fbpx

النازيون الجدد يقتحمون الحياة السياسية في ألمانيا

يقدم السجال الدائر الآن على الساحة السياسية الألمانية في شأن ما يجب اتباعه تجاه ظهور النازية الجديدة نموذجاً جيداً لكيفية سير العملية الديموقراطية. فقرارات المنع أو الحظر لا تُتخذ اعتباطياً، بل يتم التحضير المتأني لها على أرضية القوانين المعمول بها والتي يتفق الجميع على احترامها.

قبل أسابيع قليلة من استقبال مجموعة من اللاجئين في إحدى الأبنية بمدينة مايسِن في ولاية ساكسونيا الشرقية، وجد إنغولف بروم، مالك المبنى، على الباب الرئيسي ورقة تقول بالألمانية والإنكليزية إن “الوافدين الجدد يجب أن يرحلوا من مايسِن في أقرب وقت”، ليقوم بالاتصال فوراً بالشرطة للتحقيق في الأمر ومعرفة المجموعة المسؤولة عن هذا التهديد. وهي جهود لم تُتَح لها فرصة على ما يبدو، إذ أكلت النيران المبنى خلال أيام، مسببةً خسائر بمئتي ألف يورو، اضطر معها بروم إلى تكبّد عبء تجديدات شاملة.
لم تكن تلك المرة الأولى في ساكسونيا، المدينة الواقعة في ألمانيا الشرقية سابقاً، والتي يقول كثيرون إنها تُعَد معقلاً للنزعات المعادية للمهاجرين واللاجئين، إذ تم الإبلاغ عن عشرات الجرائم المشابهة التي ارتكبتها المجموعات اليمينية المتطرفة، والتي تتضمن قتل تسعة أتراك خلال العقد المنصرم. وهذه المجموعات يرعاها الحزب القومي الديموقراطي الذي تعتبره هيئة حماية الدستور الألماني حزباً عنصرياً ومعادياً للسامية، وهو يحصل على الأصوات، على رغم ذلك التصنيف من سكان الولاية، وخسر الانتخابات المحلية الماضية بفارق ضئيل. “… المجرمون ليسوا الذين قاموا بحرق فنادق اللاجئين، بل مسؤولو الحكومة الألمانية الذين بنوها في المقام الأول”. بهذه الكلمات أطلق ستيفان سيمون العنان لهجومه العنصري على سياسات الحكومة واللاجئين، وهو أحد المعروفين بين نشطاء النازية الجديدة، وظهر مراراً وتكراراً في تظاهرات حركة بيغيدا، ويتكلم في مناسبات عدة عن نهاية ألمانيا المرتقبة على يد السياسات المنفتحة على المهاجرين وخصوصاً المسلمين منهم.
نزعات نازية جديدة
لم يكن التحذير الذي أطلقه وزير الخارجية الأسبق والقيادي في حزب الخضر يوشكا فيشر عن ” ظهور نازية جديدة” في ألمانيا اعتباطياً أو قائماً على فراغ مع تنامي شعبية الحزب الشعبوي المتطرف (حزب البديل من أجل ألمانيا) الذي أصبح القوة الثالثة في البرلمان، وما يمثله هذا التطور من خطر فعلي يهدد الديموقراطية والقيم الأوروبية، ما يستلزم وفق فيشر في تصريح نقلته صحيفة “فيلت أم زونتاغ” القيام بـ”مواجهة حادة مع هذا الحزب الذي فيه الكثير من النازيين”، مع تأكيده أن “ليس كل من ينتخب الحزب نازياً”. وقال: “الكثير من الألمان ينتخبونه من دون أن يشاطروه أفكاره المتطرفة”. وأضاف: “كانت النازية القديمة عدوانية، أرادت غزو العالم والسيطرة عليه وهو ما قامت به. أما النازية الجديدة فهي مدفوعة بالخوف، لا يكسبها ذلك تعاطفاً، لكنه يساعد على تصنيفها بالشكل المناسب”. ورصدت مراكز استطلاع الرأي ارتفاعاً في نسبة المتعاطفين مع النازيين الجدد في ألمانيا، وصل إلى 5.4 في المئة من الألمان عام 2016، ويشكل العنصر النسائي وكبار السن العدد الأكبر”.
يتصاعد النقاش في ألمانيا وغيرها من البلدان الأوروبية حول النازية الجديدة مع صدور ثلاثة كتب تعتبر الأكثر مبيعاً ورواجاً في فرنسا وألمانيا، وهي “سوميسيون” وتعني “الخضوع” للكاتب ميشيل ويلبيك، وهي رواية تفترض فوز المسلم باسم محمد عباس زعيم حزب “الاخوية الاسلامية” عام 2022 على زعيمة الجبهة الوطنية ماري لوبن، وإعلانه فرنسا دولة إسلامية واعتماده الشريعة الاسلامية في الحكم.
والكتاب الثاني هو “الانتحار الفرنسي” لمؤلفه إريك زيمور صاحب الأطروحات الجريئة، إلى مستوى غياب اللياقة تجاه قضايا تمس في العمق بالهوية الفرنسية، ومع أنه يتجنب مهاجمة الإسلام مباشرة كديانة، ويركز على مهاجمة المتطرفين وغير المندمجين من المسلمين في المجتمع الفرنسي، إلا أنه في آخر المطاف يسقط في فخ عدم التفريق بين المسلم المعتنق ديانة روحية، ومن يدعي الإسلام ويوظفه في القتل والإرهاب.
والثالث هو كتاب الباحث والصحافي صموئيل زيمور الذي يتحدث فيه عن وجود أمير لـ”القاعدة” في فرنسا، يصول ويجول في الأراضي الفرنسية، ويحظى بحرية التنقل من دون خوف، ويتناول تنامي التيار السلفي بشكل غير مسبوق، ليس في أوساط المهاجرين، بل وبين الفرنسيين أيضاً. هذا إضافة إلى كتاب رابع صدر في ألمانيا للصحافي الألماني “Timur Vermes” عن عودة ثانية لهتلر عنوانه “Who’s Back”، وما يثيره من تعاطف مع أفكار النازية في ألمانيا الحديثة. وفي بلجيكا طرح زعيم حزب “فلامز بلانج” اليميني المتشدد كتاباً في مدينة (انتويرب)، بعنوان “إن شاء الله” ينتقد فيه الإسلام، يقول فيه “إن الإسلام عقيدة خطيرة” و”إن القرآن يعطي رخصة بالقتل” ويشير إلى “وجود 6 آلاف مسجد في أوروبا ليست، دوراً للعبادة بل هي رمز للتطرف”.
ضحايا النازية الجديدة
رفعت السلطات الألمانية الأرقام الخاصة بضحايا عمليات القتل أو محاولات القتل التي قام بها نازيون جدد ضد لاجئين أو مواطنين ألمان من أصول أجنبية، مشيرة إلى أن 75 شخصاً قتلوا على يد نازيين جدد في 69 هجوماً بدافع الكراهية العرقية.
ويتضح من بيانات الجهات الأمنية أن الحكومة الفيدرالية والحكومات الإقليمية أمرت بإعادة التحقيق في جرائم قتل لم تكشف ملابساتها وعددها 3300 حالة في الفترة من 1990- 2011. وتم الكشف عن خلية (النازيين الجدد السرية) المعروفة باسم (إن.سي.يو) المتهمة بقتل 10 أشخاص من أصول أجنبية. ولم تتمكن السلطات من اكتشاف هذه الخلية، إلا عام 2011. وأعلنت وزارة الداخلية الألمانية أن “عدد الهجمات التي تعرض لها مسلمون ومساجد في البلاد بلغ 950 هجوماً على الأقل”. وذكرت صحيفة (نويه أوسنابروكر تسايتونج) نقلاً عن مسؤولين أمنيين أن 60 مسجداً تعرضت لهجمات وعمليات تدنيس بدم الخنازير وتلطيخها برموز نازية خلال العام الماضي.
وقالت صحيفة (هانوفر تسايتونغ) إن “الإرهابيين سواء كانوا إسلاميين أو من النازيين الجدد، لديهم أيديولوجية متقاطعة، جميعهم يؤمنون بترفعهم واستعلائهم على الآخرين، وإلغائهم للمساواة بين البشر”. وأشارت إلى أن “النازيين الجدد يزدادون جرأة بسبب سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسلوكه”.
لم تقتصر تحركات النازيين الجدد على الاحتجاجات والمسيرات المناهضة للأجانب واللاجئين، إذ بلغ عدد الاعتداءات المباشرة بحسب بيانات جديدة لوزارة الداخلية 3433 اعتداءً عام 2016، من بينها 2545 اعتداء على المهاجرين أي بنسبة 72 في المئة، وعلى المباني التي يقيم فيها اللاجئون أكثر 900 هجوم أدت إلى إصابة 560 شخصاً، بينهم 43 طفلاً.
حركة مواطني الرايخ
شادن محمد مصرية في العشرينات من عمرها كانت تتنزه عندما صدمتها سيارة (هوندا) مسرعة في ولاية براندنبورغ في شرق ألمانيا توقف سائقها على بعد مئات الأمتار، بينما كان المارة يحاولون مساعدتها، وعاد برفقة أصدقائه إلى موقع الحادث موجهاً حديثه لهم قائلاً: “واضح أن ليس لديكم شوارع، لكن على المرء في ألمانيا أن ينظر إلى الشارع”. وتابع” فلتنصرفوا إلى بلدكم، لن يصدمكم شيء هناك… لاجئون قذرون”.
وصفت “الميديا” الألمانية حفلة موسيقى (الروك ضد التغريب الثقافي) التي أجريت في مدينة تيمار بأنها من أضخم حفلات النازيين الجدد للعام الماضي، إذ تجمّع أكثر من 6 آلاف من أنصار الحركة النازية الجديدة من جميع أنحاء أوروبا للاحتفال في أكبر مهرجان لموسيقى الروك في تاريخ الفيدرالية الالمانية. وتقع تيمار في جنوب تورينغن، ويبلغ عدد سكانها حوالى 3 آلاف نسمة. وارتدى أعضاء الحركة وأنصارها قمصاناً حملت على جهتها الأمامية عبارة (الهجوم على تيمار) وعلى خلفها عبارة (الأشخاص الطيبون في حال خوف). وصرخ آلاف المحتشدين من النازيين وأياديهم ممدودة بتحية هتلر عبارة (النصر المقدس). وتُعرَف هذه الولاية بأنها موطن الموسيقى النازية ومعقل تاريخي لليمينيين المتطرفين.
شهدت السنوات الأخيرة تنامي أعداد من يسمون أنفسهم “حركة مواطني الرايخ” في ألمانيا الذين لا يعترفون بالدولة الألمانية الحديثة التي تأسست بعد سقوط النازية. وكانت هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) بدأت تتبع نشاطات هذه الحركة، وذلك بعد مقتل ضابط شرطة على يد أحد أعضاء هذه الحركة في 19 تشرين أول (أوكتوبر) عام 2016.
تتبنى الحركة ايديولوجية يمينية متطرفة. ووفقاً لما ذكرته مجلة (فوكس) الألمانية عن مصادر أمنية مطلعة “إن عدد أعضاء هذه الحركة وصل إلى 15600 شخص حتى أوائل العام الجاري، بعد أن كان عددهم 10 آلاف شخص عام 2016، أي بنسبة ارتفاع تبلغ 56 في المئة خلال عام واحد فقط. وكشفت “أن مجموعة مسلحة تنتمي إلى الحركة عقدت اجتماعاً سرياً ناقشت فيه إنشاء جيش خاص”، وأشارت إلى أن حوالى 1000 من أعضاء المجموعة يمتلكون أسلحة مرخصة، وهناك غيرهم بالمئات لديهم أسلحة من دون تراخيص.
يتهم (مواطنو الرايخ) جمهورية ألمانيا الاتحادية التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية عام 1945 بأنها غير شرعية وقانونية، ولذلك فهي لا تعد دولة ذات سيادة. وتعترف الحركة فقط بحدود ألمانيا عام 1937 أي قبل الحرب العالمية الثانية، والتي تضم أجزاءً من بولندا وفرنسا، وبالتالي هم أيضاً لا يعترفون بالمؤسسات العامة مثل المحاكم والسلطة الحكومية ولا بالقوانين المعمول بها في البلاد، ويرفضون دفع الضرائب وفواتير الخدمات العامة ولا يحملون وثائق هوية رسمية، بل هوية غير رسمية تسمى (هوية مواطني الرايخ). وتتشابه مبادئ وأفكار هذه الحركة مع الايديولوجية الآرية التي يتبناها النازيون، ويتفقان مع الشعار الشعبوي (لا مكان للأجانب أو اللاجئين في ألمانيا).
استراتيجية نازية وأهداف
يعد الحزب الديموقراطي القومي الألماني (NPD) أقدم حزب نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وتأسس وفق زعم قيادييه، رداً على “الأحزاب التقليدية التي حصلت على تراخيص من قوات الاحتلال آنذاك”. يعتبر الممثل الأول للنازيين الجدد ومع ذلك أخفقت الحكومة في مواجهته كحزب عنصري. ومن أبرز الشخصيات فيه رئيسه أودو فوغت، وزعيم كتلته النيابية هولجر ابفل.
وتتفرع استراتيجية الحزب إلى ثلاثة محاور: العمل من أجل السيطرة على الشارع، والقيام بنشاطات للسيطرة على العقول، الوصول إلى البرلمان. ففي ألمانيا 168 منظمة يمينية متطرفة تضم حوالى 39 ألف عضو ازداد عددهم مع انضمام 4500 عضو جديد.
يُقدم السجال الدائر الآن على الساحة السياسية الألمانية في شأن ما يجب اتباعه تجاه ظهور النازية الجديدة نموذجاً جيداً لكيفية سير العملية الديموقراطية. فقرارات المنع أو الحظر لا تُتخذ اعتباطياً، بل يتم التحضير المتأني لها على أرضية القوانين المعمول بها والتي يتفق الجميع على احترامها. وهكذا تبدأ المناقشات على المستويات المحلية، قبل أن تتبلور على شكل توصيات، ومن ثَم تُقدم إلى البرلمان (البوندستاغ) حيث تُجرى نقاشات وسجالات موسعة حولها. وإذا اكتسبت التوصيات زخماً كافياً يُمكنها أن تترجم إلى تعديلات في قوانين موجودة أو إصدار قوانين جديدة، أو رفع توصيات إلى المحكمة الدستورية التي تنظر في مدى انسجامها مع الدستور الألماني. وطالب رئيس حكومة تورينغن بودو راميلوف بتغيير قانون التجمعات، حتى لا تعطي السلطات المعنية تراخيص لإقامة احتفالات النازيين كما حصل في تيمار تحت بند حرية التعبير.
وقال نائب رئيس الحزب الديموقراطي الحر فولفغانغ كوبيكي إنه كان بوسع برلمان تورينغن تشديد قانون التجمع، فيما رأى رئيس رابطة (Mobit) المناهضة للنازية الجديدة ساندرو ويت لوكالة (دويتشه فيلله) أن لا ضرورة لتعديل القانون، بل تطبيقه الصارم مع القوانين الأخرى، فهي كافية لمنع إقامة مثل هذه الحفلات”.[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يتحتّم على أيّ حلّ يهدف إلى استمرار الحصول على الأدوية بأسعار معقولة أنْ يكفل إتاحتها لجميع الفئات السكّانيّة حتّى الذين لا تشملهم التغطية التأمينيّة، لا سِيَّما في ظلّ ارتفاع نسبة البطالة.
Play Video
مضى عامان على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني