وثائق باندورا: ماذا وراء إثراء إحدى زوجات
الزعيم الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف

شارك اثنان ينتميان إلى أقليات عرقية في كازاخستان ومعروفان بقربهما من "زعيم الأمة" في ترتيبات خارجية معقدة انتهت بدفع 30 مليون دولار بشكل غامض لزوجته الثالثة غير الرسمية.

بقلم : فياتشيسلاف أبراموف وميراندا باتروتشيتش وإيليا لوزوفسكي

كشفت وثائق خارجية مسربة أن الزوجة الثالثة غير الرسمية لرئيس كازاخستان السابق نور سلطان نزارباييف تلقت 30 مليون دولار مقابل عمل لا شيء تقريباً بحسب ما كشفت تسريب وثائق شركات “أوف شور”.

لم يتم تأكيد علاقة أسيل كورمانباييفا Assel Kurmanbayeva بـ”زعيم الأمة” – وهو لقب يحمله نزارباييف مدى الحياة- أو رفضها بشكل رسمي. لكن شائعات انتشرت حول وضعها كزوجة غير رسمية له، منذ فوزها في مسابقة ملكة جمال كازاخستان عندما كانت مراهقة عام 1999. وأظهرت صور جوازات سفر ابنيها المسربة إلى المواقع الإخبارية أنهما يستخدمان اللقب “نورسلطانولي”، بحسب العادة في كازاخستان لأبناء رجل اسمه نور سلطان. 

تبلغ كرمانباييفا الآن 40 سنة، وهي المديرة الفنية لمؤسستين للرقص تابعتين للدولة، وتملك شركات كثيرة عاملة في الباليه والرقص الوطني. ولكن مهما كان الدخل الذي تجنيه من عملها الثقافي فإنه ضئيل مقارنة بالثروة التي حصلت عليها من الدائرة الداخلية العميقة لنزارباييف.

دفع مبلغ 30 مليون دولار بعد سلسلة عمليات نقل الأسهم التي شملت ست شركات خارجية، جميعها، باستثناء واحدة مسجلة في جزر العذراء البريطانية (BVI). كانت العملية ستظل مخفية إلى الأبد لأن المنطقة تعتبر ملاذاً سيئ السمعة للعمليات السرية عابرة الحدود، لولا أوراق باندورا.

كشفت وثائق خارجية مسربة أن الزوجة الثالثة غير الرسمية لرئيس كازاخستان السابق نور سلطان نزارباييف تلقت 30 مليون دولار مقابل عمل لا شيء تقريباً بحسب ما كشفت تسريب وثائق شركات “أوف شور”.

تم تسريب ملايين الوثائق الخارجية إلى “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” ICIJ وتمت مشاركتها مع “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود” OCCRP وشركاء إعلام آخرين حول العالم، ووفرت رؤية أفضل حول كيفية استخدام الأشخاص أصحاب النفوذ والأثرياء، الشركات الوهمية السرية لنقل الأموال.

وفي قضية كورمانباييفا، تكشف الوثائق تورط رجلين لطالما تردد أنهما من ضمن الحلقة الاكثر قرباً من نزارباييف: القطب الأليغاركي فلاديمير ني وفلاديمير كيم، وهما جنيا ثروتيهما من قطاع الموارد الطبيعية المعروف بالفساد في كازاخستان.

تمت هيكلة أو ترتيب المبلغ المدفوع بقيمة 30 مليون دولار إلى كورمانباييفا على أنه عملية بيع، إذ تخلت عن حصتها في شركة غامضة في جزر العذراء البريطانية، لكن يبدو أن هذه الشركة لا تمارس أي نشاط تجاري. استلمت كورمانباييفا المال بعد شهرين من وفاة فلاديمير ني عام 2010 من شركة استولت عليها ابنته؛ وكان فلاديمير كيم شاهداً على عملية الاستلام. 

تواصل الصحافيون مع نزارباييف وكيم وعائلة ني وكورمانباييفا للتعليق على هذه القصة. لكن لم يرد أي منهم على طلبات التعليق.

إقرأوا أيضاً:

ولادة ثروتين

يمكن تعقب مصادر ثروة ني وكيم ونفوذهما، إلى نتائج خصخصة الموارد المعدنية الهائلة في كازاخستان والتي غيرت شكل اقتصاد البلاد في التسعينات، وخلقت فئة جديدة من الرجال الأقوياء الذين تربطهم صلات بنزارباييف. 

كان ني، الذي يشار إليه في كثير من الأحيان باليد اليمنى للرئيس وينظر إليه، على نطاق واسع، على أنه ثاني أقوى رجل في البلاد، هو الأكبر والأكثر نفوذاً بين الأقليتين الحاكمتين حتى وفاته.

ولد ني، وهو من أصل كوري، في روسيا السوفياتية وانتقل إلى كازاخستان عندما كان شاباً للعمل في الحكومة. وفي منتصف الثمانينات، شغل منصب مساعد نزارباييف عندما أصبح الرجل الأكبر سناً رئيس وزراء هذه الجمهورية السوفياتية.

وظل ني قريباً من الهرم بعد استقلال البلاد، حيث كان مسؤولاً أولاً عن جدول مواعيد نزارباييف وغيره من الشؤون الرئاسية الإدارية، ثم لاحقاً إدارة الممتلكات التابعة للجهاز الرئاسي.

وقد وضعه ذلك بالقرب من مركز السلطة في الوقت الذي دخلت فيه شركات التعدين في كازاخستان الحقبة السوفياتية لسيطرة القطاع الخاص. ويقال إن ني قاد في منتصف التسعينات عملية خصخصة لشركة Zhezkazgantsvetmet، إحدى شركات التعدين الرائدة في كازاخستان- بما في ذلك بيع حصة لشركة “سامسونغ” Samsung الكورية متعددة الجنسيات.

وخلال هذه الفترة، فتح ني باب الشركة أمام كيم، تلميذه الأصغر سناً. ومن المحتمل أن الرجلين يعرفان بعضهما بعضاً منذ الحقبة السوفياتية كجزء من الطائفة الكورية العرقية المتماسكة في كازاخستان .

بعدما تحولت الشركة إلى “كازاكميس” Kazakhmys، وهي شركة تعدين عملاقة خاصة إلى حد كبير، تقاعد ني من الخدمة الحكومية وانضم إلى مجلس إدارتها. وبحلول عام 2000، كان كيم الذي تتلمذ على يده قد وصل إلى آفاق جديدة، ليصبح رئيساً للشركة ورئيساً لمجلس الإدارة. (قام الرجلان في وقت لاحق بتبديل الأماكن، وأصبح ني رئيساً بدلاً عن كيم).

بدأت كل من “سامسونغ” والحكومة الكازاخستانية بيع أسهمهما في “كازاكميس” Kazakhmys عام 2001، من دون الكشف عن المشترين حتى جاء عام 2005، عندما طرحت أسهم “كازاخميس” Kazakhmys للاكتتاب العام في لندن. وبعد سنوات، استخدمت “غلوبال ويتنس” Global Witness، وهي مجموعة مدنية لمكافحة الفساد، هذه المعلومات لاكتشاف أن كيم كان أكبر مساهم فيها، إذ يمتلك نحو 39 في المئة من الأسهم.

لم يشرح كيم قط كيف تمكن من توفير الأموال لشراء حصة بهذا الحجم.

 قال كيم في إحدى مقابلاته النادرة عام 2007: “بالطبع، لم يعطني أحد أسهماً في كازاكميس Kazakhmys. لقد بدأت في شرائها منذ البداية، لأنني كنت أؤمن بنجاح الإصلاحات التي أجراها رئيسنا”.

ومع ذلك، قدم كيم هدية سخية لمعلمه. وعام 2006، تبرع كيم بحصة قدرها 2.5 في المئة في الشركة لني، مقابل “خدماته العظيمة للشركة”. وقدرت قيمة هذه الحزمة بـ135 مليون جنيه استرليني.

قصة الـ30 مليون دولار الغامضة

كما هو شائع بالنسبة إلى الأثرياء جداً من هذا الجزء من العالم، امتلك كيم وني عدداً من الشركات في الخارج لأسباب مختلفة، بعضها غير معروف.

ولكن واحدة منها ذات أهمية خاصة: في تموز/ يوليو 2008، أصبح ني المساهم في شركة مسجلة في جزر فيرجن البريطانية تسمى “إي إم إي إس القابضة للتمويل” Holding & Finance EMES (التي شارك فيها كيم أيضاً). وبشكل غير متوقع، كانت شريك ني في هذه الشركة امرأة تبلغ من العمر 27 سنة، غير معروفة بامتلاكها أي ثروة كبيرة: كورمانباييفا، زوجة نزارباييف الثالثة غير الرسمية.

لم يعرف عن “إي إم إي إس” EMES أنها قامت بأي عمل تجاري أو أنها تمتلك أي شيء ذات قيمة، وكان الغرض من تسجيلها غير واضح. ولكن يبدو أنه تم اتخاذ خطوات لإبقائها سراً. بعد ذلك بأسابيع استحوذت على شركة خارجية عامة أخرى، :لادرا سيرفيسز” Ladra Services، التي تم نقل أسهم كورمانباييفا في “إي إم إي إس” EMES إليها.

وعلى مدى العامين التاليين، تغير تكوين مساهمي شركة “إي إم إي إس” EMES مرات عدة لأسباب غير واضحة. وبحلول آذار/ مارس 2010، كانت شركة “إي إم إي إس” EMES مملوكة لشركتين خارجيتين: شركة “لادرا للخدمات” التابعة لكورمانباييفا، وأخرى مملوكة لشركة ني.

عندما توفي ني في أيلول/ سبتمبر، يبدو أن الترتيبات كانت قد وصلت إلى نهايتها. فبعد شهرين فقط من وفاته، دفعت شركة أخرى في جزر فيرجن البريطانية تدعى Godel Partners لكورمانباييفا 30 مليون دولار مقابل شراء شركة “لادرا سيرفيسز” Ladra Services (وحصة 50 في المئة التي تملكها في إي إم إي إس EMES).

على عكس الشركات الأخرى في هذه القصة، يحتوي هيكل ملكية غودل Godel، على طبقة إضافية من السرية. كانت الشركة مملوكة من قبل شركة وصاية أو إشراف، nominee، مصممة بشكل صريح لتكون مالكاً لمئات الشركات والإبقاء على سرية ملكيتها.

ومع ذلك، هناك ثلاثة أدلة منفصلة تربط ني وكيم وكورمانباييفا:

كان كيم شاهداً على الصفقة: توقيعه وتوقيع كورمانباييفا، ظاهران على الوثيقة.

عندما تم حل غوديل Godel بعد 7 سنوات، كان من بين مالكيها المستفيدين فيكتوريا ابنة ني وزوجها.

بعد نحو عامين من شراء “لادرا سيرفيسز” Ladra Services من كورمانباييفا، تخلت الشركة عن أسهمها في “إي إم إي إس” EMES – التي انتقلت إلى شركة مملوكة لابنة ني. 

في قضية كورمانباييفا، تكشف الوثائق تورط رجلين لطالما تردد أنهما من ضمن الحلقة الاكثر قرباً من نزارباييف: القطب الأليغاركي فلاديمير ني وفلاديمير كيم، وهما جنيا ثروتيهما من قطاع الموارد الطبيعية المعروف بالفساد في كازاخستان.

باليه وقاعة حفلات

على رغم أن قرب كورمانباييفا من زعيم الأمة معروف منذ سنوات، إلا أنه لم يتم تناول حياتها في الصحافة الكازاخستانية إلا نادراً.

من الناحية العملية، يفترض أن المعلومات الوحيدة المتاحة جاءت من راحات علييف، الزوج السابق لابنة نزارباييف الكبرى، داريغا، والذي كان موجوداً بالفعل في المنفى عندما يُعتقد أنه نشر صوراً لجواز سفر كورمانباييف وأطفالها أثناء نزاعه مع عائلة نزارباييف. (توفي علييف في سجن نمساوي عام 2015، انتحاراً كما يُزعم).

كانت المرة الأولى والأخيرة التي شوهدت فيها كورمانباييفا ونزارباييف علناً في المكان ذاته عندما كانت من ضمن مئات الذين حضروا آخر خطاب سنوي له إلى الأمة كرئيس في مقر إقامته عام 2018.

لكن سجلات الشركة الكازاخستانية تظهر أن الرئيس وزوجته الثالثة غير الرسمية كانت لهما أيضاً علاقات تجارية.

كما اتضح، كانت كورمانباييفا مؤسسة شركة “أستانا باليه” Astana Ballet عام 2012.

ووفقاً لموقع المجموعة على شبكة الإنترنت، فقد تأسست “بمبادرة من الرئيس الأول لجمهورية كازاخستان، نور سلطان نزارباييف”. واستحوذت مؤسسته على الشركة بعد أقل من عام، ثم نقلتها إلى الحكومة. لا تزال كورمانباييفا تعمل مديرة فنية لها.

والغريب أن مؤسسة نزارباييف تعاملت أيضاً مع كورمانباييفا في مشروع مختلف تماماً. لمدة شهرين عام 2013، كانت تمتلك شركة تسمى “أستاو” Astau أسستها كورمانباييفا عام 2006. ثم أصبحت مالكتها مرة أخرى. 

تمتلك الشركة وتدير قاعة احتفالات ومنتجعاً صحياً وصالون تجميل في وسط مدينة نور سلطان.

من خلال مراجعة سجلاتها الضريبية، فإنها لا تقوم بأي أعمال تجارية تذكر. لكن حسابها على “إنستاغرام” يظهر قاعة حفلات متلألئة وضيوفاً سعداء وأطباقاً مملوءة بالطعام.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني