fbpx

“لن أنتخب أحداً منهم” : حينما “يرتطم” العراقي بصور المرشحين وشعاراتهم

ما الذي كان يفعله المسؤول طوال هذه المدة داخل الدولة ليرفع بثقة شعار "نريد الدولة"؟! لقد سرقوا الوطن، وأمواله، وحتى شعارات متظاهريه، وما زالوا يبحثون عن وطن.أليست عباراتهم مثيرة للاستفزاز؟

تجعل درجات الحرارة العراقية العالية المرء، بروح “مشوية” غير قادرة على التفكير، وبجسد خاو لا يتمنى سوى الوصول الى المنزل والاحتفاء بقليل من هواء “المكيف” إن وُجد. 

وأنا، فيما كنت أسير، بأمان الله، في أحد شوارع العاصمة، شاعرة بحرّ شديد، حتى ارتطمت بوجهي، ومن دون ان انتبه، إحدى لافتات المرشحين للإنتخابات.

أحد المارة صرخ بي بصوت عال: “انتبهي حتى لا يحاسبك بتهمة تشويه سمعته!”. 

يضحك ويختفي، وتبقى عبارات هذا المرشح، ملتصقة على جبين افكاري، اذ كُتب قرب صورته الانتخابية عبارة “جيل الطيبين” وهذه تحديداً، أطلقتها فئة ليست بالقليلة، من جيل الستينيات والسبعينيات، مبرئين أنفسهم من الخراب الذي حل بالعراق. يرمي متبنو هذه العبارة، بثقل المشاكل المجتمعية، بأكملها، على الجيل الجديد، او جيل ما بعد حرب الكويت تحديدا، ودائما ما يذكروننا نحن “العاقون” بحسب وصفهم، بكونهم كانوا “مسالمين ومحبين للحياة والاخرين” ونحن، من جلب كل هذه الحروب والتكنولوجيا، لأنهم ولدوا كما يظنون، في الفترات الخالية من الحروب ولم يشوههم الانترنت، ولم تفرقهم وسائل التواصل. فاكتفوا هم بالألعاب الشعبية القديمة كلعب النرد والختيلان ومشاهدة “ساندي بيل”.

أحاول التأقلم كأي مواطن يخرج الى الشارع لجني لقمة عيشه ليس إلا، ويمر امامي طفل يبتاع الماء، ويقف بعد ذلك لاخذ استراحة، تحت فيء صورة ضخمة لأحد المرشحين، الذي كتب قرب صورته “بعزمكم ننتصر”. وما هو النصر ان لم يكن بجني دنانير اضافية لعائلته؟

ولم اعرف حقيقة، ما يود ان يوصله لنا، هذا المرشح المبتسم بهدوء في صورته الانتخابية، ما الذي يريد ان يقوله حقا؟ ونحن على سبيل المثال، من اي جيل؟ جيل الاشرار؟ لا أبالغ لو قلت ان قلبي اعتصرني عند رؤيتي لهذه الكلمة التي مهدت لعيني، فرصة التركيز، والتدقيق، على عبارات المرشحين ووعودهم المدونة تحت صورهم الانتخابية، ويا الهي! صارت الأيام طويلة، انتظر يوم الاقتراع، للتخلص من هذه الفوضى. بدأت بغداد المكتظة بسكانها وسياراتها وفقرائها، بالتضخم اكثر واكثر، مع زحمة وجودهم التي لا فائدة لها، فلم نر أي برنامج انتخابي منهم، إذ اكتفوا بتوزيع وقتهم الضيق، على زيارات أقاربهم وعشائرهم وضمان نيل الأصوات من خلف “العقال” أما صورهم المعلقة لنا نحن العابرين على الارصفة، فما هي سوى وجوه ملونة فوق أكوام من النفايات، وستختفي بمجرد انتهاء الانتخاب، ونعود لنسيان ملامحهم حتى أربعة سنوات قادمة. 

انا احب هذه المدينة، والسير في شوارعها خلال الفصول المعتدلة، لكنني بغضتها جدا، وأنا أرى وجوه المرشحين وهي تبتلعها. أمشي وتمشي معي وجوههم المبتسمة بمثالية واستفزاز، هذه الابتسامات المتصنعة تشعرك ان العراق “عالم وردي”. هنالك هوّة هائلة بين صورهم الانيقة وثيابهم واسنانهم الناصعة، وبين وجوهنا الحزينة، واعمالنا الشاقة وشوارعنا اليائسة، فلا ربط بيننا وبينهم مطلقاً، وكأننا من كوكبين مختلفين، ثقتهم العالية بعبارات اطلقوها، تجعلك متسائلا كمواطن مسكين، من منا على صواب؟ 

بعد التركيز بعباراتهم لفترة ليست بالقليلة، استوقفتني بعض شعاراتهم المستفزة. إحدى المرشّحات التي فضلت ترك كل العبارات الموجودة في الحياة، واختيار جملة مكونة من كلمتين فقط للتعبير عن ترشيحها وهي: “احنا الاصل” ولا استطيع ادراك ما الذي تقصده هذه المرشحة عن طريق هذه العبارة العنصرية، وكيف ستساهم ببناء وطن وهي التي قبل ان تستلم منصبها، أدرجت نفسها كشخص “اصيل” وقسمت ابناء البلاد الى قسمين، أصل وفرع، كما وبررت للمواطنين حق انتخابها، كشخص  يحق له دون غيره، الترشح والفوز لأنها “أصلية”. كيف يحدث هذا؟ أن يأتي مرشح، متحزم بتعاليه وفوقيته على الآخرين حتى قبل ان يتسلّم منصبه؟ 

لقد اغضبتني هذه الجملة كثيرا، وهي بالطبع، لن تروض شعبا حزينا بل تزيده رفضا وصدّاً. واكيد، هنالك المزيد من المفاجآت على لوائح الانتخابات، والعبارة التالية كانت “نريد دولة” على صور لمرشحين ينتمون لكتلة من الكتل البارزة والحاكمة منذ سنين حتى يومنا. فما الذي كان يفعله المسؤول طوال هذه المدة داخل الدولة ليرفع بثقة شعار “نريد الدولة”؟! 

إقرأوا أيضاً:

لقد سرقوا الوطن، وأمواله، وحتى شعارات متظاهريه، وما زالوا يبحثون عن وطن. ظاهرة جديدة، أن يريد المسؤول وطنا! أليست عباراتهم مثيرة للاستفزاز؟ حسنا، وكأن الكتلة التي تريد دولة، وجدت من يجيبها، إذ مررت احدى الكتل عبارة “نعيدها دولة” بخط احمر وكبير، فوق البنايات الشاهقة، وعند الارصفة، وما يؤسف حقا، هو ان اصحاب هذه الكتل ومرشحيها هم نواب وبرلمانيون ورؤساء وزراء، لا يدركون كم أنهم يعترفون بعباراتهم القليلة هذه، بمدى تقصيرهم واجحافهم واجرامهم بحق العراق وناسه، هم وصورهم المعلقة فوق الخراب والنفايات، يؤكدون وبثقة، انعدام وجود الدولة، لكنهم مصرين على الاستيلاء عليها، وبوقاحة معهودة، يطلبون من المواطنين إعادة انتخابهم مجددا. 

لم تنته “ابتكاراتهم” عند هذا الحدّ، إذ فرض احد المرشحين عنصريته وطبقيته المقيته بعبارة “الكرخ للكرخيين” على صوره مبتسماً في جانب الكرخ من العاصمة بغداد والمقسومة لنصفين، كرخ ورصافة. اصبت بصداع بعد قراءتي لهذه الجملة، وبلحظة شعرت، وكأنني ضيف على جانب الكرخ على الرغم من كوني احدى ساكني هذا الجانب الغربي للمدينة، لكن مسقط رأسي في الرصافة، فماذا افعل بعد ان يفوز هذا المرشح الذي لا يشعر بالخجل من عنصريته؟ 

أحمل حقائبي واعود الى الجانب الاخر؟ لا اجد مبررا لهذه العنصرية ولا استطيع تقبّلها. فكم من الوعي هم بحاجة اليه قبل اللجوء لدخول مضمار السياسة في العراق والخوض في متاهات نريد لها ان تنتهي، فيما بعباراتهم هذه، لا يبعثون سوى التشاؤم لنا، عبارات مكررة ورتيبة، مملة ومزعجة، عبارات لا تفعل سوى ان تزيد الطين بلّة. ما قرأته على اللافتات، كان هبوطا كارثيا، بالوعي السياسي، وتشجيعا على الكراهية بين فئات المجتمع، هي لم تكن مجرد عبارات، بل سموماً بشرية تنفذ الى ارواحنا بقسوة.

اه تذكرت، احد المرشحين ذكر في اعلانه الانتخابي عبارة “بالأهم خل نهتم” ولا ادري هل المرشح، يقصد ان في العراق اشخاص اكثر اهمية من غيرهم؟ هو لم يحدد من هم وبمن يهتم.

آخر كتب “الحگوگ تريد حلوگ” اي ان الحقوق تبحث عمن يتحدث بها، طيب، وهذه الحشود المليونية التي خرجت عام 2019، ماذا كانت تطلب؟ 

احاول دائما تسلية نفسي بكتاب او اغنية في اذني لئلّا أشتت عقلي بصورهم، لكن المشاهد تناديني، وتغضبني كل يوم. أحاول التأقلم كأي مواطن يخرج الى الشارع لجني لقمة عيشه ليس إلا، ويمر امامي طفل يبتاع الماء، ويقف بعد ذلك لاخذ استراحة، تحت فيء صورة ضخمة لأحد المرشحين، الذي كتب قرب صورته “بعزمكم ننتصر”. وما هو النصر ان لم يكن بجني دنانير اضافية لعائلته؟ اتمنى للمرشحين الخروج من صورهم “الوردية”، والتوجه إلى الشارع. 

ملاحظة: لم أذكر أسماءهم لانني لا اريد الترويج لهم، ولن أنتخب أحدا منهم. ابداً!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني