الأردن والانفتاح على النظام السوري…
معضلة الأخلاق والسياسة

الأردن لم يتغير، هو ذاته عند اندلاع الثورة وبعد فشلها، لم يكن معها حين استضاف غرفة الموك ولا مع النظام حين قرر الانفتاح عليه.

ذهبت كتابات سورية معارضة، إلى توجيه نقد عنيف للأردن، لدوره في تأهيل السلطة في دمشق، ومنحها أدواراً تمهد لعودتها إلى وضعها السابق قبل انتفاضة 2011، حتى إن الائتلاف المعارض، اعتبر سلوك عمان، من دون تسميتها، “قبولاً بسجل طويل من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي مارسها هذا النظام ضد الشعب السوري”. لكن الانتقادات، كشفت تجاهل الوعي المعارض، الفجوة بين نظرة الدول أو الأنظمة المجاورة، إلى القضية السورية، ونظرة أهل القضية أنفسهم، علماً أن هذه الأنظمة ترسم شبكات مصالحها، بما ينعكس على سلطويتها واستمرارها في السلطة وبشكل منفصل عن مجتمعاتها، حيث التمثيل السياسي في أدنى درجاته، أو معلّب على قياس السلطات.

بهذا المعنى، انفتاح الأردن على النظام السوري، وطلبه من الولايات المتحدة استثناءه من قانون قيصر، وراءه، تبعاً للتحليلات المتداولة، مصالح اقتصادية تتعلق باستعادة مكاسب مالية عبر تبادل البضائع عبر الحدود وصولاً إلى تركيا وأوروبا، فضلاً عن مسائل الغاز والكهرباء، يضاف إلى ذلك، تفضيل عمان، دمشق، على الميليشيات الإيرانية، الموجودة في درعا، وبروز تحالف جديد مصري- أردني- عراقي، يسعى إلى إقناع واشنطن، بأن تعويم النظام، سيساهم في احتواء إيران.

إلا أن هذه المصالح المفصولة عن المجتمعات والتي تصوغها الأنظمة لمصلحتها لا تكفي لتبرير الانفتاح على نظام دمشق، كما يرى معارضون كثر. فعملاً بهذه القاعدة، يمكن الانفتاح على أي قوة مهما مثلت من خطر ومارست من عنف، انطلاقاً من المصالح، التي لا يخلو مجال سياسي من تشكلها، ما يحيل إلى بعد أخلاقي مفقود، أي إدانة الدكتاتور ونبذه وعدم التعاون معه.

 والبعد الأخلاقي، بقدر ما هو واضح، لناحية الجهة المتسببة بقتل مئات آلاف السوريين وإخفاء آخرين وتعذيبهم واعتقالهم، بقدر ما هو غير فاعل، لناحية ترجمته في السياسة وربطه بموازين القوى، بحيث يبدو البعد الأخلاقي مفصولاً عن السياسة، والمكاسب التي يمكن أن تتحقق من خلالها، وكأننا حيال قضية سورية بطيئة وجامدة، لا تتحرك على وقع التحولات، بسبب سوء أداء ممثليها وقلة خبرتهم. فيما ترتسم معادلات وتحالفات وتدخلات، على حساب تلك القضية التي يكتفي الناطقون باسمها، بالتذكير ببعدها الأخلاقي.

 فصل القضية عن موازين القوى والسياسة وعدم استغلال التحولات لمراكمة مكاسب، جرّدا الأخلاق، أي إدانة النظام وعزله، من أي أدوات، وحولاها إلى معنى ثابت، تتحرك من حوله عناصر كثيرة، وتقضم من قيمته. وصعوبة تطوير البعد الأخلاقي وربطه بموازين القوى، يعود، بالدرجة الأولى، إلى طبيعة الخلفيات المعرفية، التي تتحكم بتفكير الكثير من المعارضين السوريين الذين نطقوا باسم قضيتهم ومثلوها. فمدخل هؤلاء، للسياسة هو الإيديولوجيا بمختلف مستوياتها، أي تصعيد ما هو عقائدي وإهمال ما هو براغماتي، وكأن البعد الأخلاقي في القضية السورية، تم إسقاطه محل الإيديولوجيات في وعي المعارضين العاجزين عن تقديم مقترحات لنقل الأخلاق إلى مجال السياسة وعلاقتها المعقدة بها.

 ما زاد الأمور صعوبة، التقطع الذي حصل لـ”الربيع العربي”، والثورات المضادة والانتكاسات والصراعات الأهلية، بحيث لم يتراكم مجال قيمي عربي جديد تستطيع الانتفاضة السورية أن تتقاطع معه وتنتعش في ظله، لتعويض نقص المعرفة السياسية لدى ممثليها. على العكس، انخرط قادة المعارضة في مناخ عربي هو ذاته الذي كان يؤثر سلباً في “الربيع العربي”.

النظام الأردني مع بداية الثورة استقبل عدداً كبيراً من اللاجئين الهاربين من النظام في سوريا، آنذاك، تم تداول صور لجنود من الجيش الأردني، وهم يحملون أطفال العائلات الفارة وعقدت مقارنات إيجابية من قبل معارضين سوريين، مع جنود الجيش السوري، المتسبب بفرار هذه العائلات. وعند انطلاق تظاهرات ضد الحكومة في الأردن، تكررت أيضاً المقارنات لعدم استخدام العنف المفرط، واستيعاب المحتجين.

بالمحصلة، الأردن لم يتغير، هو ذاته عند اندلاع الثورة وبعد فشلها، لم يكن معها حين استضاف غرفة الموك ولا مع النظام حين قرر الانفتاح عليه. كل ما في الأمر، تأقلم مستمر مع تحولات المحيط، بحيث لا يتهدد العرش ويبقى النظام. وإن كان هذا، سلوكاً سلبياً، لناحية انعكاسه على تطلعات شعوب المنطقة بتغيير أوضاعها نحو الأفضل، لكن، المعضلة، تبقى عند أصحاب القضايا وقدرتهم على استدخال الأبعاد الأخلاقية فيها بشبكات السياسة وتعقيداتها، وهذا يستلزم، على الأرجح، مناخاً أكثر اتساعاً من سوريا ومعارضتها العاجزة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني