fbpx

مات رجل آخر في باريس

لقد مات رجل آخر، أقول لقلبي. يحبّ قلبي هذه الأحداث، تشعره بأنه على قيد الحياة. أحسّه يتحمّس من أجل موتٍ آخر. كأنه يردد مع سوزان عليوان "تدرك الطيور أن لا سعادة على وجه الأرض".

انتهى الأمر بعراك. العراك لا يعني اكتمال النهاية. لكنّ صمتاً ما يليه يأتي على شكل منفى، على شكل استحالة إقامة حديث بين اثنين كانا مستعدين لإحراق العالم من أجل عناق، أفلتا من احتمالاته بلا جهد.

انتهى الأمر وعلى غير عادتي، شعرت برغبة في الصمت إلى الأبد، وعدم التلكؤ من أجل مواصلة المجزرة. أقول مجزرة الآن، وأنا بكامل وعيي. المجزرة التي تسمّى حباً في البداية كغطاء بلاستيكي للحزن.

في الثلاثين صرت أكثر خجلاً في الحديث عن حياتي، عن قصصي الشخصية حتى للأقربين، ذلك أن العمر يزيد الحجارة التي نرشق بها أنفسنا ونصبح أكثر احتراساً، لأننا ندرك تماماً أن الحجارة تؤلم، وأشدها إيلاماً هي تلك التي تأتي من الداخل.

لكنني الآن أشرب قهوة العصر وأشعر بشيء من الحرية، لذلك أكتب، لن أقول بلا قيود، لكن بأرق أقل. لم أصل حتى الآن إلى رتبة الكتابة بلا قيود. أقرأ على الشاشة أسماء المحطات من باريس إلى مدينة أخرى، أسرح بها، أجمّع حياتي هناك. أنا مجرّد قطار في النهاية. تضحكني فكرة أن أشيّئ نفسي، وهو أمر أفعله دائماً حين أكون متعبة.

رومانسية جداً أسماء المحطات في باريس كأنها قصة حب،   gare de monteparnasse, paris du nords, gare Saint-Lazare… أشعر بأنني داخل كتاب لبودلير… أتفتّل بين أزهار الشر برشاقة اللامبالين، “les fleurs du mal”، هكذا قال بودلير، لكنّ الترجمات مهما بدت رائعة، هي إساءة في نهاية الأمر. تماماً كما أعرّب مأساتي بـ”أحتاج إلى النوم” أو “رأسي يؤلمني”. أنا مترجمة فاشلة في كل حال، في ما يتعلّق بي وفي ما يتعلّق بمآسي الآخرين. 

قصص الحب أو المجازر، كما أرغب بتسميتها، أكثر ما يصقلنا ويدمّرنا في آن، لأننا من يختار سمومها وصانعي تلك السموم. تخيّل أنك تفتح باب غرفتك لشخص تعرف أنه قاتل مأجور أتى لإنهائك، لكنك تفعل ذلك مبتسماً، محتضناً، كما لو كنت في عيدك العاشر. ثم تسأله: “لماذا تقتلني؟”. هو لا يعرف أنه بالفعل يقتلك، لذلك لا يملك إجابة مجدية. 

الحزن هنا كباريس، مدينة مكتظة.

حاجتنا إلى الحب تصنع أساطير كثيرة. كأن تبقى مغرماً بشخص اختفى، تتفقد صوره، تسأل أصدقاءه إن كان حياً، تحاول أن تلتقي بأمه مصادفة، لتعرف إن كانت تملك عينيه أو ارتباكه من المرتفعات. 

تقرر في منتصف الرحلة أن تصادق الويسكي التي يحبّها، من دون أن تشرب نخبه، من أجل شيء من الكرامة. وفي الطريق تُردي آخرين، كنتَ قاتلهم المأجور، الذي فُتحت له الغرفة السرية، فنفضها عنه ومضى نحو وهم يعيش في رأسه. 

تحت الأرض حياة كاملة تدور بين الأنفاق ومحطات المترو، آلاف البشر يسيرون تحت أقدام بشر آخرين. في قلبي حياة أخرى الآن، برائحة السجائر والنسيان.

تخيّل أن قلبك يتحوّل إلى فرقة موسيقية لحظة تقترب من شقة كان يسكنها قبل سنوات، إنه قلبك في النهاية ويصيبه جنونك ويتبنّى حماقاتك.

انتهى الحوار الذي دام عشرة أعوام بكلمة واحدة قلتُها: “أنت مريض”. كانت هذه فكرتي منذ وقت طويل، لكنني بقيت أنكرها وأؤجل وقتها. الآن قلتها لأجل سبب شديد السذاجة، أغنية لا نتفق على حبها وهو شجار قديم بيننا في ما يخص الأغاني. لقد حبستها في قلبي طويلاً، واحتفظت بأسبابها الموجبة، إلى أن خرجت في وقت الاستراحة، من دون قرار ولا تفسير، أنت مريض وهذا كل شيء. كانت غضباً على كل ما فعلته من دون رغبة. أغنيات كثيرة رقصت عليها رغماً عني، ومقاهيه المملة حاولت تجاوز حقدي عليها، من أجل أي شيء معه. أصدقاؤه الذين مثله رماديون وحمقى، ضحكت لأشيائهم التي لا تُضحِك. وقطّه الأسود كان تمريناً على الرعب، لكنني عملت جاهدة حتى لا أحمّله مسؤولية هشاشتي… حتى الغفران فعلته بلا رغبة حقيقية. كانت أعذاره غير مقنعة تماماً، لكنني لم أكن أقاتل من أجل استعادة حقي في التمرّد مرةً واحدة وإلى الأبد. دموع الرجال أقوى من دموعنا نحن المتّهمات بالبكاء المتواصل. دموعهم تضعفنا لأننا لا نتوقّع حدوثها، تأتي كترف علينا تقديره والنظر إليه ككنز وجب إجلاله. لقد حصلنا على دمعة رجل! وكأن في الأمر معجزة.

الهواء في الخارج يستطيع الإطاحة بأي امرأة في حجمي، أنا مجرّد ورقة صغيرة في هذا الخريف الباريسي، أعود إلى تشييء نفسي. الهواء في الداخل يستطيع الإطاحة بأي أحد… إنه شتاء عاصف وسوف لن أسامح قتلة الغيمة. صديقي يقول ويكرر: “توقفي عن استخدام (سوف لن)، إنها خطأ شائع”. صوته في رأسي، أسميه ضميري… أكتب له دائماً أن أكثر ما يمتعني هو ارتكاب الأخطاء… الشائعة.

لقد مات رجل آخر، أقول لقلبي. يحبّ قلبي هذه الأحداث، تشعره بأنه على قيد الحياة. أحسّه يتحمّس من أجل موتٍ آخر. كأنه يردد مع سوزان عليوان “تدرك الطيور أن لا سعادة على وجه الأرض”.

تحت الأرض حياة كاملة تدور بين الأنفاق ومحطات المترو، آلاف البشر يسيرون تحت أقدام بشر آخرين. في قلبي حياة أخرى الآن، برائحة السجائر والنسيان.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
القانون يبقى تفصيلاً يمكن تجاوزه أمام حقائق “السلم الأهلي”. وقصة “السلم الأهلي” لطالما لجأ إليها “حزب الله” لتدبير إحكامه الإمساك برقابنا!
Play Video

7:16

Play Video

5:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني