fbpx

هذه ليست لوحة فنية… إنها غزّة!

هذه الصورة لا يمكن عزلها عن الإطار العام لواقع الفلسطينيين البائس تحت الاحتلال، من جهة، وفي ظل السلطتين، أي سلطة "فتح" في الضفة وسلطة "حماس" في غزة، من جهة أخرى.

كانت تلك صورة فظيعة بكل معنى الكلمة، ومدهشة في دلالاتها، ظنّها البعض (في وسائط التواصل الاجتماعي)، للوهلة الأولى، لوحة فنية، صنعها خيال فنان، لكنها لم تكن سوى صورة فوتوغرافية، رسمها الواقع المرير، بلا شعارات أو توهمات أو تخيّلات.

الصورة، التي راجت في الأيام الماضية، كانت صورة حقيقية لخّصت مأساة الشعب الفلسطيني، لا سيما مأساة حوالى مليوني فلسطيني في قطاع غزة، يعانون الحصار الإسرائيلي المشدد منذ عام 2007، كأنهم في سجن كبير، صورة واحدة اختصرت مشاهد الفقر والحرمان والقهر وانسداد الأمل.

بيد أن الصورة الكاملة في إطاريها الكبير والصغير فاضحة، بقدر ما هي مؤلمة، ففي الإطار الأصغر داخل الصورة (حيث الكوّة أو النافذة) مشهد لعشرات الشباب يتزاحمون، لإيصال طلباتهم للعمل في إسرائيل (وهذا ليس تفصيلاً ثانوياً بالطبع)، في حين بدا داخل الإطار الأكبر للصورة عدد من الموظفين الذين يستلمون الطلبات، طبعاً بمعرفة سلطة “حماس” في غزة.

طبعاً، هذه الصورة لا يمكن عزلها عن الإطار العام لواقع الفلسطينيين البائس تحت الاحتلال، من جهة، وفي ظل السلطتين، أي سلطة “فتح” في الضفة وسلطة “حماس” في غزة، من جهة أخرى، على ضوء مآلات اتفاق أوسلو، الذي قوض، “حركة التحرر الوطني الفلسطيني”، محولاً إياها إلى مجرد سلطة تحت الاحتلال، والذي اختصر قضية الفلسطينيين بوهم إقامة دولة في جزء من أرضهم، لجزء منهم، أو بمجرد تحسين أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية، مع بقاء إسرائيل وهي المستوطنة الأكبر والأم، في انزياح عن الرواية الوطنية التاريخية الجامعة، التي تأسست على النكبة وإقامة إسرائيل وتشريد معظم شعب فلسطين من أرضه.

بيد أن تلك الصورة المؤلمة تتعارض مع صور أخرى، كمسيرات الاستعراض العسكري، وصور الصواريخ المنطلقة من غزة، وخصوصاً صور “أبو عبيدة” (الناطق الملثم باسم الجناح العسكري لحركة حماس)، في إطلالاته، بعد كل حرب مدمرة تشنها إسرائيل على غزة، متوعداً إياها بزلزلة الأرض من تحت أقدامها، وواعداً الفلسطينيين بفرض شروط المقاومة (ميناء في غزة وفتح المعابر ورفع الحصار وإعادة الإعمار)، من دون أن يحصل أي شيء من هذا أو ذاك، لا في الحرب الأولى (2008) ولا في الحرب الرابعة (أيار/ مايو الماضي).

ثمة مشروعية هنا لبحث الشباب الفلسطينيين عن عمل، لأن ذلك شرط حياتهم ووجودهم، لكن ثمة مشروعية، أيضاً، لوضع كل شيء موضع التساؤل. يأتي ضمن ذلك الأسئلة عن كيفية ملاءمة وضع الفلسطينيين في غزة، إذ يعتمدون في كل شيء (كهرباء، وغاز، ومحروقات، ومواد تموينية وطبية) على إسرائيل في حين إنهم في الوقت نفسه مطلوب منهم الدخول في حرب صاروخية معها وكأنه لا خيارات أخرى؟ ثم كيف يستطيع الفلسطينيون في أوضاعهم البائسة زلزلة الأرض من تحت إسرائيل؟ ومن الذي يتزلزل حقا؟ ثم هل يمكن الحديث عن مشروع مقاومة، بمعنى الكلمة، لشعب هكذا هي أوضاعه، وشبابه يتزاحمون، أو يتنافسون، على العمل في إسرائيل، من أجل تأمين قوت يومهم، وعائلاتهم علماً أنهم يتزاحمون من دون أن يدفعهم أحد إلى ذلك، كما يحصل في التظاهرات الحدودية؟

وبمناسبة تلك الأسئلة، فإننا كنا قبل أشهر معدودة، فقط، في معركة “سيف القدس”، التي قدمت انطباعاً بأن المجتمع الإسرائيلي ذهب إلى الملاجئ، وأن المقاومة تمكنت من تحقيق “الردع المتبادل”، وأنها حققت نصراً إلهياً، إلى درجة أنه قبل أيام فقط عُقد مؤتمر في غزة (برعاية حماس) اسمه “وعد الآخرة”، على أساس أن آخرة إسرائيل اقتربت، وبات الحديث عن كيفية إدارة اليوم التالي! إذاً كيف وصلنا إلى هنا؟ أو كيف وصلنا إلى تلك الحالة التي في الصورة؟ وما هي الصورة الحقيقية؟

منذ زمن وأنا اكتب ما مفاده أن الفلسطينيين، طوال تاريخهم، يقاتلون بإيمانهم بقضيتهم، وباستعدادهم للتضحية، وبعنادهم، وبعواطفهم، وإن كل ذلك ليس كافياً، وإن كان ضرورياً، لأن المقاومة، لا سيما المسلحة، تحتاج إلى عدة شغل أخرى، تحتاج إلى الحكمة، وإلى المعطيات الداخلية والخارجية المواتية، وإلى القدرة على الاستثمار السياسي، وإلا أضحت مثل “حراثة الجمال”، بحسب المثل الفلسطيني المعروف، مجرد تضحية لأجل التضحية. ولعل ذلك يفسر أن الكفاح المسلح الفلسطيني (56 عاماً) لم يغير معادلات الصراع، أو معادلات موازين القوى مع إسرائيل، وأن إسرائيل (في مربع الصراع العسكري) لا تتأثر كثيراً، لأن الكفاح المسلح الفلسطيني لا يؤذي المجتمع الإسرائيلي بالدرجة المناسبة التي تضطره إلى التنازل، بقدر تأثيره سلباً في حياة الفلسطينيين، بحكم عدم قدرتهم على استثماره، وبحكم أن إسرائيل تستطيع كل مرة إنزال أكبر قدر من الأذى بهم، بحكم سيطرتها على أحوالهم في فلسطين التاريخية.

لنلاحظ هنا، مع اجتماع قادة “حماس” في القاهرة، وكل تسريبات الحديث عن هدنة طويلة، وعن رفع الحصار، وعن مشاريع اقتصادية، فإن “حماس” في حقيقة الأمر تصل متأخرة إلى حيث كانت وصلت “فتح”، من زمان، منذ توقيع اتفاق أوسلو (1993)، أو منذ انتهاء الانتفاضة الثانية (2005)، ولكن بثمن باهظ، بمقدار آلاف الشهداء، وأربع حروب مدمرة، وبثمن إفقار مئات الآلاف، مع معلومات تفيد بأن ثمة 300 ألف شخص يبحثون عن عمل في غزة!

نعم تلك الصورة المؤلمة، والمدهشة، ليست لوحة رسمها خيال فنان، إنها صورتنا المأساوية في غزة. إنها واقعنا من دون توهمات أو شعارات. يا للهول!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
القانون يبقى تفصيلاً يمكن تجاوزه أمام حقائق “السلم الأهلي”. وقصة “السلم الأهلي” لطالما لجأ إليها “حزب الله” لتدبير إحكامه الإمساك برقابنا!
Play Video

7:16

Play Video

5:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني