في “الملجأ” مع الجيش اللبناني خوفاً من القناصة

يتم إجلاؤنا إلى داخل إحدى مناطق بعيداً من خطوط الاشتباك. ينتشر فيها المسلحون المدججون بالغضب والطائفية. ننتظر ايماءة منهم لكي نجتاز الشارع. ايماءة بسيطة منهم تكفي لمنحنا فرصة للبقاء على قيد الحياة ليوم إضافي. أو ساعات.

كان من المفترض أن يكون يومًا عاديًا من أيام العاصمة التي ترزح تحت واحدة من أصعب ازماتها الاقتصادية والاجتماعية. من النافذة أرى باصات تقلّ مناصري الثنائي الشيعي للإحتجاج على أداء القاضي طارق البيطار أمام قصر العدل. استنفار في صفوف القوات اللبنانية في الشارع المقابل. هتافات طائفية “سلمية وحضارية” متبادلة. اقف متفرّجة من النافذة. والجيش المنتشر في الأسفل كذلك، يتفرّج. يوم عادي في العاصمة.

إلى أن… فجأة  تحوّلت نقطة التماس الشياح -عين الرمانة إلى ساحة حرب. إطلاق رصاص من أسلحة خفيفة ومتوسطة. قنّاصة ينتشرون على أسطح المباني. قذائف من عيارات مختلفة تطلق من كل صوب.

وسط التسارع اللا منطقي للأحداث، تبدأ في رأسك بدرس كل الاحتمالات العقلانية للنجاة من هذه الحرب. نعم حرب. شعرت أنني، على غرار العبارة الشهيرة للشاعر محمد العبدالله مع قليل من التصرف: “نظرتُ من نافذة بيتي في الشياح، فإذا بها حرب أهلية”!

أي الطوابق أكثر أمنًا؟ أي من المقتنيات نحمل معنا؟ هل نتركها؟ هل نعود غدًا؟ عمن نسأل؟ ومن نطمِئن؟

يشارك الجيران الأكبر سنًا، وبكل فخر، خبرات راكموها خلال سنوات الحرب الأهلية: “لا تخافوا. قفوا بمواجهة الحيطان لا الشبابيك الزجاجية. اسمعوا منا. نحنا مرق علينا كتير”. 

نتداعى إلى الطوابق السفلية ومنها إلى غرفة أرضية صغيرة متوارية. 

تدخل عناصر من فوج المغاوير إلى المبنى. يسود جو من الطمأنينة الحذرة. 

لنكتشف بعدها أن عناصر الجيش يحتمون في مبنانا من القنّاصة.

يطلب البعض منهم شرب الماء. يجلسون أرضًا منهكين. يبادرون إلى سؤالنا: “حدا منكم معه خبر مين عم بقوَص على مين؟ وليش؟”.  

يتململون لدى سماعهم، عبر الجهاز، أوامر قائدهم بإطلاق النار على كل من يبادر لإطلاق النار. لهم أيضًا حساباتهم الخاسرة: “هل يستحق راتبي الذي لا يتخطّى المليون ليرة(اقل من خمسين دولاراً) أن أموت قنصًا؟” 

ينهرهم قائدهم، فيخرجون ليعودوا بعد ثوانٍ قليلة إلى داخل المبنى للاحتماء من وابل القذائف. 

الأمر اليوم ليس لهم. هو اليوم، وككل يوم، لمسلحي المافيا الحاكمة. 

يركض عناصر المغاوير للإختباء منذرين باشتداد القصف. يجلسون معنا القرفصاء، كضحايا حرب. نفكر: كيف تلفظنا كل الأماكن؟ كيف تلفظنا مدننا؟ أحياؤنا؟ والآن بيوتنا؟ 

ينصحنا عناصر الجيش بالعودة إلى منازلنا في الطوابق العليا. نهمّ بالصعود، فيصلنا خبر مقتل مريم فرحات في منزلها برصاصة في الطيونة. نعود أدراجنا. ففي منزلها ماتت مريم. نتفق على فكرة واحدة. إذا كان سيستمرّ هذا الرعب، فليدركنا الموت. كل أنواع الموت في هذه الحالة رحيمة. كل أنواع الموت في هذه البلاد رحيمة.

استمرّت الحرب الأهلية المصغّرة لخمس ساعات. خمس ساعات لم تهدأ خلالها النار لدقيقة. أو هكذا خُيّل لنا. تمنّينا أن ينفذ مخزون إحدى الجهتين من الذخيرة. نسأل بسذاجة من أين لهم كل هذا؟ كل رصاصة يعادل ثمنها دولاراً أميركياً واحداً تقريباً. أحدهم قال إن ما صرف من ذخيرة في هذا اليوم تخطى مليون دولار “فريش”. أصدّقه. متى تحضّروا؟ كيف انتشروا بسرعة؟ من اين ظهرت القنّاصة فجأة؟ هل ينتهي كل هذا؟ وهل نتهجّر؟

لا أهمية في تلك اللحظات لمن أطلق الرصاصة الأولى. فالأيادي كلها كانت على الزناد. لا أهمية لعدالة ضائعة ومعارك تخاض في سبيلها ولا أهمية لمن يخرج رابحًا.

هم رابحون دائمًا وإن خسروا. ولمن نجا منا طول الشقاء بكل أشكاله. 

يتم إجلاؤنا إلى داخل إحدى مناطق بعيداً من خطوط الاشتباك. ينتشر فيها المسلحون المدججون بالغضب والطائفية. ننتظر ايماءة منهم لكي نجتاز الشارع. ايماءة بسيطة منهم تكفي لمنحنا فرصة للبقاء على قيد الحياة ليوم إضافي. أو ساعات. الأمر ليس واضحًا بعد. لم يكن أي شيء واضحاً بالنسبة إلينا، نحن وعناصر الجيش. وحدها هويات الضحايا كانت واضحة للجميع: نحن.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني