنًا تأييده لـ “حركة أمل” و”حزب الله” ومهاجمته المحقق العدلي القاضي طارق البيطار واتهامه إيّاه بالإستنسابيّة وتسييس التحقيق.

المقطع المصوّر هذا، الذي فاجأ اللّبنانيّين ومعهم أهالي ضحايا انفجار المرفأ، خلق علامات استفهام كبيرة حول سلامة حطيط وعائلته وأثار شكوكًا لدى المتابعين حول ما إذا كان حطيط قد صوّر هذا المقطع تحت وطأة التّهديد، خصوصاً ان حطيط بدا مرتبكاً وعيناه تسرقان نظرات الى اليمين واليسار، خلال التصوير على غير عادته في إطلالاته العفوية السابقة. 

“من الخطير السكوت وعدم التحرّك فوراً، أهلياً وقضائياً، للتثبّت من سلامة وأمن ابراهيم حطيط وأسرته وحمايتهم من أي خطرٍ واقع أو وشيك الوقوع عليهم”.

من هو إبراهيم حطيط؟

حطيط ابن ضاحية بيروت الجنوبية. فقد أخيه ثروت، العنصر في الدفاع المدني في شركة الاستثمار التابعة لمرفأ بيروت، إثر محاولته إطفاء الحريق الذي اندلع في العنبر 12 وقضى في الانفجار. منذ ذلك الحين، حمل ابراهيم راية الدفاع عن قضيّة أخيه ثروت، والمطالبة بالأخذ بحقّه وحقّ جميع الضحايا الآخرين. لم تتغيّر مواقفه يومًا ولم يتوانَ عن رفع الصوت والمطالبة بمحاسبة كل من يُثبَت تورّطه بالملف، فاعلاً أم مقصّرًا أم مهملاً أم مُغطِّيًا. وفي كل تحرّك للأهالي، كان يؤكّد حطيط -باسمهم- دعمه للقاضي البيطار ويدعو لعدم تسييس القضيّة وتمييع التحقيق. وهو نفسه الذي تظاهر مع مجموعة من الأهالي والمواطنين أمام منازل السياسيين، ومنهم رئيس مجلس النواب نبيه بري (رئيس حركة أمل) في عين تينة حيث تعرّض للضّرب من حرس القصر لكنّه لم يخف وردّ بالقول في مقطع مصوّر منتشر على مواقع التواصل: “رسالتك وصلت ومردودة. لعيونك”، قاصدًا بكلامه الرئيس بري. كذلك تعرّض حطيط لضغوطات كثيرة وتهديدات مبطّنة من “حركة أمل” ولم يُثنِه ذلك عن المطالبة بالعدالة، وكان دومًا يجاهر بثباته على موقفه وعدم خضوعه لتلك التهديدات.

بالعودة الى السؤال الأهم، لماذا غيّر حطيط موقفه من القاضي بيطار وقرّر -بين ليلة وضحاها- دعوته للتنحّي وإعلان وقوفه إلى جانب “القضيّة المحقّة للإخوة في حزب الله وحركة أمل”. هل كان مُجبَرًا على قول ما قاله تحت وطأة التهديد؟ لن نعلَم يقينًا ما حصل خصوصًا وأنّ حطيط يصرّ على أنّه قال ذلك بناءً على قناعته بعد ما حصل في منطقة الطيونة قبل أيّام. لكنّ معطيات كثيرة تدلّ على عكس ذلك.

عدد من أهالي الضحايا من القاطنين في مناطق نفوذ حزب الله وحركة أمل كرروا عن تعرضهم لضغوط من قبل الثنائي لثنيهم عن تصعيد مواقفهم وضبط ما يقولونه خصوصاً انتقاداتهم ضد زعيم حزب الله.

استهداف حطيط بدا محاولة قصوى لاجهاض التحقيق اولاً ولاسكات المعترضين خصوصاً من البيئة الشيعية التي يكرر حزب الله وأمل أنهما الناطقين باسمها.

إقرأوا أيضاً:

لم يكن تصريح حطيط الناقد للقاضي بيطار هو الأول بعد واقعة الطيونة، ففي حديث لجريدة “الأنباء” الكويتيّة نُشِر في اليوم نفسه الذي انتشر فيه الفيديو، اتّهم حطيط المعنيين بعرقلة التحقيق وانتقد إصرار وزير الماليّة السابق علي حسن خليل (المحسوب على حركة أمل) ونظرائه نهاد المشنوق (تيار المستقبل) ويوسف فنيانوس (تيار المردة) وغازي زعيتر (حركة أمل) على “قبع” القاضي البيطار تحت عنوان الارتياب المشروع. كما اعتبر أنّ الإدّعاء بالتحضير لفتنة وبوجود إملاءات أجنبية على القاضي بيطار “ترهات لا قيمة لها”، وأنّ اللجوء الى الشارع “مسعى مدروس ومخطط له سلفا لتخريب البلد، فالبريء يمثل بثقة امام القاضي العدلي، ووحده المرتكب يلجأ الى التفلت من التحقيق بحجة التسييس والاستهداف”.

كيف يمكن لمن كان هذا موقفه النقدي في تصريح منشور أن يقول عكسه في فيديو مريب.؟

لقد تلا حطيط بيانه، الذي “اضطرّ لكتابته كي لا يُخطئ بما سيقول” على حدّ قوله، باسم عوائل شهداء المرفأ، ثم عاد في اليوم التالي، في حديث إذاعي، ليقول إنه يتحدث عن نفسه ولا يمثل أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت. والبيان الذي تلاه حطيط في الفيديو المثير للشبهات، لم يعلم به أحد من عوائل الشهداء الذين اعتبروا في بيان أصدروه  أنّ “ظروفًا مستجِدّة أدّت بحطيط إِلى إصدار بيانِه الأخير المستغرَب” باسمهم، مؤكّدين أنّ موقفه لا يمثّلُهم. كما جدّدوا ثقتَهم بالقاضي البيطار والمطالبة بامتثال كافّة المطلوبين إِلى العدالة أَمام التحقيق.

هذا الموقف يؤكده أيضًا وليم نون، شقيق عنصر فوج الاطفاء جو نون، الذي قتل في الانفجار. يقول نون لـ”درج” إنّ حطيط لم ينسّق أو يتشاور مع أحد من الأهالي قبل إعلان موقفه والحديث باسمهم، وقال: “لما بدّو يطلع يحكي باسم الاهالي بدّن يكونوا الأهالي مجتمعين ومتفقين عالموضوع، هو ما شاور حدا وما اجتمع مع حدا وطلّع هالبيان لحاله”، مضيفًا: “استغربنا لمّا شفنا الفيديو خصوصًا أن مواقف حطيط كانت واضحة وبنفس النهار الضهر كان حاكي شي غير”.

حاولنا الإتصال بحطيط لاستيضاحه عمّا حصل، إلّا أنّنا لم نلقَ ردًّا. وفي هذا السياق يؤكد نون أنّه حاول، بدوره مع عدد من أهالي الضحايا التواصل مع حطيط عقب انتشار الفيديو إلّا أنّ الأخير لم يجب على أيّ من اتّصالاهم ولم يتمكّنوا من الوصول إليه.

يرى نون أنّ فيديو حطيط يطرح تساؤلات عما إذا كان قد تعرض الى تهديدات لقول ما قاله، “حتى لو هو طلع وقال ما حدا هدّدني”، مشدّدًا على أنّ هذه الطريقة لن تنجح في خلق شرخ بين أهالي الضحايا بل ستوحّدهم أكثر. وتابع نون حديثه مشيرًا الى أنّ اللّغة المستخدمة في بيان حطيط ليست لغته، بل هي “اللغة والمفردات التي نسمعها عادة في بيانات وخطابات أطراف سياسية معروفة الانتماء”، مشيرًا إلى استخدام حطيط مصطلحات مثل “تسييس واستنسابية فاضحة” و”التدخل الأمريكي السافر” وغيرها.

في حال قال ابراهيم حطيط ما قاله تحت وطأة التهديد، فيجب تقديم طلب أمام النيابة العامة التمييزية لتتحرك وتتأكد من سلامته، بحسب ما يقول المحامي مازن حطيط المتابع عن كثب لملف شهداء مرفأ بيروت لموقع “درج”، مشيرًا الى أنّ النيابة العامة قد تتمسّك بتصريح ابراهيم حطيط نفسه الذي قال إنّه لم يخضع للتّهديد، وفي هذه الحالة لا يمكن فعل شيء.

بيتر بو صعب، شقيق الشهيد جو بو صعب، يستغرب بدوره كلام حطيط ويدعوه إلى مراجعة حساباته و”التفكير مليًّا قبل أن يتخلّى عن القضية”، مؤكداً أن لا شيء يجب أن يخيف حطيط “الله يحميه ونحن (أهالي شهداء المرفأ) أكيد ما انقسمنا ولا رح ننقسم… كنا ننوجد سوا بكذا تحرك وكان موقفه غير هيك كلّيًّا. ممكن اللي صار بعين الرمانة والطيونة جعله يغير رأيه أو في طرف معيّن عم يهدّده وأنا هالشي بتوقّعه. عالأرجح انضغط عليه ليحكي هيك. بكل الأحوال أنا أنصحه بعدم تغيير كلامه في دم بالنتيجة وما يخلي شي يأثر عليه لو شو ما كان الضغط”.

في العالم الافتراضي، كان فيديو حطيط محطّ حديث الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي الذين انقسموا بين من قال إنّه من الواضح أنّ حطيط أجبر على قول كلامه هذا، على اعتبار أنّ الفيديو يظهر بوضوح حطيط وهو ينظر الى شخصين على الأقل كانوا مختبئين وراء الكاميرا خلال تلاوته البيان، وبين من سخر من هذه الإدّعاءات ودافع عن موقف حطيط المستجدّ، فيما انتشر وسم (هاشتاغ) #الحرية_لابراهيم_حطيط و #انقذوا_ابراهيم_حطيط للمطالبة بإنقاذه.

المحامية والحقوقية ديالا شحادة كتبت عبر حسابها على فايسبوك، أن “من الخطير السكوت عن الغموض المقلق الذي يحيطُ بأحد أشجع الناطقين باسم تجمع أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت السيد ابراهيم حطيط، بعد إصداره بياناً يُناقضُ كل خطابه الثابت والمستقلّ والشجاع منذ وقوع التفجير الذي أودى بشقيقه قبل أكثر من ١٤ شهراً”. 

ورأت شحادة أن “من الخطير السكوت وعدم التحرّك فوراً، أهلياً وقضائياً، للتثبّت من سلامة وأمن ابراهيم حطيط وأسرته وحمايتهم من أي خطرٍ واقع أو وشيك الوقوع عليهم”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني