“وثائق باندورا”: تعقّب التراث الكمبودي
المنهوب يقودنا إلى أبرز المتاحف العالمية

كانت المتاحف مترددة في إعادة القطع إلى بلادها الأصلية، بما في ذلك القطع التي يظهر بوضوح أنها كانت منهوبة، مثل التماثيل ذات الأقدام المقطوعة وغير ذلك من دلائل على وقوع التهريب.

بقلم: بيتر هوريسكي، وماليا بولتزر، ودلفين رويتر، وسبنسر وودمان

على مدى عقود، مثّل دوغلاس لاتشفورد شخصية رومانسية؛ إذ كان هذا الرجل الإنجليزي اللطيف مستكشفاً لمعابد الغابات وباحثاً ومتذوقاً للفنون، تغريه التفاصيل المتقَنة للأعمال النحتية القديمة،مستقلاً طائرة مروحية إلى أقاصي كمبوديا لزيارة مدن إمبراطورية الخمير القديمة، مخاطراً بالسير وسط الألغام لإشباع فضوله. 

فمنذ سبعينيات القرن المنصرم، جمَع واحدة من أكبر مجموعات كنوز الخمير الخاصة في العالم، معظمها منحوتات هندوسية وبوذية، وهي بقايا حضارة ازدهرت في جنوب شرق آسيا منذ ألف عامٍ مضت. وأسهم لاتشفورد في كتابة ثلاثة كتب بارزة حول الموضوع.

وفي أول هذه الكتب، وعنوانه “التوقير والمجد” (Adoration and Glory)، كتب لاتشفورد “تُعدّ الأعمال النحتية والمعمارية التي أنتجها الخمير لتكريم آلهتهم وحكامهم من بين الروائع الفنية الكبرى في العالم”.

ولكن بينما كان لاتشفورد يبدي إعجابه بإنجازات الخمير، كان أيضاً يتاجر في الآثار المنهوبة من المعابد المقدسة لتلك الحضارة، ويربح منها، وذلك وَفقاً لمدّعين عامّين أميركيين، كجزء من عملية نهب امتدت عقوداً للمواقع الكمبودية فيما يصنَّف باعتبارها واحدة من أكثر السرقات الثقافية تدميراً في القرن العشرين.

حين وجّهت الولايات المتحدة الاتهام إلى لاتشفورد في 2019، بدا أخيراً أن مئات القطع المسروقة التي تاجر بها قد يجري تحديدها والتعرف عليها وإعادتها؛ إذ طلب المدّعون العامّون مصادرة “جميع الممتلكات” الناتجة عن تجارته غير المشروعة على مدى أربعة عقود. إلا أن لاتشفورد، الذي بلغ عمره حينها 88 عاماً، توفّي قبل المحاكمة، مخلّفاً وراءه سؤالاً محيِّراً دون جواب: ماذا جرى لكلّ تلك الأموال والكنوز المنهوبة؟

“الاقتناء أشبه بالمرض حقاً. ومَن أصابهم هذا المرض يودّون العثور على مَن يشاركونهم المعاناة ذاتها”.

تكمن الإجابة، جزئياً على الأقل، في السجلات التي لم يُكشَف عنها من قبل، وتصف الشركات والصناديق الائتمانيّة الخارجية السرية التي أدارها لاتشفورد وأسرته. فهذه السجلات جزء من ذاكرة تضمّ أكثر من 11.9 مليون وثيقة حصل عليها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، وشاركها مع صحيفة واشنطن بوست وغيرها من وسائل الإعلام حول العالم.

وتوضّح سجلات تسجيل الصناديق والشركات التي حصل عليها الاتحاد أنه بعد مرور ثلاثة أشهر من بدء المحققين الأميركيين الربط بين لاتشفورد وبين القطع الأثرية المنهوبة، أنشأ هو وأسرته الصندوق الأول من بين صندوقين ائتمانيَّين -سُمِّيا بأسميّ الهتين هندوسيتين سكاندا وشيفا- في جزيرة جيرسي، وهي ملاذ سري في جزر القنال الإنجليزي، بين إنجلترا وفرنسا. وقد ضمّ صندوق سكاندا جُلّ مجموعة لاتشفورد، ومنها ما لا يقلّ عن 80 قطعة أثرية؛ من بينها تماثيل برونزية لبوذا ولوكشفارا وغيرهما من الرموز الدينية. لاحقاً نُقلت أصول لاتشفورد في صندوق سكاندا إلى صندوق شيفا.

وفيما قال أفراد أسرة لاتشفورد إن الصندوقين أُسسا لأغراض ضريبية ولأغراض التخطيط العقاري، فإن السرية التي تحيط بهما تشكل صعوبات للمحققين الساعين إلى العثور على القطع التي ربّما نهبها، ومن ثَمّ إعادتها إلى موطنها. وقال مسؤولون كمبوديون، شكلوا فريقاً لتعقّب آلاف القطع الخميرية الأثرية المسروقة، إنهم لا يعرفون ما هي القطع التي يضمها صندوق سكاندا، وإنهم لم يسمعوا قط بصندوق شيفا. وهم يرون أن القطع الخميرية الأثرية المأخوذة من البلدان من دون إذن، قطعاً منهوبة ويريدون استعادتها.

وقالت وزيرة الثقافة والفنون الجميلة الكمبودية، فويورنج ساكونا، “لن نتخلّى أبداً عن السعي إلى استعادة تراثنا”.

وأضافت “هذه العناصر ليست مجرد ديكورات، ولكن لديها روح، ونعتبرها حياة. ومن الصعب تحديد مقدار خسارتها بالنسبة لمعابدنا وبلدنا؛ فخسارتها أشبه بخسارة أرواح أجدادنا”.

وقال شخصان مقربان من التحقيق [طلبا عدم التصريح باسمَيهما لأنه لم يُؤذَن لهما بمناقشة الأمر علناً]، إن المحققين الأميركيين يواصلون السعي إلى إعادة تلك القطع والعوائد التي تحصّلت من عملية لاتشفورد.

وأثارت سجلات أملاك لاتشفورد عملية بحث دولية قادتها صحيفة واشنطن بوست والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وصحيفة الغارديان وسبوتيفاي، للعثور على القطع الأثرية المرتبطة بلاتشفورد، بالاضافة إلى فحص أوسع لقضايا التجارة العالمية في القطع الفنية، وهي مجال تخفي فيه الشركات الوهمية والصناديق الائتمانية عمليات التهريب، وتشتري بعض المؤسسات الشهيرة ومقتنو الآثار قطعاً أثرية مصدرها غامض.

ووجد التحقيق أنه فيما أعاد عدد من المتاحف العديد من القطع المرتبطة بلاتشفورد خلال السنوات الماضية، فإن هناك 27 قطعة على الأقل من هذه القطع لا زالت ضمن مجموعات بارزة.

يمتلك متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك 12 قطعة على الأقل مما كان في مرحلة ما من ممتلكات لاتشفورد أو توسّط في الحصول عليها، وقطعة أخرى يبدو أنها تتطابق مع قطعة وُصفت في لائحة اتهامه بأنها منهوبة. أما المتحف البريطاني في لندن والمعرض الوطني الأسترالي ومتحف دنفر للفنون ومتحف كليفلاند للفنون فتمتلك مجتمعة 15 قطعة.

وتمتلك المتاحف 16 قطعة أخرى باعها طرف مرتبط بلاتشفورد، قال عنه المحققون إنه كان يتاجر (يتعامل) في القطع المسروقة. ولم يقدم أي من تلك المتاحف سجلات لهذه القطع تُثبت خروجها من بلادها بإذن من الحكومة الوطنية. في بعض الحالات على الأقل قالت المتاحف إنها لا تمتلك سجلات بهذا الخصوص.

وعلى الأرجح، فإن العناصر التي حددها فريق التقرير لا تمثّل سوى جزء صغير من تلك القطع المرتبطة بلاتشفورد، تلك التي انتهى بها الحال لتُعرض في المتاحف؛ لأن كثيراً من تلك القطع المباعة تبقى في مجموعات خاصة.

إلا أن هذا لا يعني القطع بأن مرور قطعة أثرية في متحف بين يدي لاتشفورد أو أحد من مساعديه يجعلها بالضرورة قطعة منهوبة.

غير أن النقاد يقولون إن نهب معابد كمبوديا كان أمراً معروفاً، تماماً كطوفان القطع الأثرية الناتج عن ذلك، والتي عُرضت للبيع. ويشيرون إلى أن الصلة مع لاتشفورد تضع على كاهل المتاحف مسؤولية التحقيق وكشف أصول القطع التي بحوزتهم.

وتدعو تعليمات القطاع المتحفي هيئات المتاحف والمشترين الآخرين إلى “البحث الدقيق” عن أصول القطع الأثرية قبل الاستحواذ عليها، والكشف عن نتائج ذلك البحث علانية. وقال مسؤولون في المتاحف الخمسة إنهم التزموا بالتعليمات الأخلاقية للمجال، وإن معايير الحصول على القطع الأثرية قد تطورت عبر السنين.

كانت المتاحف مترددة في إعادة القطع إلى بلادها الأصلية، بما في ذلك القطع التي يظهر بوضوح أنها كانت منهوبة، مثل التماثيل ذات الأقدام المقطوعة وغير ذلك من دلائل على وقوع التهريب.

وقال تيسّ ديفيس، المحامي وعالِم الآثار والمدير التنفيذي لائتلاف الآثار (Antiquities Coalition)، وهي منظمة تقوم بحملات ضد تجارة القطع الثقافية وتهريبها، إن “الاتهامات ضد لاتشفورد مسألة خاضعة للتسجيلات القانونية منذ ما يقرب من 10 سنوات حتى الآن. وكان لدى مديري المتاحف وقتٌ أكثر من كافٍ للقيام باللازم؛ غير أن ما ساد هو صمت يصمّ الآذان”.

وقد وعدت ابنة لاتشفورد، جوليا، هذا العام بإعادة ما تبقّى من مجموعة أبيها الشخصية، التي تضم أكثر من مئة قطعة أثرية من البرونز والنحاس والذهب والحجر الرملي.

غير أن هذه الإعادة التي وعدت بها لا تشمل سوى جزء من القطع الأثرية التي تداولها لاتشفورد؛ فهناك الكثير من القطع الأخرى التي بيعت من زمن طويل، ولن تكون أيٌّ من تلك القطع أو العوائد المالية من بيعها جزءاً من أي تبرع لأسرة لاتشفورد.

وفي رسائل إلى صحيفة واشنطن بوست والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، قال محامو جوليا لاتشفورد وسيمون كوبلستون إنه حتى وقت قريب كانت جوليا تعتقد أن مجموعة والدها قد جُمِعت بطرق مشروعة. إذ لم تكتشف إلا بعد وفاته أنه قد أخفى عنها أمر صفقاته وتعاملاته في الآثار.

وجاء في رسائل المحامين أن التخطيط لإنشاء صندوقَي سكاندا وشيفا بدأ “قبل وقت طويل من انطلاق أي تحقيقات حول السيد لاتشفورد”. وفي بيان لجوليا لاتشفورد، قالت إنهما “أقيما لأغراض ضريبية وبهدف التخطيط العقاري”، وبالإضافة إلى القطع الأثرية “شملا أصولاً متعددة للأسرة” غير مرتبطة بالمجموعة الفنية لدوغلاس لاتشفورد.

وجاء في بيان جوليا أن المجموعة تشمل كثيراً من العناصر مع تاريخ ملكية واضح التوثيق. فلم يُستخدم الصندوقان لإخفاء أصول آثار منهوبة أو عوائدها المالية، وفق ما جاء في البيان.

ولم تُتهم جوليا أو زوجها بارتكاب أي جريمة أو مخالفة.

إقرأوا أيضاً:

هوس حقيقي

كان دوغلاس لاتشفورد شخصاً بارزاً ومثيراً للانتباه حتى في أوساط الشخصيات الاستثنائية التي تستخدم الشركات والصناديق الائتمانية الخارجية، من فئة السياسيين فاحشي الثراء ذوي المساوئ المالية (المشكوك في ذممهم)، أو الآخرين الساعين إلى تضليل السلطات.

وكتب لاتشفورد في مجلة “فنون آسيا” (Arts of Asia) حول إحدى رحلاته، قائلاً “في بدايات 2012، صعدت مجموعة صغيرة من مغامرين جسورين على متن طائرة مروحية، متوجهين إلى شمال شرق كمبوديا، حيث المدينة الساحرة لينغابورا، عاصمة الخمير الفخمة التي شيدها جيافارمان الرابع في العام 921م”.

وأورد لاتشفورد في المقالة بالتفصيل مخاطر استكشاف معابد الخمير القديمة في مشهد ما يزال يحمل آثار الحرب.

وكتب لاتشفورد “على الفور تقريباً، وجدنا أنفسنا في أعماق الغابات نسير بمحاذاة مسارات ضيقة مغطّاة بالنباتات البرية وتحيط بها علامات ’خطر الموت‘ بخلفية حمراء، محذرة إيّانا من الألغام الأرضية”.

وكما جاء في مقابلات مع لاتشفورد، فباعتباره طفلاً وُلد في مومباي لمصرفيّ بريطاني وزوجته في العام 1931، كان الفتى منبهراً بحكايات المعابد المهجورة التي ذكرها روديارد كبلينغ في “كتاب الغابة” (The Jungle Book).

وعند وصوله سن العشرين، كان قد انتقل إلى العاصمة التايلاندية بانكوك، حيث أقام شركة لتصنيع الأدوية وتوزيعها، واستثمر في الأراضي، وفق ما جاء في مقابلات معه.  كانت تلك الشركات، كما سيزعم لاحقاً، هي المصدر الأساسي لثروته. وقد أصبح أيضاً من هواة كمال الأجسام، فأنشأ صالات رياضية ومبادرات تدريب الأبطال من تايلاند وكمبوديا. وكان ضيفاً معتاداً في حفلات العشاء الفاخرة لنخبة بانكوك.

غير أن الشغف الذي سيحدّد مسار حياته كان يكمن في موضع آخر. كان سن لاتشفورد 26 عاماً حين اشترى أولى القطع الأثرية الخميرية، وهي تمثال من الحجر الرملي بطول 24 بوصة لجذع بشريّ أنثويّ، بقيمة 700 دولار أميركي في منطقة من بانكوك معروفة باسم “سوق اللصوص”. لم يكن للتمثال أقدام أو أذرع، ولكن لاتشفورد أُغرم به كما قال في مقابلة مع صحيفة بانكوك بوست.

صارت القطع الأثرية غراماً أبدياً. وهكذا شارك مع إيما بنكر، أستاذة تاريخ الفن الآسيوي، في كتابة ثلاثة كتب عن الآثار الخميرية. وقد دعته مؤسسات فنية بارزة -مثل دارَي سوذبي وكريستي للمزادات، ومتحف المتروبوليتان للفنون- من أجل تحديد هوية المقتنيات الخميرية. وقد تبرع بقطع خميرية لمتاحف حول العالم، وكان يفخر ببيع بعضها لآل روكفلر. وفي 2008 منحه نائب رئيس الوزراء الكمبودي ما يعادل رتبة الفروسية لتبرعاته للمتحف الوطني في البلاد.

وكما قال أصدقاء له، كان ذلك هاجساً وهوساً حقيقياً.

وكما قال أنغوس فورسيث، وهو محام من هونغ كونغ من هواة اقتناء القطع الفنية والأثرية، وشارك في بعض رحلات الطائرات المروحية إلى الغابات التي كان ينظمها لاتشفورد، فإن “الاقتناء أشبه بالمرض حقاً. ومَن أصابهم هذا المرض يودّون العثور على مَن يشاركونهم المعاناة ذاتها”.

تزامَن افتتان لاتشفورد بالأعمال الفنية الخميرية مع وجود سوق رائجة للقطع الأثرية المنهوبة من كمبوديا وجارتَيها تايلاند ولاوس. وقد كانت الدول الثلاث جزءاً من إمبراطورية الخمير التي ازدهرت بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديَّين.

فبدءاً من سبعينيات القرن الماضي، وفي خضمّ الحرب الأهلية ونظام الإبادة الجماعية الذي اتبعه رئيس الوزراء الكمبودي بول بوت، وقعت مجمّعات معابد إمبراطورية الخمير -وثلاثة منها مصنفة من مواقع اليونسكو للتراث العالمي- ضحية نوبات نهب ضخمة. فقد كانت الشبكات المنظمة -التي يرأسها عادةً أفراد من الجيش أو أعضاء من “الخمير الحُمر” [الحزب الشيوعي الكمبودي]، الذين يمثّلون الحركة الشيوعية الراديكالية من أتباع بول بوت- تحطّم التماثيل من قواعدها؛ فيما كان الديناميت ينسف ويفكك قطعاً أخرى. وقد نقلت أيضاً جدران بأكملها بالشاحنات. ويقول خبراء إن عوائد أعمال النهب هذه ساعدت في تمويل القتال. وقد استمر النهب إلى العقد الثاني من القرن الحالي.

على مدى عقود، مثّل دوغلاس لاتشفورد شخصية رومانسية؛ إذ كان هذا الرجل الإنجليزي اللطيف مستكشفاً لمعابد الغابات وباحثاً ومتذوقاً للفنون، تغريه التفاصيل المتقَنة للأعمال النحتية القديمة،مستقلاً طائرة مروحية إلى أقاصي كمبوديا لزيارة مدن إمبراطورية الخمير القديمة، مخاطراً بالسير وسط الألغام لإشباع فضوله. 

كان من بين الأهداف الخاصة مدينة كوه كير القديمة، حيث تضم 76 معبداً وقنطرة، بالإضافة إلى ما تحويه من تماثيل وهرم من سبعة مستويات. كانت تماثيل كوه كير متميزة وذات طابع ثوري في عصرها؛ فقد نحت الحرفيون أعمالاً رائعة من الحجر الرملي، بتفاصيل دقيقة ومعقدة، مفعمة بالحيوية وعادة ما تتسم بالحركة الدينامية.

قبل عام 1965 لم يكن متاحاً الوصول إلى مجمع المعابد، ولكن شُقّ إليه طريق عاد بالنفع على السكان المحليين لكنه أتاح للصوص الآثار الفرصة للوصول بسهولة إلى المنطقة.

ولخدمة تجار الآثار الباحثين عن كنوز معينة، كان اللصوص في القرى يبحثون عن قطعة أثرية بعينها، مسترشدين بصور حصلوا عليها، كما قالت أنجيلا تشيو، وهي باحثة أصدرت كتاباً عن الفن الآسيوي. ولتخفيف تأنيب الضمير لدى عملائهم الأثرياء، اختلق تجار الآثار قصصاً لإخفاء حقيقة أن هذه القطع مسروقة ومنهوبة.

وقالت تشيو “لقد برّر كثيرون انتزاع القطع الأثرية من كمبوديا بصفتها أعمال إنقاذ، واعتبروا مقتني تلك القطع منقذين لها”.

وكانت القطع التي يمكن أن تُدرّ في الغرب ملايين الدولارات يبيعها القرويون الكمبوديون الفقراء اليائسون بمبالغ زهيدة.

وقال واحد ممن كانوا سابقاً يقومون بأعمال النهب -وكان عضواً في “الخمير الحُمر”، ويساعد اليوم المسؤولين الكمبوديين في تعقب القطع التي سرقها- لأحد الباحثين أنه باع تمثالاً لغانيشا، الإله الفيل الهندوسي، مقابل واحد من ثيران الماء.

وباع اللصوص قطعة أخرى -وهي تمثال من الحجر الرملي، نصفه امرأة ونصفه طائر- مقابل 550 دولار، كما قال الباحث في هيئة اليونسكو والمتحف الوطني الكمبودي.

بينما استولى اللصوص على قطعة ثالثة في الموقع نفسه، وهي للإله سكاندا جالساً على طاووس، ونقلوها بعربة يجرّها ثور إلى الحدود مع تايلاند وباعوها مقابل ما يصل إلى 600 دولار.

وفي قلب هذه التجارة غير المشروعة كان هناك لاتشفورد الذي كان -وفقاً لمدّعين عامّين- يتاجر في الآثار منذ بداية سبعينيّات القرن العشرين حتى عام 2010 على الأقل.

جميع هذه القطع الثلاث المسروقة من مدينة كوه كير -تمثال غانيشا، والتمثال الذي نصفه امرأة ونصفه طائر، وتمثال سكاندا- لها صلات بلاتشفورد.

فكما قالت السلطات الكمبودية، توسط لاتشفورد في بيع تمثال غانيشا. وباع تمثال سكاندا الجالس على طاووس لأحد مقتني الآثار الأميركيين مقابل 1.5 مليون دولار، وفقاً لسجلات المحاكم الأميركية. وقد ظهرت هذه القطع الثلاث كلها في أحد كتبه، وهو أمر وظّفه لاتشفورد لمنح القطع المنهوبة مسحةً من الشرعية ولتسهيل بيعها، بحسب ما قاله المدّعون العامّون.

وربطت رسائل البريد الإلكتروني التي حصل عليها المدّعون العامّون لاحقاً بينه وبين شبكات إجرامية كانت تنهب المعابد المقدسة.

ففي إحدى تلك الرسائل، التي يبدو أنها كُتبت من بانكوك إلى أحد التجار في مانهاتن، أبدى لاتشفورد حماسه لبيع تمثال لبوذا عُثر عليه في كمبوديا، وبدا في الصورة المرفقة تغطيه الأتربة والأوساخ.

وجاء في الرسالة “استعدّ للمفاجأة! لقد حصلت للتوّ على هذا التمثال لبوذا بطول 56 سم في مقاطعة أنغكور بوري. نقّبنا عنه للتوّ، ويبدو رائعاً. لا يزال بحاجة لاجتياز الحدود، ولكنه مذهل”.

غير أن شيئاً من هذا لم يُعرف على نطاق واسع من قبل حتى بدأ نفوذ لاتشفورد يتداعى في العام 2011، حين وصل سنّ الثمانين.

وقد اكتشف ذلك، أحد علماء الآثار الفرنسيين.

فقد كان تمثال عظيم من القرن العاشر الميلادي على وشك العرض في ساحة المزاد بدار سوذبي للمزادات بمدينة نيويورك. وتصوِّر القطعة -التي أُطلق عليها اسم “الرياضي”- شخصية ضخمة مزيَّنة بجواهر منحوتة بدقة وتعقيد، مع غطاء رأس مخروطي متقَن يبدو وكأنه يتطاير في الهواء. ووصفت دار المزادات التمثال بأنه “من بين أعظم روائع فن الخمير”، وقدّرت قيمته بما يتراوح بين مليونين إلى ثلاثة ملايين دولار.

وجد عالم الآثار الفرنسي إريك بوردونو، في إعلان سوذبي وغيره من المصادر، دليلاً واضحاً على أن التمثال كان منهوباً: فأرجله تتناسب تماماً مع الأقدام المقطوعة في قاعدة التمثال التي تركها اللصوص في معبد براسات تشين بمدينة كوه كير. وحدد هوية التمثال بأنه يعود لدريودهن، وهو بطل لوحة من تسعة تماثيل تصوِّر مشهد المعركة الكبرى في الملحمة الشعرية الهندوسية مهابهاراتا.

وعند معرفة نائب رئيس الوزراء الكمبودي بأن التمثال مسروق على الأرجح، اتصل بالسلطات الأميركية لإيقاف عملية البيع، قبل ساعات من إتمامها. أثارت عملية البيع الموقوفة تحقيقاً فيدرالياً أميركياً، وأدت بعد ثماني سنوات إلى توجيه الاتهامات إلى لاتشفورد.

إقرأوا أيضاً:

مع اقتراب المحققين، نُقلت القطع الأثرية إلى الخارج

سعت لائحة الاتهام التي وجهها المدّعون العامّون للاتشفورد إلى إجباره على تسليم أي قطع أثرية وأموال جناها من مبيعات الآثار. ومثل هذه المُصادَرات أمر شائع في حالات الأعمال الفنية المسروقة.

لكن الصناعة الخارجية تبيع الحماية ضد هذا النوع من المساءلة.

في ربيع عام 2011، ووفقاً لوثائق حصل عليها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، لجأ أفراد من عائلة لاتشفورد إلى صندوق ترايدنت، أحد الشركات المتخصصة في مساعدة العائلات الثرية على إنشاء شركات خارجية وصناديق ائتمانية، وهي ممارسة يقول النقاد إنها تتيح لهم التهرب من الضرائب والرقابة الحكومية.

لدى ترايدنت تراست مكاتب في أكثر من 20 دولة وتتمتع بسلطات قضائية أخرى، ووُصفت جميع مكاتبها تقريباً من قبل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وشبكة العدالة الضريبية كملاذات ضريبية أو سرية. ووفقاً لموقع ترايدنت الإلكتروني، تتمتع الشركة بسجل طويل من العمل مع “العائلات ذات الثروات الضخمة” لإجراء الترتيبات المالية “التي تساعد في الحفاظ على الثروة من جيل إلى جيل”.

بادئ ذي بدء، أنشأ لاتشفورد وابنته جوليا وزوجها سيمون كوبلستون صندوقين مسجّلين في جيرسي، وأطلقوا على أنفسهم اسم المستفيدين، بحسب ما أظهرته الوثائق. ولدى جيرسي، وهي شركة تابعة للتاج البريطاني وتتمتع بالحكم الذاتي، “قوانين جدار الحماية” التي تحمي الأصول من الدائنين ومسؤولي الضرائب ووكالات إنفاذ القانون.

تشكّل هذه الصناديق عقبة كبيرة أمام إنفاذ القانون وأمام المحققين الآخرين الذين يسعون لاستعادة الممتلكات التي تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى صعوبة العثور عليها: لم يكن هناك شرط لتسجيلها لدى الحكومة.

يقول بروك هارينغتون، الأستاذ في كلية دارتموث الذي أصبح شخصاً معتمداً وموثوقاً به ومخطط عقارات لدراسة إدارة الثروات والشؤون المالية الخارجية، إن القوانين “مصمّمة لجعل أي شكل من أشكال اكتشاف الأصول أمراً صعباً.. وما لم يكن لديك اكتشاف، لن تنهض من كبوتك”.

تأسّس صندوق سكاندا في يونيو/حزيران 2011، بعد أقل من ثلاثة أشهر من توقف المدّعين الأميركيين عن بيع سوذبي. وتُظهر الوثائق التي حصل عليها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين أن الصندوق لديه أصول مالية كبيرة، بما في ذلك حسابات الاستثمار في شركة إدارة الثروات “راثبونز” و”بنك إتش إس بي سي الخاص”،  إلى جانب ممتلكات في صندوقي تحوط، وهما Headstart Fund of Funds، وLimestone Fund SPC Wider Russia. كما تولى الصندوق السيطرة على شركة أخرى من شركات لاتشفورد، وهي شركة Fleetwing Estates المحدودة، المسجلة في هونغ كونغ والتي اشترت في عام 2002 عقاراً في لندن تُقدّر قيمته حالياً بنحو 14 مليون دولار. وانتقلت ملكية العقار إلى جوليا لاتشفورد وكوبليستون في عام 2016، وفقاً لسجلات الملكية.

لم تذكر الوثائق التي حصل عليها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين شيئاً عن مقتنيات سكاندا من آثار الخمير، لكن 80 قطعة أثرية، معظمها من البرونز، وُجدت عليها عبارة “بإذن من سكاندا تراست” في كتاب للاتشفورد نُشر في عام 2011. وقال الخبراء إن هذه الآثار تبلغ قيمتها الإجمالية حوالي 10 ملايين دولار. وقال ممثلو الادعاء إن تمثالاً واحداً على الأقل، وهو تمثال لبوذا، باعه لاتشفورد إلى معرض نانسي وينر في مانهاتن وقُدّرت قيمته فيما بعد بـ1.5 مليون دولار، قد تعرّض للنهب.

وبشكل منفصل، عُرضت 22 قطعة برونزية مطابقة للصور التي نُسبت إلى صندوق سكاندا في أحد كتب لاتشفورد للبيع من قبل “تاكر آند توزر”، وهو معرض بريطاني، إلى جانب 20 قطعة أخرى عرضها لاتشفورد للبيع، وفقاً لوثيقة شحن. وبلغ السعر الإجمالي للقطع المُدرجة في قائمة الكتالوج ما يقرب من 2 مليون دولار. وقد أدرج المعرض البلجيكي، مارسيل نيس أورينتال آرت، سبع قطع أثرية في منشورات تتطابق مع قطع صندوق سكاندا المنشورة في كتب لاتشفورد. وقال مالك المعرض، مارسيل نيس، إنه لم يبِع أبداً أي قطعة نيابة عن لاتشفورد مباشرة، وإنه لم يكن على علم بخطورة الادعاءات التي كانت تحوم حول لاتشفورد حتى تم توجيه الاتهام إليه.

أنشأت العائلة صندوق شيفا الكائن بجزيرة جيرسي في سبتمبر/أيلول 2012.

وكان الوصي على الكيانين “شركة ائتمانية خاصة” أنشأها لاتشفورد ومسجّلة في جزر العذراء البريطانية، ما منح الصندوقين مستوى إضافياً من الخصوصية، وفقاً لـ”أوراق باندورا”. ولا يُطلب من هذه الشركات الكشف عن مساهميها أو مديريها، ما يجعل من الصعب تحديد أصحابها الحقيقيين.

ووفقاً لجولا لاتشفورد، صمّمت العائلة هيكل “الشركة الائتمانية الخاصة” لأنها كانت الطريقة الأكثر فاعلية من حيث التكلفة لإدارة الصناديق الائتمانية. وقالت في بيان لها؛ “لم تكن الشركة مُصمّمة لإخفاء هيكل الصندوق أو ما يحتفظ به، ولا لزيادة السرية بأي شكل من الأشكال”.

وبالاعتماد على الشركات والصناديق الائتمانية التي أُنشئت في ولايات قضائية سرية، انضم لاتشفورد إلى مجموعة من الشخصيات في عالم الفنون الذين وظّفوا مثل هذه الكيانات لحيازة الأصول، غالباً أثناء تورطهم في السرقة أو الاحتيال.

على مر السنين، مكّنت الشركات الوهمية والصناديق الائتمانية تجار الفنون والآثار وجامعي التحف من الانخراط في مجموعة متنوعة من المخططات غير المشروعة: مثل غسيل الأموال، ورفع أسعار الأعمال الفنية التي يبيعونها، وإخفاء ملكية القطع المسروقة، والتهرب من الضرائب.

أُدين جياكومو ميديتشي، الذي يعتبر أحد التجار المفتونين بالآثار المنهوبة، والذي عمل في تجارة الآثار من الستينيات إلى أواخر التسعينيات، لاستخدامه شركات وهمية مجهولة المصدر لغسل الآثار المسروقة. لكنه نفى الاتجار بالأعمال الفنية المنهوبة. وقد تجنب الأوليغارشيان الروسيان بوريس وأركادي روتنبرغ العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة ضدهم باستخدام شركات وهمية لشراء أعمال فنية بقيمة 18 مليون دولار، بما في ذلك لوحة للفنان السريالي البلجيكي رينيه ماغريت، وفقاً لتحقيق مجلس الشيوخ الأميركي. ونفى ممثلو عائلة روتنبرغ اتهامات بالتهرب من العقوبات. وظهر عمل فني آخر، من أعمال النحات موديلياني، والذي أخذه نازيون من تاجر تحف يعيش في باريس، في حوزة شركة بنمية كُشِف عن مالكيها من خلال تحقيق “أوراق بنما” الذي كشف الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين النقاب عنه.

بالنسبة للمحققين في مجال الفنون، عادةً ما تؤدي الشركات الخارجية والصناديق الائتمانية إلى طريق مسدود.

ويقول كريس مارينيلو، الذي تساعد شركته Art Recovery International، الأشخاص على استعادة القطع المسروقة: “عند تعقب القطع المسروقة، غالباً ما يعترينا الشك- هل هي مسروقة من ليختنشتاين أم بنما أم جزر كايمان أم من مكان ما من هذا القبيل – وهذا يجعل من الصعب جداً معرفة الجهة التي سنرفع دعوى ضدها”. وأضاف: “يمكن أن يشكّل ذلك حقاً حجر عثرة”.

سعت لائحة الاتهام التي وجهها المدّعون العامّون للاتشفورد إلى إجباره على تسليم أي قطع أثرية وأموال جناها من مبيعات الآثار. ومثل هذه المُصادَرات أمر شائع في حالات الأعمال الفنية المسروقة.

كيف يشتري هواة جمع التُحف ودور المزادات والمتاحف الأعمال الفنية المنهوبة

اليوم، يمكن العثور على الآثار التي تاجَر فيها لاتشفورد ورفاقه في المتاحف في جميع أنحاء العالم. وأمناء المتاحف ملزمون أخلاقياً بالتحقيق في أصول عمليات الاستحواذ الجديدة، لكن بعض الخبراء يقولون إنه لم يُفعل سوى القليل جداً لإعادة القطع التي نُهبت من كمبوديا إليها. ومن الصعب حصر عدد قطع التي نهبها لاتشفورد لأن المتاحف بشكل عام لم تشارك الوثائق، ومعظمها لا ينشر إلا ملخصات قليلة حول ملكية هذه القطع.

تنص الإرشادات الصادرة عن التحالف الأميركي للمتاحف على أنه ينبغي على المتاحف “إجراء بحث دقيق عن مصدر شيء ما قبل اقتنائه” و”بذل جهود مضنية للحصول على وثائق مكتوبة بدقة بشأن تاريخ القطعة الأثرية، بما في ذلك مستندات التصدير والاستيراد”.

لكن التفاصيل التي برزت من خلال لائحة اتهام لاتشفورد ومصادر أخرى، بما في ذلك مدونة Chasing Aphrodite الأثرية، تثير تساؤلات حول أصول بعض القطع. وقال الخبراء إن المتاحف عليها التزام أخلاقي بالإجابة عن هذه التساؤلات.

تضم مقتنيات متحف المتروبوليتان للفنون على سبيل المثال، تمثالاً من الحجر الرملي لشخصية تُدعى هاريهارا. وتشير المعلومات التي نشرها المتحف إلى أن القطعة جاءت من جنوب كمبوديا، وأن تاريخها يعود إلى “ما قبل حقبة أنغكور”. وقد اشترى هذه القطعة أحد المتعاونين مع لاتشفورد، وهي شركة “سبينك وابنه”، في عام 1977.

وقد وردت مواصفات قطعة مشابهة جداً في لائحة اتهام لاتشفورد- للشخصية الدينية نفسها، والتاجر نفسه، والفترة نفسها، والموقع نفسه- ويبدو أنها منهوبة. ووفقاً لرسالة وردت من ممثل شركة “سبينك” في نوفمبر/تشرين الثاني 1974، وافق لاتشفورد، في ذلك الوقت، على إرسال تمثال “هاريهارا الذي يعود إلى حقبة ما قبل أنغكور”، ومن المفترض أن القطعة “جرى التنقيب عنها مؤخراً في كمبوديا بالقرب من الحدود الفيتنامية الجنوبية”. وكان ممثل شركة “سبينك وابنه”، وفقاً للمدّعين العامين، على علم بخطط لاتشفورد الرامية لإعداد وثائق مزيفة لآثار الخمير.

ويُذكر أنه جرى الاستحواذ على شركة “سبينك وابنه” من قِبل كرستاي منذ عقود. وقالت دار المزادات إنها لن تبيع قط سلعاً يكون لديها سبب للاعتقاد أنها مسروقة.

أحجم متحف المتروبوليتان للفنون عن الرد على أسئلة المراسلين المتعلقة بمصدر قطعة هاريهارا أو أي من الـ12 قطعة أثرية التي اشتراها من لاتشفورد أو التي تبرّع بها الأخير والمعروضة حالياً ضمن مقتنيات المتحف. كما لم يردّ المتحف على الأسئلة المتعلقة بآثار الخمير السبعة التي استحوذ عليها شركاء لاتشفورد.

وفي بيان، قال متحف المتروبوليتان للفنون إنه “من غير المعروف” ما إذا كانت قطعة هاريهارا الموجودة لديه هي نفسها القطعة التي يقول المدّعون إنها نُهبت. وقال مسؤولو المتروبوليتان إن المتحف يطبّق “معايير منشأ صارمة” على المقتنيات الجديدة وعلى الآثار القديمة الموجودة ضمن مقتنياته. وأعلن المتحف أن لديه “تاريخاً طويلاً وموثّقاً جيداً للرد على الادعاءات المتعلقة بالأعمال الفنية، ولإعادة الأشياء عند الاقتضاء، ولتحري الشفافية بشأن مصدر الأعمال الفنية الموجودة ضمن مقتنياته”.

وفي حالة مماثلة، يحتوي متحف دنفر للفنون على تمثال من الحجر الرملي لإلهة الحكمة المتعالية، براجناباراميتا، حصل عليه من لاتشفورد. وفي وقت الاستحواذ عليه، قدّم لاتشفورد مستندات تحوي معلومات متضاربة بشأن تاريخ ملكية التمثال، وفقاً للائحة الاتهام الموجهة إليه. وكانت إحدى الوثائق تضم رسالة من هاوٍ لجمع الآثار يُدعى إيان دونالدسون، والذي كتب فيها أن لاتشفورد اشترى القطعة منه في عام 1999. ومع ذلك، أظهرت وثائق أخرى أن القطعة كانت بحوزة لاتشفورد قبل خمس سنوات. علاوة على ذلك، قال المدعون إن لاتشفورد قدّم “العديد” من هذه الرسائل التي كتبها دونالدسون، حتى بعد وفاة دونالدسون في عام 2001.

يقول متحف دنفر، الذي تضم مقتنياته ستة قطع أثرية حصل عليها من لاتشفورد: “اتصلنا بشكل استباقي بالمسؤولين الثقافيين في كمبوديا منذ حوالي عام، ولا يزال حوارنا مع كمبوديا مستمراً بشأن مصدر هذه القطع”.

قال برادلي جوردون، المحامي الذي يمثل وزارة الثقافة والفنون الجميلة الكمبودية في مفاوضات مع جوليا لاتشفورد، إن فريق الخبراء التابع للوزارة يتحرّى عن مصادر الآثار التي نهبها لاتشفورد.

وأضاف جوردون: “نحن نتتبّع ملكية ومنشأ آثار الخمير في جميع أنحاء العالم، ونطالب بإعادة كافة الآثار التي ليست مملوكة ومُوثّقة بشكل صحيح”. وتجدر الإشارة إلى أن العديد من المتاحف وغيرها من مشتري الأعمال الفنية، واجهوا، على مدى عقود، شكاوى بأنهم يتجاهلون الأدلة التي تُثبت سرقة القطع الأثرية وأن هذه اللامبالاة تعزّز أعمال النهب.

وجدت دراسة نشرها ديفيس، المحامي وعالم الآثار، أنه من بين 377 قطعة أثرية كمبودية بيعت في مزاد علني من قِبل دار المزادات العالمية “سوذبي” من عام 1988 إلى عام 2010، لم يكن لدى 71% منها سجل ملكية مُدرج. علاوة على ذلك، ثبُت أن المتاحف والمعارض ودور المزادات تتردّد بشأن إعادة الآثار إلى بلدانها الأصلية حتى تُواجه أدلة دامغة على أن القطع منهوبة. ويضع هذا النهج عبء إثبات الملكية على عاتق البلد الذي تنتمي إليه القطع الأثرية.

منذ ما يقرب من 20 عاماً، على سبيل المثال، كان هناك تمثالان ضخمان راكعان من الحجر الرملي في مدينة كوه كير، وكانا متوّجين بأغطية رأس مخروطية الشكل، وكانا يحيطان بمدخل معرض الفنون الآسيوية في متحف المتروبوليتان للفنون. ويلقّبهما أمناء المتحف بـ”الحاضرين الراكعين”، وذلك لأن الشخصيتين اللتين ترتديان المئزر تجثمان وكأنهما في وضعية ركوع. وقال بعض علماء الفن إن سرقة التماثيل كانت واضحة للعيان.

وقال خبراء إنه معروف عن التمثالين أنهما من مدينة كوه كير، حيث تفشّت أعمال النهب، وإن المتحف أخذهم على شكل قطع، وهذا مؤشر يستدعي الانتباه. فغالباً ما يقسم اللصوص التماثيل إلى قطع لنقلها. وقد تبرّع لاتشفورد وشركة المزادات “سبينك وابنه” بأحد الرؤوس في عام 1987. ثمّ في عام 1992، تبرّع لاتشفورد بجسد التمثاليْن. وجاءت الرأس الثانية من متبرع آخر.

وما جعل الأمر أكثر شُبهةً هو العلامات التي كانت موجودة على التمثالين.

وقال بوردونو، عالم الآثار وخبير كوه كير: “كانت آثار أزاميل اللصوص واضحة على الركبتين”. وبرغم هذه المؤشرات، قبِل متحف المتروبوليتان للفنون التبرعات واحتفظ بالتماثيل لسنوات قبل إعادتها إلى كمبوديا في عام 2013.

وأضاف بوردونو أن هناك أدلة كثيرة تثبت أن التمثالين ينتميان إلى مجموعة التماثيل نفسها التي سُرقت وبيعت في دار “سوذبي”، والتي كان من بينها تمثال “دوريودهانا”، غير أن المتحف لم يتخل عن التمثالين إلا عندما اكتشف علماء الآثار قواعد التماثيل التي تتطابق تماماً مع “الحاضرين الراكعين”.

تكرّر هذا السيناريو عندما لام الكمبوديون المتاحف الأخرى -بما في ذلك متحف نورتون سيمون في باسادينا بولاية كاليفورنيا، ومتحف دنفر للفنون، ومتحف كليفلاند للفنون- على استعادة التماثيل التي تاجر بها لاتشفورد على أجزاء، وفقاً لآن لوميستر، الرئيسة السابقة لليونسكو في كمبوديا: لم تستعِد المتاحف الآثار إلا عندما عُثر على أجزاء متطابقة في موقع بمدينة كوه كير.

يمكن أن يكون أصل الآثار الموجودة ضمن الحيازات الخاصة أكثر من مجرد صندوق أسود. وقد تضمّنت مقالة نشرتها مجلة أركيتشرال دايجست Architectural Digest في عام 2008 صوراً لأكثر من عشرة تماثيل خميرية معروضة في قصر فخم ببالم بيتش بولاية فلوريدا مملوك للملياردير جورج إل لينديمان.

عرض المراسلون الصور على فريق مكوّن من 12 خبيراً في الفن وعلى علماء آثار وآخرين يعملون مع وزارة الثقافة في كمبوديا لاستعادة الآثار. وقالوا إن ستة من القطع، التي يعتبرونها من بين الكنوز الثقافية الأكثر أهمية في كمبوديا، “نُهبت بالتأكيد”. وقال الخبراء إن تمثالاً عبارة عن نصف امرأة ونصف رجل سُرق من معبد فى مدينة كوه كير. ووصف جوردون، المحامي الذي يمثل الوزارة، المعبد بأنه “المعادل الكمبودي لقبر الملك توت عنخ آمون”. وتُظهر إحدى الصور ثلاثة رؤوس معلقة فوق مدفأة مزخرفة. وتعتقد السلطات الكمبودية أن هذه القطع قد سُرقت من ممر العمالقة المؤدي إلى أنغكور ثوم في سيم رييب.

وفي صورة أخرى، يظهر تمثال لشخصية أكبر من الواقع تجلس وتحدق بهدوء في غرفة طعام لينديمان. ووفقاً لخبراء، يعتبر التمثال مهماً للغاية لدرجة أن قاعدته الفارغة معروضة في المتحف الوطني في كمبوديا. ويعتقد فريق الإنقاذ الكمبودي أنه واحد من ثلاثة تماثيل لا تزال مفقودة من ساحة معركة مهابهاراتا.

لم تستجب أرملة لينديمان وأبناؤها لطلبات متكررة للتعليق.

تعتبر اللمحات العامة عن المقتنيات الخاصة نادرة للغاية، ما يعرقل جهود الكمبوديين لاستعادة تراثهم الثقافي.

يقول الخبراء إن هواة جمع التحف والمتاحف ودور المزادات الخاصة يفلتون بفعلتهم المشينة بسبب الافتقار للتنظيم الخارجي ولأن السجلات الخاصة بمصدر القطع الأثرية والتفاصيل المتعلقة بعمليات الاستحواذ غالباً ما تظل سرية.

يقول تشيو، الباحث في الفن الآسيوي: “تعمل السرية على تسهيل كل خطوة في عملية دخول قطعة أثرية منهوبة إلى السوق، بدءاً من إزالتها غير المشروعة إلى تداولها بين التجار والمجموعات الخاصة والعامة”. ويضيف: “إن الافتقار للشفافية يمكّن من إخفاء الحقيقة وتشويهها ومن تجريد الآثار القديمة من أصولها غير المشروعة، بحيث يمكن عرضها في متحف، أيّ في الجهة النهائية للشرعية”.

إقرأوا أيضاً:

استعادة الآثار

بعد ثلاث سنوات من المفاوضات، بدأ الكمبوديون في استعادة بعض الأعمال الفنية التي مرّت بين يدي لاتشفورد. وفي شباط/ فبراير، وبعد وقت قصير من وفاة والدها، أعلنت جوليا لاتشفورد أنها ستعيد مجموعته الخاصة إلى كمبوديا. وتعتبر هذه أكبر عملية إعادة للآثار في تاريخ المنطقة، وقد حظيت باهتمام إعلامي إيجابي. وأشار مقال في صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن الهدية “تكرّم، إن لم تكن تعفي” والدها.

سعى لاتشفورد نفسه في البداية إلى استخدام التبرع كورقة مساومة في محاولة للحصول على حصانة قانونية لنفسه ولأفراد أسرته ولشريكته المقرّبة إيما بنكر، وفقاً لمذكرة سُرّبت في عام 2018 وكانت موجّهة للسفير الأميركي في كمبوديا وحصل عليها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين وشركاؤه الصحفيين.

وكتب جوردون، محامي كمبوديا، في المذكرة: “السيد لاتشفورد سعى لإرفاق العديد من الشروط بعرضه”. وقال جوردون إن الشاغل الأساسي للاتشفورد يبدو أنه حماية نفسه وشريكه القديم والمؤلف المشارك بانكر وأفراد أسرته من الملاحقة الجنائية. وكتب جوردون: “نعتقد أن عدم منح هذا الشرط قد ينفي تماماً دافعه للتخلي عن هذه الآثار”.

خلال المفاوضات التي أُجريت بشأن استعادة مقتنياته الأثرية بأكملها، حاول لاتشفورد بيع ما قيمته 3 ملايين دولار من آثار الخمير المرسلة إلى معرض لندن، تاكر وتوزر، وفقاً لرسائل البريد الإلكتروني التي حصل عليها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين. وكشفت رسائل البريد الإلكتروني كذلك أن مالك المعرض، جوناثان تاكر، كان يعلم أن بعض هذه القطع كان لا أصل لها عندما طُرحت للبيع. ولم يستجب تاكر لطلبات التعليق.

قالت جوليا لاتشفورد في بيان إنها، في ذلك الوقت، لم تكن تعلم أن والدها كان يحاول ربط رد مقتنياته الأثرية بالحصانة، وإن قرارها الخاص بإعادة القطع الأثرية كان “نابعاً من اقتناعها بأن ذلك هو الشيء الصائب الذي كان ينبغي عمله”.

وقالت: “أنا على دراية بقواعد السلطات، وأتعاون معها طواعيةً في التحقيقات المتعلقة بممتلكات والدي، وأنا مُلزمة بالانصياع لأوامرهم”.

لا تزال آلاف الآثار المسروقة موجودة هناك. وقد دشّن علماء الآثار الكمبوديين عملية مضنية للتنقيب عن بعض الآثار التي نُهبت في البلد، والتي يُقدّر عددها بنحو 4000. ويأمل علماء الآثار أن يعثروا علىأجزاء وأدلة أخرى يمكنهم استخدامها لإقناع أيّ شخص لديه الآن قطع أثرية كمبودية بإعادة تراث البلد المسروق.

وإلى أن ينجحوا في مهمتهم، سيتراكم الغبار على قواعد التماثيل في متحف كمبوديا الوطني، في انتظار عودة شاغليها.

ساهم في إعداد التقارير: آني غيلبرتسون من سبوتيفاي، مقتبس من صحيفة “الغارديان” (سينضم المزيد من المساهمين في المستقبل)

“أوراق باندورا” هي تعاون عالمي بين [اسم منصّتكم] والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين غير الربحي. إذا كنت معجباً بهذا النمط من الصحافة، يُرجَى التبرع للاتحاد لدعم هذه الصحافة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني