fbpx

وثائق باندورا: كيف أخفى فريد بجاوي
ملايين الدولارات عن العدالة الجزائرية والإيطالية؟

أخفى فريد بجاوي عشرات ملايين الدولارات في صناديق ائتمانية بمنأى عن المحاكم الجزائرية والإيطالية وكذلك إدارة الضرائب الكندية. إذ يسمح الهيكل القانوني لهذه الصناديق بالتصرف في هذه الثروة من دون أن يكون مالكها الرسمي.

شقق في دبي ومونتريال ونيويورك، يخت فاخر صممه الإيطالي أندريا باسيغالوبو، لوحات فنية وألماس، سفر في طائرات خاصة وإيجارات باهظة الثمن في أرقى أحياء لندن. كانت حياة البذخ التي يعيشها فريد، ابن شقيق وزير الخارجية الجزائري السابق محمد بجاوي، وعائلته، تفضح أسرار ثروته التي عمل على إخفائها قبل وقوع فضائح شركة “سوناطراك” الجزائرية للنفط والغاز، منذ عام 2009 والمطاردة التي أطلقتها العدالتان، الجزائرية والإيطالية ضده.

وكشف تحقيق أوراق باندورا الذي أداره “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ) الذي ينتمي إليه “توالى”، عن جزء من هذه الثروة الخفية لفريد بجاوي الذي فشلت التحقيقات القضائية في الكشف عنه.

ويعتبر فريد بجاوي من أهم المستفيدين من عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، بخاصة خلال عهدتيه الاولى والثانية. كما أن العدالة الجزائرية تباطأت في النظر في قضيته خلال العهدتين التاليتين، على رغم فتح تحقيق بشأنه. وازدهرت ثروته في جميع أنحاء العالم بفضل قربه من وزير الطاقة والمناجم السابق، المطلوب أيضاً من قبل العدالة الجزائرية، شكيب خليل. هذا الأخير، كما أشار المحققون في مكتب المدعي العام في ميلانو، يعتبره “ابنه الروحي”. 

إن حساب فريد بجاوي في سنغافورة قد تم تمويله من مدخول أعمال الشركة الإماراتية “ريان” لإدارة الأصول وحسابات شخصية أخرى موطنة في بنوك أوروبية كبرى.

فقد جمع فريد بجاوي، الذي كان شريكاً لشقيقه رضا في شركة صغيرة لتجارة المواد الغذائية في كندا حيث هاجرت العائلة في التسعينات، وهي شركة كانت بالكاد توفر لهم نفقات المعيشة- أفاد رضا عن دخل سنوي قدره 75000 دولار كندي- ثروة طائلة من خلال استثماره أموال “سوناطراك”.

عام 2004، أمر شكيب خليل باستثمار ما يقارب المليار دولار من أموال “سوناطراك” في “شركة ريان لإدارة الأصول”، التي أنشأها فريد بجاوي في دبي وكانت موزعاً لصناديق الاستثمار الأميركية، “راسل”، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ عام 2002. وتم تعزيز هذه الثروة من خلال عقود أخرى، ما دفع فريد بجاوي إلى  خلق شبكة شائكة من الشركات غير المقيمة من أجل توزيع العمولات في إطار وساطته مع “سوناطراك”.

ولم يتمكن القضاة الإيطاليون، الذين عملوا على العقود التي حصلت عليها شركة “سايبام”، وهي شركة تابعة للعملاق الطاقوي “إيني”، من “سوناطراك” الجزائرية، من مصادرة هذه الأموال على رغم الجهود المبذولة في الكشف عن الحيل التي سمحت له بأخذ عمولات والكشف عن الكثير من الشركات الوهمية التي كان يستعملها كغطاء لحساباته البنكية.

بينما أكدت أوراق بنما نتائج التحقيق القضائي الإيطالي، تمت تبرئة فريد في نهاية المطاف في كانون الثاني/ يناير 2020 بعد الطعن بالحكم بالسجن الذي صدر في حقه عن المحكمة الابتدائية. إذ قام بتحريك تلك الأموال مرات عدة، مواكبة للفضائح والتحقيقات الصحافية، قبل أن يضعها في صناديق ائتمانية.

صندوق “يوغي”

جعل فريد بجاوي الصناديق الائتمانية في قلب ترتيباته المالية، فهي هيكل قانوني يسمح لك بالتصرف في ثروتك من دون أن تكون مالكها رسمياً. ويمكن أن تحتوي على صناديق ائتمانية أخرى أو تنشئ شركات باسمها، ما يجعلها مبهمة بالنسبة إلى إدارة الضرائب أو العدالة اللتين لا تملكان القدرة على متابعة تفاصيل هذه الترتيبات المالية، ويعقد مصادرة الأصول التي تشكلها.

ما معنى هذا؟ كتب تييري كريتين في مجلة “سار” ما يلي: “تسمح هذه الصناديق بالتفكيك القانوني للملكية بما يعقد ظروف تحديد المستفيدين الاقتصاديين الحقيقيين منها”. هذه المناورة تكسر سلسلة تتبع المال لتفادي السلطات الضريبية أو لخداع المحاكم أو إخفاء الديون.

ببساطة، صندوق الائتمان هو شركة يجمع فيها الشخص سندات ملكية ممتلكاته. يعهد هذا الشخص، المسمى “المستوطن” (المؤسس)، بالشركة إلى “وصي”، مع تعليمات للاستخدام. غالباً ما يكون الوصي بنكاً أو شركة لإدارة الأصول، ما يضمن استثمار الأصول المعهود بها. يتضمن هذا الترتيب أحياناً شخصاً ثالثاً، طبيعياً أو قانونياً، يسمى “الحامي” وله سلطة فصل الوصي. يعين المؤسس ومدير أمواله مستفيداً واحداً أو أكثر. من الناحية النظرية، تبقى الأمانة في يد الوصي الذي يحافظ عليها، ولكن محتواها متاح للمستفيد الذي قد يكون المؤسس نفسه، أو رفيقته، أو أطفاله، أو إخوته، أو أبناء أخيه، أو أبناء أخته ، إلخ.

وفقاً للوثائق التي تمكنا من الاطلاع عليها  في إطار تحقيق “أوراق باندورا”، فإن صندوق الائتمان الرئيسي لفريد بجاوي، وهو مؤسسة “يوغي تراست”، يحمل الجنسية النيوزيلندية. كان هذا الصندوق يديره هيكل فارغ موطن في هونغ كونغ اسمه “ياسمين ليميتد”، تم تسجيله في 10 حزيران/ يونيو 2011 من قبل شركة ازياسيتي (Asiasicti) عبر فرع بنك سنغافورة في هونغ كونغ وتم حلها عام 2013. و قدرت الأصول التي جمعها فريد بجاوي في هذا الصندوق بـ18.5 مليون دولار أميركي في 2013. 

وأثارت شركة ياسمين غير المقيمة اهتمام شرطة هونغ كونغ في أعقاب فضيحة “سوناطراك” في إيطاليا. وذكر أحد وكلاء مكتب ازياسيتي في سنغافورة، وهو المسؤول عن ضوابط مكافحة غسيل الأموال، في مذكرة بعث بها إلى مقر ازياسيتي أن “ياسمين ليميتد” لم تكن مستهدفة من قبل قضاة التحقيق الإيطاليين، لكنه لم يخف مخاوفه حيال الأمر. 

وكتب في مذكرته: “لم تكشف مراجعة نشاط الحساب أي معاملات تتعلق بالشركات قيد التحقيق من قبل مكتب المدعي العام في ميلانو. وعلى رغم أننا لم نجد أي معاملات مشبوهة، ونظراً إلى طبيعة تحقيق شرطة هونغ كونغ والتقارير الإعلامية الأخيرة، ارتأينا أنه من المناسب لفت انتباهكم إلى هذه المسألة”. وقال أيضاً إن حساب فريد بجاوي في سنغافورة قد تم تمويله من مدخول أعمال الشركة الإماراتية “ريان” لإدارة الأصول وحسابات شخصية أخرى موطنة في بنوك أوروبية كبرى.

إقرأوا أيضاً:

رضا بجاوي كواجهة لنفسه

وفقاً لوثائق “يوغي تراست”، فإن الأصول التي عهد بها فريد بجاوي كانت لمصلحته هو- مؤسس الصندوق- وكذلك عائلته. ومع ذلك، فإن الأصول الموضوعة في هذا الصندوق لا تظهر في أملاك فريد أو في ممتلكات المستفيدين الآخرين.

فريد بجاوي هو أيضاً المستفيد الاقتصادي من شركة وهمية مسجلة في ساموا تسمى “ايكون غلوبال كابيتول ليميتد” (Icon Global Capital Ltd.). قامت هذه الشركة في عامي 2011 و2012 على التوالي بتحويل 16.5 مليون دولار لزوجته رانيا دلول ومساعده الشخصي سيباستيان دودو وتحويل 6.9 مليون دولار لفريد نفسه. ووصفت آسياسيتي هذه التحويلات بأنها عمليات سداد قروض بإمكان السلطات الضريبية إعادة تصنيفها بسهولة كدخول.

كان فريد بجاوي أيضاً يدفع فواتير أخيه رضا مقابل استخدام يخته “ماكيرا” المملوك لشركة “لونغسون كابيتول انكربورايشن” (Longson Capital Inc.)  والذي يعد المستفيد الاقتصادي الأخير من أصولها. صمم اليخت الإيطالي اندريا باسيغالوبو وتم تسليمه من “إيطاليوت” (Italyachs) عام 2010 مقابل 17 مليون دولار أميركي. وتم دفع تكاليف استخدامه لرضا بجاوي من قبل فريد عبر شركته غير المقيمة “جاتواي هولدينغ كوربورايشن” (Jetway Holding Corp.). وهكذا حددت “آسياسيتي” ثلاث فواتير وهمية تتجاوز 220 ألف دولار أميركي.

لقد فضح “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” بالفعل هذه المناورات، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، من خلال الكشف عن “وثائق برادايز” التي تناثرت فيها أسماء رؤساء دول وغيرهم من المشاهير والأثرياء بما في ذلك رضا بجاوي، شقيق فريد وفي الوقت نفسه “المؤسس” و”الحامي” في الكثير من الصناديق الائتمانية التي تستفيد منها العائلة. فقد أنشأت ” أبليبي” (Appleby)، وهي شركة لتسيير الأصول المالية كانت في قلب هذه الفضيحة المعروفة باسم “وثائق برادايز”، فروعاً في عشرات الملاذات الضريبية للسماح لأوصياء زبائنها بشراء ممتلكات وإخفائها بموجب النظام الضريبي لتلك الملاذات.

تقدم أوراق باندورا معلومات جديدة بشأن صندوق ائتمان رضا بجاوي “رادباد هولدينغ ليميتد” (Redbed Holdings Pte Ltd)، الذي تديره شركة غير مقيمة أخرى اسمها “ايديلتون انترناسيونال اس ا” (Idelton International SA)، وتحتوي على صناديق ائتمانية صغيرة أخرى يستفيد منها هو وعائلته. أجرى “رادباد” الذي جمع أصولاً بلغت نحو 8 ملايين دولار عام 2013، منها 4.7 مليون دولار أودعها شقيقه فريد بجاوي بين عامي 2011 و2012، تحويلات إلى حسابات إماراتية لرضا بجاوي، جزء منها موطن في بنك “ميرابو” (Mirabaud). ولقد حددنا نحو عشرة تحويلات تتراوح ما بين 100 ألف و400 ألف دولار أميركي.

تم استخدام هذا الصندوق أيضاً كأداة استثمارية لشراء شقة بأكثر من 2.6 مليون دولار أميركي. وهكذا وضع رضا بجاوي نفسه كموظف واجهة لصندوق الائتمان خاصته. وتعطي اتفاقية موظف الواجهة الخاصة برضا الحق في إدارة واستخدام هذا العقار الواقع في شيربروك في مونتريال من دون أن يكون المالك رسمياً.

وفقاً لوثائق “يوغي تراست”، فإن الأصول التي عهد بها فريد بجاوي كانت لمصلحته هو- مؤسس الصندوق- وكذلك عائلته.

مغالاة خليل

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن يوغي ورادباد ليسا الصناديق الائتمانية الوحيدة التي جُمعت فيها الأصول العائدة لبجاوي. نذكر على سبيل المثال “لياما تروست” (Layama Trust)، الذي أنشأه فريد ووضع أصوله في البنك الصيني الخارجي (OCBC Bank)  وكذلك صندوق نامور (Namour). يستفيد من لياما كل من رياض بجاوي، ماريون آدم دي فيلييه، مايا بجاوي، لارا بجاوي وإيما بجاوي. لم نتمكن من تحديد قيمة الأصول المجمعة معاً في هذا الصندوق. أما نمور، فقد أسسه في تموز/ يوليو 2010 رضا بجاوي، وهو المؤسس والحامي، لمصلحة أبنائه: باسم ومالك رضا وجان ليلى.

باختصار، يدين فريد بجاوي وإخوته الذين يتمتعون بالجنسية الثلاثية الجزائرية والفرنسية والكندية بالأصول التي جمعوها في صناديق ائتمانية بمنأى عن المحاكم الجزائرية والإيطالية التي حققت في تورط فريد، أكبر أبناء أخ رئيس المجلس الدستوري السابق (2002-2005) ووزير الخارجية (2005-2007)، محمد بجاوي، لقربهما من السياسيين النافذين في عهد الرئيس الراحل بوتفليقة.

وجاء في تقرير المحكمة الجنائية الفيدرالية السويسرية في 14 كانون الثاني/ يناير 2015، بناء على طلب جزائري للمساعدة القانونية، أن “دور الوسيط الذي لعبه فريد بجاوي في مخطط الرشوة (…) يكون قد فرضه الوزير خليل على سايبم. (…). وتمكن قضاة جزائريون من الكشف عن تحويلات استفادت منها نجاة عرفات، زوجة شكيب خليل “.  

تحدث وزير الطاقة والمناجم السابق شكيب خليل على هامش أعمال المجلس الشعبي الوطني، في أيار/ مايو 2010 ، قبل أيام قليلة من إقالته في أعقاب فضيحة “سوناطراك”، رداً على سؤال حول استثمار قرابة مليار دولار عبر شركة فريد بجاوي “ريان لإدارة الأصول”، الموزع الإقليمي لشركة “راسل”، ولم يتردد في تضخيم نتائج هذا الاستثمار. 

وقال خليل إن ذلك مكن الشركة من تحقيق ربح قارب 600 مليون دولار: “لقد حققنا مكاسب قدرها 600 مليون دولار من هذا الاستثمار. لقد ربحنا ما يقرب من 60 في المئة من هذه الأموال وقد تم إرجاعها”. إلا أن الأرقام المتعلقة بهذا الاستثمار الذي تم من خلال فريد بجاوي والذي أداره صندوق “راسل” بشكل مباشر، تكذب هذه التصريحات. وتشير هذه الأرقام إلى أن محفظة “سوناطراك” راكمت أرباحاً بنسبة 20.8 في المئة من “تاريخ التأسيس” في الأول من نيسان/ أبريل 2004 حتى نهاية عام 2009. أي ما يزيد قليلاً عن 200 مليون دولار في المجموع في خمس سنوات وليس 600. 

لم تمنع نتائج هذا الاستثمار إقالة الوزير شكيب خليل، إذ أصبح عائقاً أمام الرئيس بوتفليقة وزمرته. وقوبلت محاولة بوتفليقة لرد الاعتبار له عام 2016 باستياء شعبي كبير. أما بالنسبة إلى عائلة بجاوي، فقد استمرت في مراكمة الأصول المالية والتمتع بها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
التطرف لم يهبط علينا من السماء كمؤامرة مدبرة من بلدان خارجية للتفرقة بيننا، كما يتم الترويج في الإعلام والندوات الثقافية، لكنه نتاج تصورات مسمومة تسللت بشكل تراكمي عبر الكيانات الدينية والاجتماعية والسياسية في مصر حتى بات التطرف طبيعة يصعب حصارها.
Play Video

2:46

Play Video

3:01

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني