“بورتريه” لبناني لمقتدى الصدر:
ميشال عون العراق

يجمع الصدر في "خلطته" اللبنانية جميع مكوّنات السلطة التقليدية التي ثار بوجهها اللبنانيون. وهو، في الحالة العراقية، يجمع المكوّنات نفسها التي تفوح منها، في حال دمجها، رائحة لا يستسيغها أنف: السلاح والاصلاح.

من هو النموذج اللبناني المعادل للحالة الصدرية في العراق؟ أو بالأحرى، من هو مقتدى الصدر اللبناني؟ يبدو هذا السؤال ملحاً في ضوء نتائج الانتخابات العراقية الباكرة التي انتجت فوزاً كبيراً للتيار الصدري في الانتخابات وهزيمة ملفتة لفصائل الحشد الشعبي مع بروز كتلة جديدة للمستقلين المنبثقين من حراك تشرين الأول/ اكتوبر 2019 على الرغم من المقاطعة الواسعة للانتخابات بين هذه القوى. 

تغري المقارنة بين الحالة اللبنانية والحالة العراقية في ظل الإنتخابات الأخيرة. فلبنان ايضاً ينتظر انتخاباته خلال شهور مقبلة، ويعوّل كثيرون عليها لإحداث تغيير في الوضع السياسي المتأزّم، مع آمال بوصول شخصيات مستقلة، منبثقة من حراك تشرين الأول/ اكتوبر 2019 اللبناني إلى البرلمان. 

ويقرأ كثيرون في نتائج الانتخابات العراقية هزيمة لإيران، على اعتبار ان الرابح الأكبر مقتدى الصدر ليس رجلها في العراق، وتتباين مواقفه وتتذبذب حيال نفوذها المحلي. وهو يعبّر في اكثر من موقف، آخرها “خطاب الفوز” الذي تلى اعلان النتائج، عن وجوب “حصر السلاح بيد الدولة ويُمنع استعمال السلاح خارج هذا النطاق، فقد آن للشعب أن يعيش بسلام، بلا احتلال أو إرهاب”. وهي لازمة يكرّرها الصدر من زمان، وتترافق مع انتشار مسلّح تنفّذه سرايا السلام، الميليشيا المسلّحة التابعة لتياره، والتي استخدمها في قمع المتظاهرين السلميين في مدينة الناصرية في محافظة ذي قار، وتقوم عناصر هذه الميليشيا بـ”تأديب” كل من تسوّل له نفسه انتقاد الصدر من العراقيين. وهو يحمل شعار “الإصلاح”، كما جاء في “خطاب الفوز”، ويتعهد بمحاربة الفساد: “”لا مكان للفساد والفاسدين في العراق بعد اليوم، وسنزيح الفساد بدمائنا إن اقتضت الضرورة، فهلموا إلى ورقة إصلاحية لا تقاسم فيها للسلطة على مصالح الشعب”. 

يقرأ كثيرون في نتائج الانتخابات العراقية هزيمة لإيران، على اعتبار ان الرابح الأكبر مقتدى الصدر ليس رجلها في العراق، وتتباين مواقفه وتتذبذب حيال نفوذها المحلي.

هذه الملامح من خطاب الصدر تذكّر بالحالة العونية في لبنان: خطاب يطالب بـ”الدولة” ويتحالف مع “حزب الله”. وينادي “بالإصلاح والتغيير” ويغرق بالفساد. ويحاول ان يوحي بأنه “غربي” ويخطب ودّ الأميركيين… من حضن إيران.

بيد ان الصدر، في “البورتريه” اللبناني الذي نحاول ان نرسمه له، يجمع بين ملامح عونية، وشبه كبير بحالة “حزب الله”، لجهة انه رجل دين معمّم يمتلك ميليشيا، ويخوض الانتخابات في ظل سطوة سلاحه، وينشد السيطرة على الدولة، والدخول إلى الحكومة بثقل يمكّنه من التحكّم بتسمية رئيس الحكومة، أو في الحد الأدنى، وضع “فيتو” على الأسماء التي لا تناسبه.

ولا يغيب وليد جنبلاط عن “البروتريه” اللبناني لمقتدى الصدر، فالأخير بتذبذبه وانقلابه الدائم على مواقفه وتصريحاته، وانتهازيته لجهة الرضوخ للتسويات التي تؤمن بقاءه وتعزّز نفوذه، يحمل الكثير من صفات الزعيم الدرزي اللبناني، الذي يجمع بين خطاب “ليبرالي” ينادي بالحرية والانفتاح و”الإستقلال”، وبين تجذّر طائفي وإقطاعي يمنع اي سبيل للتغيير في بيئته الدرزية، مع ذراع ميليشياوية قادرة على التحرّك حينما يشعر “البيك” بالتهديد من المستقلين. 

هكذا يجمع الصدر في “خلطته” اللبنانية جميع مكوّنات السلطة التقليدية التي ثار بوجهها اللبنانيون. وهو، في الحالة العراقية، يجمع المكوّنات نفسها التي تفوح منها، في حال دمجها، رائحة لا يستسيغها أنف: السلاح والاصلاح. وهي خلطة ثار بوجهها العراقيون أيضاً، لكن “ثورة” مقتدى الصدر المضادة كانت لهم بالمرصاد. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
تحرك الجهات المختصة السريع حول العالم لدراسة البروفيل الجيني للمتحور الجديد أظهر مفاجآت في المتحور لم تكن بالحسبان
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني