جهاديو الشرق الأوسط يستنسخون نموذج طالبان

أكتوبر 17, 2021
استراتيجية طالبان في استعادة السيطرة على البلاد من خلال الوسائل العسكرية بالمقام الأول، لا المفاوضات السياسية عززت الاعتقادات القائمة لدى هيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات الجهادية الأخرى من أن السلاح لا الديمقراطية هي الطريق للوصول إلى السلطة.

أدت عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان إلى رفع الروح المعنوية للعديد من الجماعات الجهادية في منطقة الشرق الأوسط كما أنها تعطي أيضاً مثالاً سياسياً لمحاكاته، أي أجندة أكثر تركيزاً على الأهداف المحلية أو الوطنية في مقابل الأهداف العالمية. إذ يشير اتفاق الولايات المتحدة وطالبان، وما أعقبه من انسحابها من أفغانستان، إلى أن واشنطن يمكنها أن تتصالح -بل ربما ترد الاعتبار- إلى الجماعات المتطرفة التي لا تحاول أن تكون مصدرَ تهديد مباشراً. وقد لاحظ جهاديو الشرق الأوسط ذلك ويأملون في إبرام اتفاقيات مماثلة مع إدارة بايدن في نهاية المطاف.

ويشعر بعض المحللين أن هذه الاستراتيجية قد تساعد بالفعل الولايات المتحدة على خفض النفقات وعلى إعادة التوازن في ديناميات القوة في الشرق الأوسط لتصبح في صالحها. فيما يخشى آخرون من أن الصلات بين الجماعات الجهادية المحلية وتلك العالمية كالقاعدة -سواء أكان ذلك من خلال انتماء مباشر أم صلات غير مباشرة أم مجرد تعاطف عام- سيكون من العسير فصلها. وفي كلا الحالين، يبدو أن الولايات المتحدة قد تكون بحاجة ماسة للانسحاب من الشرق الأوسط تماماً كحاجتها للانسحاب من أفغانستان. وهذا يجعل من محاكاة طالبان خياراً مناسباً وجذاباً للجماعات الجهادية المستعدة للزعم أنها أجرت إصلاحات [في بنيتها وفكرها].

إقرأوا أيضاً:

ومن تلك الجماعات “هيئة تحرير الشام”، وهي جماعة جهادية سورية مرتبطة بتنظيم القاعدة، وتُسيطر حالياً على آخر معاقل المتمردين في محافظة إدلب السورية. فقد كانت الهيئة من أعلى الأصوات احتفاءً بعودة طالبان إلى السلطة. وفي يوم دخول طالبان إلى كابُل، أرسلت هيئة تحرير الشام مقاتليها إلى الميادين لتوزيع الحلوى في ساحات سوق إدلب، ملوِّحين براية طالبان ومردّدين ”الله أكبر“. وفي بيانٍ لها هنّأت الهيئة رسمياً حركةَ طالبان، ووعدت أن ”تستلهم صمودها وثباتها من هذه التجارب الحية“، سعياً إلى تجنيد المزيد من السوريين لمواصلة القتال ضد الرئيس السوري بشار الأسد.

وقال أيمن جواد التميمي، وهو زميل في برنامج دراسات التطرف بجامعة جورج واشنطن بالعاصمة الأميركية، إن هيئة تحرير الشام وجدت في طالبان نموذجاً ملائماً، ”هيئة تحرير الشام ستستخدم مثال صمود طالبان لإلهام كوادرها وإقناعهم أنه ليست هناك حاجة للتفاوض مع الأسد وأن عليهم مواصلة القتال. إضافة إلى ذلك، فإنها ستحذو حذو طالبان من جهة الانخراط مع النظام الدولي لتحقيق مصالحها”.

بدأت هيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات الجهادية تدرك أن بالإمكان إعادة الترويج لنفسها وأن يقوم الغرب بإعادة تأهيلها لتلقى قبولاً. إذ إن المناورات واللقاءات الدبلوماسية التي قامت بها طالبان في عواصم العالم قد كسرت محرمات التعامل مع مَن يُسمَّون [لدى تلك الجماعات] بالكفار، وقد أوضحت أيضاً مزايا تخفيض حدة العداء. وقال التميمي إن ”طالبان تواصلت مع الصين وروسيا وإيران، برسائل مفادها أنها لا تمثل تهديداً أمنياً لهم، فقلّصت بذلك عدد أعدائها. وفي حين أن أبرز أعداء هيئة تحرير الشام هما روسيا وإيران، فإنها تحاول إيصال رسالة إلى الولايات المتحدة والغرب بأنها ليست خطراً عليهم“.

الجولاني

يبدو أن وَسم الإرهاب لم يعد يشكل عائقاً. فقد كانت شبكة حقاني شنت بعض أكثر الهجمات وحشيةً ضد القوات الأميركية، إلا أن اثنَين من أعضائها (وهما قائدها سراج الدين حقاني وعمه خليل حقاني) وزراء في حكومة طالبان. وقد بدأت هيئة تحرير الشام أيضاً في الحشد وممارسة الضغوط السياسية وإرسال رسائل سرية إلى الولايات المتحدة تفيد بأنها تريد إسقاط صفة الإرهاب عنها في مقابل قطع صلاتها بالقاعدة. وعلاوة على ذلك، شكّلت حركة طالبان سابقةً بالنسبة إلى الجماعات الأخرى، مثل هيئة تحرير الشام، في فرض فهمها الخاص للشريعة الإسلامية دون تشاوُر أو تداول مع أطراف أخرى.

وقال آرون لوند، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بوكالة أبحاث الدفاع السويدية، إن ”هناك أوجه تشابه [بين الحركتين]، وقد أشار قادة [هيئة] تحرير الشام ومؤيدوها في بعض الأحيان إلى طالبان باعتبارها نموذجاً لما يرغبون في تحقيقه“. وأضاف أن ”طالبان، في نظرهم، تمسكت بمبادئها بقوة، ولكنها أيضاً كانت براغماتية في كيفية تحقيق تلك المبادئ؛ ومن أمثلة ذلك قبولها بالدبلوماسية كأداة مشروعة إلى جانب العمل المسلح. إذ لم يكن الجلوس للحديث مع الولايات المتحدة أمراً خالياً من الجدل في أوساط الجهاديين، بل كان من المحرمات التي جرى تحطيمها لاحقاً“.

وقال لوند إنه من بين جماعات مثل هيئة تحرير الشام، يُنظَر إلى حركة طالبان على أنها حركة متجذرة في بيئتها المحلية وتعمل في وسط شعبها. وقال لوند إن ”مؤيدي [هيئة] تحرير الشام يندبون أحياناً حظهم في كيف أن الجهاديين الأصوليين في محيط القاعدة يبدون سعداء تماماً أن ينتهي بهم المطاف فارين في كهوف الجبال، طالما أنهم لم يضطروا إطلاقاً إلى التخلي عن مبادئهم“. وأضاف أن ”الهدف الحقيقي، كما يقولون، يجب أن يكون هو الحصول على دعم جماهيري وتأسيس واقع على الأرض، لوضع تلك المبادئ موضع التنفيذ، من خلال التحلي بالذكاء حول كيفية التقدم إلى الأمام. وإذا كان في الوقت الراهن لا يمكنك القيام بذلك سوى في مكان صغير مثل إدلب، فليكن هذا“.

وفي الواقع، قامت هيئة تحرير الشام بتوسيع نطاق وصولها إلى قبائل مختلفة في إدلب. ومع أنها فرضت الحالة العرفية وأدرجت الكتب الدينية في المناهج الدراسية، فإنها لم تفرض أعرافاً اجتماعية لا يرضاها السكان بشكل عام.

انتصار طالبان يعد هزيمة قاسية لا للولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً للإخوان المسلمين وغيرها من التنظيمات السياسية في العالم العربي الذين أيّدوا الانتخابات. ولذا قد يكون ذلك التحول في موازين القوة في العالم الإسلامي هو الأهم على الإطلاق.

كتب أندرو تابلر، وهو زميل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، كتاباً عن سوريا وعمل بشكل وثيق مع جيمس جيفري الممثل الأميركي الخاص لشؤون سوريا سابقاً. وقال تابلر إن جماعات مثل هيئة تحرير الشام تأمل أن تؤدي اصلاحاتها التجميلية إلى قيام الولايات المتحدة بإعادة التفكير في أوضاعهم ونظرتها إليهم. وأضاف أن ”انتصار طالبان، بالنسبة إلى هذه الجماعات، يمثل فرصة لإعادة تأهيلهم كجماعات إسلامية مسلحة لدى الولايات المتحدة، ولكن هذا يتطلب النأي بنفسها عن العناصر الأكثر تطرفاً أو قطع العلاقات معها، لكي لا تمثل مصدر قلق للولايات المتحدة. وهذا يضعها في مأزق، ولكنه ليس مأزقاً لا تستطيع التعامل معه. فالولايات المتحدة ترغب في الخروج من المنطقة، ولذا تعيد النظر في مثل هذه الجماعات“.

ولكن هناك انقسام بين الخبراء حول مسألة انفصال هيئة تحرير الشام عن القاعدة. فقد وصفه التميمي بأنه انفصال حقيقي، فيما شكك  فيه تابلر. هل يمكن للولايات المتحدة الوثوق في جماعات مثل هيئة تحرير الشام؟ الواضح أن أبو محمد الجولاني، قائد الهيئة، قد جرى إعداده في سجن بوكا في العراق، الذي يشير إليه سكان المنطقة بأنه ”جامعة“ الجهاد. فقد اختلط الجولاني هناك في السجن بصفوف القاعدة وجهاديي تنظيم ”الدولة الإسلامية“. وفي 2011 أرسله قائد تنظيم ”الدولة الإسلامية“، أبو بكر البغدادي، إلى سوريا، فشكل ”جبهة النصرة“، ولكنه سرعان ما اختلف مع البغدادي، فكان أن بايع القاعدة بدلاً منه. ولذا تعاملت الولايات المتحدة مع ”جبهة النصرة“ على أنها ذراع ”القاعدة في العراق“ [تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين]، وصنفتها منظمة إرهابية في ديسمبر/كانون الأول 2012.

يُقسم الجولاني اليوم أنه قطع ذلك الحبل السُّرّيّ بين تنظيمه والتنظيم الأم (القاعدة)، قائلاً إن هيئة تحرير الشام ليست سوى فاعلا على الصعيد الوطني تعمل ضد الأسد والميليشيات الإيرانية. ولذا يشعر البعض في الولايات المتحدة أن من الممكن توظيفه لاحتواء إيران في شمال غرب سوريا، ولأن جماعته لا تمثل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، فمن الممكن حذفها من قائمة الجماعات الإرهابية. ويقولون إنه خلال الحرب الأميركية على الإرهاب، كان هناك العديد من الجماعات -التي لم تكن تمثل، على نحو خاص، تهديداً للولايات المتحدة، وبالتالي لم تستوفِ المعايير- التي صُنفت أيضاً بأنها شبكات إرهابية. غير أن خبراء آخرين لديهم شكوك في مزاعم هيئة تحرير الشام بقطع العلاقات مع القاعدة وغيرها من الجماعات الجهادية الأخرى، قائلة إن تصرفات الهيئة ترشحها لأن تبقى مصنفةً جماعةً إرهابية بغض النظر عن تلك المزاعم.

سيعتمد مصير الجماعات الجهادية في الشرق الأوسط على سياسة إدارة بايدن في المنطقة. ولكن انتصار طالبان قد أثر بشدة على جاذبية الإسلاميين الأكثر اعتدالاً ممن نادوا بالانتخابات الديمقراطية، لا حمل السلاح، سبيلًا لاختيار قادتهم. فاستراتيجية طالبان في استعادة السيطرة على البلاد من خلال الوسائل العسكرية بالمقام الأول، لا المفاوضات السياسية مع الجهات الأفغانية الأخرى، قد عززت الاعتقادات القائمة لدى هيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات الجهادية الأخرى من أن السلاح لا الديمقراطية هي الطريق للوصول إلى السلطة. وعلى هذا النحو، فإن انتصار طالبان يعد هزيمة قاسية لا للولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً للإخوان المسلمين وغيرها من التنظيمات السياسية في العالم العربي الذين أيّدوا الانتخابات. ولذا قد يكون ذلك التحول في موازين القوة في العالم الإسلامي هو الأهم على الإطلاق.

هذا المقال مترجَم عن foreignpolicy.com  ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني