fbpx

لبنان: الأمن العام يخنق مسرحية “تنفيسة” كرمى لعيون العهد

تفاصيل التحقيق تشي مجدداً باستخدام معايير ضبط مكررة في قضية حرية انتقاد المسؤولين، إذ كان جلياً أن العرض تم منعه، بسبب  انتقاده رئيس الجمهورية.


انتشرت فيديوات مجموعة شبان وشابات يقدمون عملاً فنياً في شارع الحمراء في بيروت ليل 2 تشرين الأول/أكتوبر 2021. لكن الغرض المرتجل الذي تخللته هتافات تندد بالقمع والرقابة، حصل بعد إخراج الفريق من المسرح تحت الضغط، فانتقلوا إلى الشارع لمواصلة العرض.
دورية للأمن العام أجبرت الفرقة على وقف عرضها الثاني لمسرحية “تنفيسة” للمخرج عوض عوض.
حجة المنع ان المسرحية: “لم تقطع على الرقابة”.


آية أبي حيدر وهي ممثلة شابة مشاركة في العرض شعرت بالغضب والخيبة جراء منعها مع زملائها من تقديم عمل ساخر من الوضع السياسي العام في لبنان. تقول آية لـ”درج”، “المسرحية كانت عبارة عن عرضين فقط، الأول كان في 1 تشرين الأول من دون ضرر، لكن ليلة السبت كنا نحضر للعرض الثاني، فأتت دورية من الأمن العام الساعة السادسة والنصف مساءً تطلب توقيف العرض”.
وتضيف أبي حيدر  “المسرحية موسيقية وهي عن بلد وديكتاتور متخايلين ولكن بطبيعة الحال تعكس المسرحية الأحداث التي عاشها لبنان من ثورة 17 تشرين، إلى الحجر وكورونا، ثم انفجار مرفأ بيروت، والمسرحية تحاكي قصة شعب قرر أن يثور على ديكتاتوره الفاسد، فيما الديكتاتور يبرر لنفسه دائماً الفساد والفشل…
بعد المنع، قررنا عرض بعض أغاني المسرحية في الشارع، وأخذت هذه الأغاني صدى كبيراً في الشارع والسوشيل ميديا، إذ تجمع الناس حولنا، وانتشرت الأغاني سريعاً”.
تفاصيل التحقيق تشي مجدداً باستخدام معايير ضبط مكررة في قضية حرية انتقاد المسؤولين، إذ كان جلياً أن العرض تم منعه، بسبب  انتقاده رئيس الجمهورية.

آية أبي حيدر


المخرج عوض عوض تم التحقيق معه لكنه خرج بعد وقت قصير. يقول أيمن رعد محامي عوض إنه ترك حراً: “للاستدعاء شقان، الأول أن المسرحية لم تستحصل على إذن مسبق وأصررنا على أن هذا العمل  طلابي ارتجالي لا يستدعي الحصول على إذن مسبق، عدا أن الحصول على إذن ليس من مهمة عوض، فيما السبب الثاني للتحقيق هو تهمة تحقير رئاسة الجمهورية”.
وكان لافتاً في بيان الأمن العام، التشديد على جنسية عوض عوض الفلسطينية، في محاولة لأخذ القضية إلى مكان آخر والتشويش عليه، في بلد يمارس تضييقاً وتمييزاً بحق الفلسطينيين والسوريين بخاصة في مكاتب الأجهزة الأمنية، حيث يتعرضون لشتى أنواع الإهانات والتعنيف بحسب شهادات كثيرين وردت في تقارير حقوقية.
وللرقابة صولات وجولات في التدخل في الأعمال المسرحية والفنية. خلال السنوات العشر الماضية مُنعت أفلام ومسرحيات (لي قبور في هذه الأرض، فيلم بيت البحر…)، تارة بحجة تهديد السلم الأهلي، وطوراً بحجة المس بالشعائر الدينية، ونذكر في هذا السياق إلغاء حفلات غنائية كحفلة مشروع ليلى عام 2019.
وعلى ذكر السلم الأهلي، فقد اتى منع “تنفيسة” بعد أسبوع واحد من العرض الميليشيوي الذي قام به “الحزب السوري القومي الأجتماعي”، بمناسبة ذكرى عملية “الويمبي” في شارع الحمراء، بالقرب من المكان نفسه التي تعرض فيه المسرحية، ولكن حينها لم تستشعر رقابة الأمن العام، بأي تهديد للسلم الأهلي!
في القانون وفي ممارسة الجهاز الرقابي وبحسب موقع .marchlebanon.org
“في لبنان، يتولى جهاز الأمن العام الرقابة على المسرحيات، المواد الثقافية المستوردة، والمطبوعات الأجنبية والبيانات والمناشير، والأعمال السينمائية والأقراص المدمجة. فعلى سبيل المثال، واستناداً الى المادة 9 من المرسوم رقم 2873 الصادر بتاريخ 16 كانون الأول 1959، يمارس الأمن العام رقابته على
الأشرطة الموسيقية المستوردة، علماً أنه لا يستمع الى كل اغنية على حدة ليقرر المنع أو النشر الجزئي لأي عمل موسيقي، انما تدقق المؤسسة المذكورة بأسماء الأغاني أو الفرق الموسيقية او حتى غالف الألبوم وتقوم بشطب بعض اسماء اسماء الأغاني بحبرٍ أسود”.
ولكن هذا القانون قديم وتدور حوله خلافات واجتهادات قانونية عما إذا كانت هذه من صلاحيات وزارة السياحة أو الأمن العام، إلا أن الأخير ما زال يمارس هذه المهمات إلى يومنا هذا.

إقرأوا أيضاً:


المؤسسات الدينية جزء من الرقابة


ليس الأمن العام وحده من يمارس دوره القمعي في الرقابة على ذوق اللبنانيين، بل تساعده في هذه المهمة المؤسسات الدينية وأبرزها المجلس الكاثوليكي للإعلام ودار الفتوى ودار الطائفة لمذهب الموحدين الدروز، وسبق لهذه المؤسسات أن ساهمت بالضغط على الأمن العام لمنع أفلام لا تعجب معتقداتها. عام 2015 مثلاً، طالب الأب عبدو أبو كسم رئيس “المجلس الكثوليكي للإعلام”، بوقف فوري لعرض مسرحية “لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71″، والتي كتبها عصام محفوظ وعرضت عام 1971 (قبل أن يولد المجلس الكاثوليكي للإعلام)، وأعادت إخراجها لينا خوري عام 2015.
أما دار الفتوى فلها نصيبها بالتدخل الجائر في الأعمال الفنية، كطلبها منع فيلم “مولانا” عام 2017، فيما طالبت دار الطائفة لمذهب الموحدين الدروز بحذف مشهدين من فيلم “اسمعي” للمخرج اللبناني فيليب عرقتنجي عام 2017 أيضاً.


سبل المواجهة


يقول المخرج هاشم عدنان لـ”درج”، أن “حملات كبيرة قامت بوجه الرقابة المسبقة على الأعمال الفنية، منذ عام 2012 مع حملة “ردو المسرح لبيروت” وذلك إثر إقفال مسرح بيروت، والضغط الذي مورس حينها لإعادة فتحه واعتباره صرحاً ثقافياً، كما تم العمل على الشق القانوني مع مؤسسة “مهارات” ومع “المفكرة القانونية” لصياغة قانون “حرية الأعمال الفنية”، فقانونياً الأعمال المسرحية لا تخضع للرقابة المسبقة التي تخضع لها الأفلام السينيمائية.
ولذلك كان التدخل بالسينما أكثر من المسرح، فقام الأمن العام بمنع كل الأفلام التي تعيد نكش الحرب الأهلية بشكلها الحقيقي، والأفلام التي تحتوي على جنس، والأفلام التي يكون فيها أي نوع من الحضور الديني ولا يعجب السلطات.
وإن كان مشروع قانون “حرية الأعمال الفنية” هو قانون بديل وجيد، إلا أنه لم يجد الضغط الكافي لكي يصل إلى مجلس النواب ويتم إقراره.
وربما وسط هذا الخنق، قد تكون الخطوة التي يجب القيام بها هي مقاطعة الرقابة وعدم إرسال أي نصوص لها، قد تكون هذه الطريقة المجدية لبداية الطريق لكف يد الرقابة عن النصوص الفنية، وإلا سيبقى مشهد “تنفيسة” يتكرر.
“الطريقة الوحيدة لمواجهة الرقابة، هي اعتبار مكتب الرقابة المسبقة على الأعمال الفنية في الأمن العام غير موجود بالنسبة إلى العاملين والعاملات في القطاع الثقافي، وتقديم الأعمال الفنية بدون اذن رقيب، هكذا يقول المخرج روي ديب لـ”درج”. وكان فيلم ديب “بيت البحر” منع عام 2018 من العرض من دون توضيح السبب، ويقول ديب عن سبب هذا المنع “لم أتلق إجابة رسمية عن السبب، حتى إنهم قالوا إن الفيلم مكتوب بطريقة جيدة، ولا نستطيع إزالة أي مقطع كي لا يصبح غير مفهوم، ولكن برأيي منعوه لأنهم لم يفهموه، وكل شيء لا تفهمه تخاف منه وتمنعه، هكذا تعمل الديكتاتوريات”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
التطرف لم يهبط علينا من السماء كمؤامرة مدبرة من بلدان خارجية للتفرقة بيننا، كما يتم الترويج في الإعلام والندوات الثقافية، لكنه نتاج تصورات مسمومة تسللت بشكل تراكمي عبر الكيانات الدينية والاجتماعية والسياسية في مصر حتى بات التطرف طبيعة يصعب حصارها.
Play Video

2:46

Play Video

3:01

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني