التعذيب في مناطق المعارضة السورية:
تلازم العنف والانقسام

الجلاد ليس مجرد تمثيل لسلطة تستخدم التعذيب كأداة للإخضاع، هو أيضاً تمثيل لتناقض أو انقسام، وإدانته تتطلب، أكثر من استنكار عام سواء كان حقوقياً أو سياسياً.

تتكرر وقائع التعذيب، في مناطق خاضعة لقوى معارضة للنظام السوري، والوقائع تلك، مرتبطة بأسباب شتى، تتجاوز الانتقام السياسي، وتمتد إلى ما هو مناطقي وشخصي وطائفي وعنصري. واتساع الدوافع، له صلة بعدم تأسيس نقد جدي لظاهرة التعذيب عقب الثورة، وتحرير المفهوم من أدبيات البيانات الحقوقية الاستنكارية، وربطه بالانقسامات المجتمعية، وليس حصراً بالاستبداد الذي هيكل إيقاع الألم بأجساد مواطنيه وجعلها عملية ممنهجة. 

الهيكلة والمنهجة، لم تأتيا من لا شيء، فالتعذيب في سوريا تحول إلى ممارسة وبات جزءاً من الحياة السياسية، مع عبد الحميد السراج، رجل جمال عبد الناصر، أيام الوحدة الكارثية مع مصر. والناصرية، جزء من خليط الإيديولوجيات، المعنية بالقضايا الكبرى، والنابذة للفرد، ما يفسر الاستعداد الإيديولوجي لممارسة التعذيب، قبل تحوله، أداة لتشكيل نظام سياسي سلطوي، عبر تصفية المعارضين وترهيب المجتمع والتحكم بمواطنيه. في سوريا انطلق التعذيب من قاعدة إيديولوجية، وتحول أداة للترهيب والتصفية في خدمة السلطة، وتلازمت ممارسته مع أبعاد أخرى تتعلق بالانقسامات المجتمعية. كثيراً ما قرأنا في شهادات السجناء السياسيين عن انتقام جلاد ريفي من معتقل مديني، أو ابن فلاح من ابن تاجر، وكذلك لم تخلُ الشهادات نفسها، خصوصاً خلال الانتفاضة، وبعضها ورد في تقارير حقوقية وموثق بفيديوات، من تفاصيل عن تعذيب، دافعه طائفي.  

تتكرر وقائع التعذيب، في مناطق خاضعة لقوى معارضة للنظام السوري، والوقائع تلك، مرتبطة بأسباب شتى، تتجاوز الانتقام السياسي، وتمتد إلى ما هو مناطقي وشخصي وطائفي وعنصري.

هذا التلازم بين التعذيب والانقسامات في سوريا، تم إهماله، في أدبيات السجناء السياسيين، الذين حصروا فهمهم للعنف اليومي ضدهم، باعتباره أداة انتقام تمارسها السلطة، مع العلم أن الأخيرة غير منزهة عن الانقسامات المجتمعية، وإن لم تكن نتيجتها الوحيدة. والإهمال هذا اكتمل عبر التقارير الحقوقية التي غالباً ما تعتمد لغة إدانة واستنكار عامة، وتتجنب التعيين، والغوص بالأسباب والدوافع. ليصبح التعذيب، أسير وعيين، واحد يدينه انطلاقاً من حصره ببعد واحد شديد التسييس، يتعلق بالسلطة، وآخر يدينه انطلاقاً من عمل تقني رصدي لا يهتم بالخلفيات وتحليلها.

لكن مع انتقال التعذيب إلى مجموعات “المعارضة”، ولاحقاً إلى مناطق تسيطر عليها هذه المجموعات، تراجعت إمكانية استخدام التفسيرات الكلاسيكية السابقة، لفهم الجرائم التي تحصل بحق المدنيين، وتكشف أكثر عنصر الانقسامات المجتمعية. فالمجموعات “المعارضة”، ليست أنظمة تمارس التعذيب بشكل ممنهج يتم توظيفه لبناء منظومة سلطوية. هي سلطات متنافرة، وعلى رغم أنها تصنف تحت مسميات موحدة، كـ”جيس وطني” و”حكومة إنقاذ”، لكنها تعكس انتماءات متفاوتة، لا سيما بالمعنى المناطقي. ما يجعل فعل التعذيب أقل تسيساً وأكثر ارتباطاً بالمجتمع وتركيبته.

 فقبل فترة، قام عناصر من ميليشيا “صقور السنة” التابعة لـ”الجيش الوطني” (المعارض) بتعذيب شاب من مدينة الرقة بطريقة وحشية، بحسب صفحة “الرقة تذبح بصمت”، التي أوضحت أن الحادثة وقعت في بلدة سلوك في ريف الرقة الشمالي.

ويظهر الفيديو الذي نشرته الصفحة، الشاب يتعرض لضرب عنيف وهو عارٍ، ثم يعتذر عن “إساءة” وجّهها لأهالي دير الزور، قبل أن يحرص المصور على تصوير جسد الشاب، مظهراً علامات التعذيب، منهياً الفيديو بصفعة على وجه الضحية. 

إقرأوا أيضاً:

الدافع للتعذيب “إهانة” وجهها الضحية لأهالي دير الزور، هو المنتمي إلى ريف الرقة، ما استدعى، تعريته وجلده وتصويره عارياً قبل نشر الفيديو على صفحات التواصل. ما يعني أن دوافع التعذيب المرتبطة بانقسامات مجتمعية، خرجت إلى العلن أكثر في مناطق المعارضة بعدما كانت مخفية، في معتقلات السلطة، مع استثناءات تتمثل بفيديوات مسربة وشهادات للضحايا. انتقام منطقة من أخرى، عبر جسد الشاب الضحية، ليس سوى مؤشر بسيط، على ترجمة الانقسامات، بالتعذيب والتنكيل. وما هو مناطقي قد يصبح طائفياً وطبقياً وجندرياً، وتتسع ممارسة التعذيب مع اتساع الفجوات بيننا.

وعليه، فالجلاد ليس مجرد تمثيل لسلطة تستخدم التعذيب كأداة للإخضاع، هو أيضاً تمثيل لتناقض أو انقسام، وإدانته تتطلب، أكثر من استنكار عام سواء كان حقوقياً أو سياسياً. الإدانة يمكن ربطها بالدافع، بحيث تصبح، الجريمة وسببها متلازمين، ما يسّهل تحديد هوية الجلاد، بدل تصنيفه كقاتل عام، والأهم، هوية الضحايا. بمعنى أوضح، إخراج مفهوم التعذيب من عمومية الإدانتين، السياسية والحقوقية، وربطه بتحليل تركيبة المجتمع، بحيث يتكشف أكثر، من الذي يقتل، ومن الذي يموت، ليس انطلاقاً من ثنائية استبداد ومعارضة، فقط، بل انطلاقاً من ثنائيات أخرى، تتسلل انعكاساتها عبر الثنائية الأم، وتحظى بموقع مركزي، عند الجلاد. تحت مواقف المولاة والمعارضة، تختبئ قصص كراهية كثيرة، لا تقاس درجتها، سوى على أجساد الضحايا.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني