fbpx

أثران بعيدان لثروة صدام حسين
في “وثائق باندورا”

الوثائق المسربة أسقطت رؤساء وفضحت نجوماً وهزت عروشاً اقتصادية، فلماذا لا نطمح لأن تكون طريقاً لكشف ثروات الزعماء في بلادنا، على الأقل من سقط من بينهم؟

عثرنا في “وثائق باندورا” على أثرين لثروة صدام حسين، وهما وإن كانا بعيدين من المصدر الأول لهذه الثروة، إلا أنهما يضعاننا أمام طريق تقصي مآلات هذه الثروة، فالـ18 عاماً التي تفصلنا عن سقوط النظام، تولت على الأرجح دفع هذه الثروة في أقنية كثيرة صار صعباً معها اقتفاء أثرها. الأثران اللذان نتحدث عنهما هما اسما رجلي الأعمال العراقيين كريم أوجي، شقيق نظمي أوجي الذي ارتبط اسمه بصفقة سفن حربية إيطالية، كان صدام ينوي شراءها من إيطاليا، وخميس الخنجر الذي اقترن اسمه باسم عدي صدام حسين عبر شراكتهما بتجارة التبغ قبيل سقوط النظام في العراق. ومنذ ذلك الحين ونحن نسمع عن أدوارٍ لرجال أعمال عراقيين وأردنيين وسوريين، يتولون غسل أموال النظام العراقي السابق عبر سلسلة فنادق تارة، وتارة أخرى عبر تحولهم إلى واجهات لأنشطة تجارية لابنة صدام رغد. لكن بقيت هذه الأخبار من دون توثيق.

لكن مع “وثائق باندورا” لاحت فرصة للبدء بالبحث، ليس عن ثروة صدام حسين فقط، إنما أيضاً عن ثروات الرؤساء العرب المخلوعين ممن لم يفض سقوطهم إلى كشفٍ عن ثرواتهم، وهي ليست ثروات شخصية طالما أنهم جنوها خلال حكمهم بلادهم. ونحن هنا نتحدث عما يزيد عن 200 مليار دولار، هو الرقم المتوقع الناجم عن جمع ثروات كل من صدام حسين وزين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح ومعمر القذافي! وهذا الرقم كفيل طبعاً بانتشال معظم هذه الدول من الفقر القاتل الذي تعيشه إذا ما أحسن استعماله، وطبعاً إذا ما تمكنا من اقتفاء أثره بعد سقوط الأنظمة.

 تأتي التسريبات، وآخرها “وثائق باندورا” كأحد أشكال الاعتراض على موبقات هذا النظام غير العادل الذي يحتمي خلفه فساد أنظمة، بعضها سقط، وخلف وراءه حروباً أهلية كان أسس لها عبر تعميم الجهل والفقر، وبعضها ينتظر ويواصل احتماءه بثروات يخبئها في خزائن المصارف الغربية.

أين هي هذه الثروات؟ والسؤال يستمد وجاهته أولاً من حجم هذه الثروات التي من الصعب إخفاؤها من دون نظام إخفاء محكم. سقط زين العابدين بن علي وغادر تونس إلى السعودية، وهناك فارق الحياة. الطائرة التي نقلته إلى الرياض لا تتسع لثروته، فإلى أين توجه بها؟ السؤال نفسه يصح على علي عبدالله صالح، رئيس البلد الذي يمزقه الفقر وتقتل أهله الحرب الأهلية.

ونقول إن “وثائق باندورا” رسمت أفقاً لتقصي هذه الثروات، لأن الجنات الضريبية التي كشفتها هذه الوثائق هي المكان الأمثل لتهريب هذه الثروات. فما تؤمنه الـ”أوف شور” من سرية ومن حماية تجعل منها الوجهة الأولى المتوقعة لهذه الثروات. أبناء علي عبدالله صالح مثلاً، وهم من آلت إليهم ثروته على الأرجح، والتي ذهبت التوقعات إلى تقديرها بنحو 60 مليار دولار، يقيمون في دبي، وهذه الأخيرة تحولت في السنوات الأخيرة إلى إحدى الجنان الضريبية، وصار بإمكان رجال الأعمال التوجه إليها لتسجيل شركاتهم فيها، ومن بين الـ14 شركة التي كشفت “وثائق باندورا” عنها شركة محاماة واحدة مركزها في دبي.

نحن نتحدث عن ثمرات عقود طويلة من الفساد والاستبداد دفعت أثمانها خمسة شعوب تكابد اليوم مستويات غير مسبوقة من الفقر والعوز، إضافة إلى الحروب الأهلية، ويتولى النظام المالي العالمي، وعلى رأسه نظام الـ”أوف شور” حجبها عن أصحاب الحق فيها. وناهيك بما يمثله ذلك من سؤال أخلاقي يصيب أهل هذا النظام، فإن مجتمعات الـ”أوف شور” لم تكن بمنأى عن الشرور التي مثلها تحولها إلى ملاذ لثروات المستبدين ممن سرقوا ثروات بلادهم، وتوجهوا بها إلى أسواق الغرب وإلى ملاذاته الآمنة، ومنها الهجرة والإرهاب المعولم. هذا إذا غضضنا النظر عن حقائق مذهلة موازية لا صلة لمستبدينا بها كحقيقة أن التهرب الضريبي، والـ”أوف شور” إحدى وسائله، يحرم المجتمعات الغربية سنوياً من نحو 600 مليار دولار، يستفيد منها أصحاب رؤوس الأموال ويحرم منها دافع الضرائب متوسط الدخل ومنخفضه في الدول الغربية.

مع “وثائق باندورا” لاحت فرصة للبدء بالبحث، ليس عن ثروة صدام حسين فقط، إنما أيضاً عن ثروات الرؤساء العرب المخلوعين ممن لم يفض سقوطهم إلى كشفٍ عن ثرواتهم، وهي ليست ثروات شخصية طالما أنهم جنوها خلال حكمهم بلادهم.

النظام المالي العالمي الذي أتاح الـ”أوف شور” ولم يُعِد النظر بها على رغم الفضائح الممتالية منذ “وثائق بنما” عام 2008 إلى اليوم، لم يواكب تطور منظومة قيم المجتمعات التي صدر منها. المصارف السويسرية تمارس حماية حديدية على ودائع معظم الفاسدين في العالم، ناهيك عن المتهربين من دفع الضرائب، وصولاً إلى مبيضي الأموال. لا بل إن تحقيقات صحافية عدة كشفت مستوى تورط المصارف العالمية بعمليات غسل أموال تجارة المخدرات. مصرف HSBC البريطاني الشهير كان مستعداً لدفع الجزية على دوره في هذه الأعمال مقابل عدم توقفه عنها، ذاك أن الجزية أقل من العائدات منها! هذا ما أثبتته تحقيقات “وثائق بارادايز”، وهذا ما يضعنا وجهاً إلى وجه أمام شراهة المصارف وعدم اكتراثها لما تتطلع إليه المجتمعات التي تعمل فيها.

وبهذا المعنى، تأتي التسريبات، وآخرها “وثائق باندورا” كأحد أشكال الاعتراض على موبقات هذا النظام غير العادل الذي يحتمي خلفه فساد أنظمة، بعضها سقط، وخلف وراءه حروباً أهلية كان أسس لها عبر تعميم الجهل والفقر، وبعضها ينتظر ويواصل احتماءه بثروات يخبئها في خزائن المصارف الغربية. ولنا هنا بواقعة عودة رفعت الأسد إلى سوريا دليل طازج، فالرجل يقف على رأس أكبر مجزرة في تاريخ سوريا، وهذه حقيقة لا تحتاج لمن يثبتها، وعلى رغم ذلك فقد حمل الرجل ثروته في ثمانينات القرن الفائت، وتوجه بها إلى ماربيا وإلى فرنسا، وهناك كان مرحباً به! لم يتولَّ نظام القيم الأوروبي محاسبته، وبعد 40 عاماً من الإقامة الوثيرة في الغرب، عاد إلى سوريا آمناً غانماً.

الوثائق المسربة أسقطت رؤساء وفضحت نجوماً وهزت عروشاً اقتصادية، فلماذا لا نطمح لأن تكون طريقاً لكشف ثروات الزعماء في بلادنا، على الأقل من سقط من بينهم؟

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
القانون يبقى تفصيلاً يمكن تجاوزه أمام حقائق “السلم الأهلي”. وقصة “السلم الأهلي” لطالما لجأ إليها “حزب الله” لتدبير إحكامه الإمساك برقابنا!
Play Video

7:16

Play Video

5:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني