عام على سقوط تمويل مشروع سد بسري: الحرب مستمرة مع سلطة الفساد والعطش

لقد سقط القناع أخيرًا، عن سلطة عجزت عن حل أزمة المياه في لبنان، وجلّ إنجازاتها في هذا القطاع، تتلخّص بلائحة سدود فاشلة، رغم وجود الحلول المستدامة.

الوقوف في وجه صفقات الفساد في لبنان، لا يحتاج إلى نَفَس نضالي طويل، معمّد بالحقائق العلمية ومدعّم بالنصوص القانونية وحسب، بل يتطلب منك كمواطن ثائر، حقوقيًّا كنت، أم بيئيًّا، أم خبيرًا، أم صحافيًّا… تحمُّل هجمات “قوى الشر” الحاكمة! ناهيك عن تعرّض من يعترض على سياسة منظومة المحاصصة للاعتداء القمعي، “البلطجي”، سواء منها مباشرة أو من جيوشها المأجورة، أو من تلك المأسورة في بوتقة الطائفية والزبائنية. 

إذ لا تتوانى القوى المفلسة سياسيًّا بعد أن أفلست البلاد، عن التعرّض للخبراء وللمناضلين، المدافعين عن مرج بسري، بحملات التخوين والاتهام بالعمالة. 

فبعد سقوط تمويل سد بسري، أطلّت رموز السلطة عرّابة السدود العشوائية، وبكل وقاحة، لتتلطى بخسارتها، خلف قناع شبح “العطش”، ملوّحة ومتوعّدة به، محاولة تحميل اللبنانيين مسؤولية فشل خططها في إدارة قطاع المياه ووزارة الطاقة.

 التاريخ الذي لا تجرؤ سلطة أمر الواقع على خطّه، لهو شاهد على أن ثورة 17 تشرين، قد حررت بتاريخ 9 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2019، مرج بسري من آليات مجلس “التخريب والدمار”

فلم يعد هدر المال، بل اختلاسه، بالأمر الخفي، إذ يحرص المجلس المذكور(الإنماء والإعمار) وما شاكله من صناديق، على تمرير الأموال، من خلال قنوات مشاريع مشبوهة، باتجاه طغمة فاسدة. 

حرر ثوار لبنان “مرج بسري” وأعلنوه مذاك ساحة من ساحات الثورة، والمتنّفس الطبيعي العام والملتقى المجّاني المرحّب بمن يقصده لتلمّس الحرّيّة. ويشهد التاريخ على أن السلطة الحاكمة، كانت قد أصرّت على المضي في جريمة سد بسري، رغم خطره الحقيقي، والمخالف للقوانين ولمعايير السلامة، لوقوعه في منطقة فوالق زلزالية، ترتعب لها الذاكرة التي لا تزال تعاني من هول الزلزال الأخير الذي ضرب المنطقة في العام 1956، والبالغة قوتّه 5.8  درجات على مقياس رختر. 

كان المشروع سيدمّر ستة ملايين متر مربع من الأراضي الزراعية، ناهيك عن تهديد قرابة 52 معلمًا أثريًّا، أهمّها المعبد الروماني وكنيسة مار موسى وجسور وآثار تعود للحقبات البيزنطية والرومانية.

والحقيقة الجديرة بالذكر، أن التضليل الذي انتهجته السلطة، لتمرير صفقة القرن و”الحلم”، على حدّ تعبير أحد موظفي البنك الدولي، دفع بأهل الخبرة والإختصاص، كما الأقلام الحرة، إلى تشكيل ملف علمي، شامل ودقيق حول الحجج العلمية المندّدة بالخطر الزلزالي، والمنبّهة إلى عدم ملاءمة طبيعة الأرض الكارستية. 

خبراء وصحافيون/ات ما استكانوا إلا لحين تأكيد “عدم جدوى السد”، إن لناحية كميات المياه غير الكافية أو لناحية خطورة المياه المسرطنة، غير القابلة للمعالجة، والتي تستجر ضمن المشروع، حوالي 50 مليون متر مكعب من مياه القرعون الآسنة، وصولًا إلى بيروت الكبرى، مرورًا بالنفق الممتدّ تحت مطمر الناعمة. 

حجج نقّبت عنها وجمعتها “المفكرة القانونية” في عددها الخاص “مرج بسري في قلب الإنتفاضة” لتشكل بذلك رافعة علمية لقضية المرج، فسقطت معها أضاليل السلطة المروّجة لسياسة سدود لم تثبت إلا فشلها، من سد جنة، إلى بريصا، وصولا الى بلعا والمسيلحة. ليكلّل نضال المعترضين على السد، بمقاربات علمية ودراسات كشفت التواطؤ المستور، والفساد المستشري في سراديب مجلس الإنماء والإعمار.

ثمار النضال داخلياً وخارجياً

نضالات تراكميّة، انطلقت من صفحات التواصل الإجتماعي عام 2015، لتغدو في العام 2017 حملة على مساحة الوطن. ولم تمل الحملة من الاعتصام عند جسر بسري لسنوات، ولا من مراسلة البنك الدولي بالملفات والحقائق العلمية والاجتماع بموظفيه، كما نقلت للبنك الدولي والدول الأعضاء نبض الثوار وإرادة أكثر من 140 ألف معارض(ة) لقيام السدّ، وكانت مسيرة أشبه بمسيرة الجلجلة فعلًا، إلى أن نجحت أخيرًا في تصويب الرأي العام المحلي والدولي تجاه هذه القضيّة الحيويّة. 

هذا الضغط دفع ببعض الأحزاب (التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية) لتدارك مخاطر السد، والإنصات لصوت المجتمع المدني الثائر، فلحقا بركب المعارضة معلنين الرجوع عن خطئهما، ما انعكس بدوره على السلطات المحلية التي تدور في فلك نفوذهما. 

وخلافًا للطبقة الحاكمة الصمّاء، يبدو أن البنك الدولي قد رضخ لإرادة الشعب اللبناني، فقد أجاز سابقًا للحكومة اللبنانية العدول عن المشروع وتحويل محفظة القروض إلى ما يخدم أولويات البلاد المستجدّة ودعم الفقراء. من المؤسف، أن عرابي السد وفي طليعتهم رئيس الجمهورية ميشال عون وتيّاره الوطني الحر، قد أنكروا المخاطر وصمّوا آذانهم عن الحلول البديلة، وراحوا يستجدون المهلة تلو الأخرى، مستمرين باللهاث وراء آخر دولار قد يتأتّى من الصفقة. 

إلا إنَّ الثوار لم يغادروا يومًا أرض المرج، رغم المماطلة وتمديد المهل، بناءً لاستجداء حكومة العجز ووزير العتمة، فصمد الثوار، وربطوا أجسادهم بصنوبر بسري، مؤكدين أن “سد بسري لن يمر، ولن تدخل أي آلية للمتعهد الا على جثثنا” فبات ” المرج” قلب الثورة النابض.

جرائم ارتكبت في مرج بسري: اين النيابة العامة؟

ألغى البنك الدولي، بتاريخ 4 أيلول 2020، صرف 244 مليون دولار على المشروع، مشيرًا في قراره إلى أن أداء الحكومة كان السبب في سقوط التمويل وفق ما وثّقته “المفكرة القانونية”؛ إذ لم تقدم الحكومة للبنك الدولي معلومات متعلقة ببعض الآليات المؤسسية والمالية، المرتبطة بوزارة الطاقة. كما إنَّها لم تستكمل بعض الشروط المفروضة: كدخول المتعهد، قبل انقضاء المهل الممنوحة، الى موقع بناء السد (المحرّر بجهود 17 تشرين).

بالإضافة الى أن الحكومة لم تستكمل خطة التعويض الإيكولوجي، وهي الجزء الذي لا يتجزأ، بل الأساسي ضمن دراسة الأثر البيئي (المنتهية الصلاحية منذ العام 2016)، لتكون بذلك كل الأعمال التي باشر بها مجلس الإنماء والإعمار، (انطلاقا من تاريخ 31 أيار 2019) أعمال مخالفة للقانون وتشكّل جرمًا جزائيًّا. 

وعليه، تبقى المناشدة الدائمة للنيابات العامة لتحمل مسؤولياتها وملاحقة المجلس الذي تواطأ مع وزارة البيئة للاستحصال على رخص لقطع 150 ألف شجرة، بمعظمها معمّرة. ولن يستكين للحملة الوطنيّة، ولحماة مرج بسري جهد قبل الوصول إلى ملاحقة ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم، مع التشديد على انزال أشد العقوبات بالمسؤولين، والتعويض عما اقترفوه من تشويه وجرائم بحق ثرواتنا الوطنية، وضرورة إلزامهم بإعادة الحال إلى ما كانت عليه.

لبنان لا يحتاج إلى السدود

 الرهان الأكبر اليوم هو، بلا شكّ، على عدم ثقة المجتمع الدولي في سلطة سجلّها حافل بالسدود المثقوبة والفاشلة، خصوصاً بعد أن ألغى البنك الدولي التمويل. 

لقد سقط القناع أخيرًا، عن سلطة عجزت عن حل أزمة المياه في لبنان، وجلّ إنجازاتها في هذا القطاع، تتلخّص بلائحة سدود فاشلة، رغم وجود الحلول المستدامة، والتي كانت، ولا زالت متاحة، وكان من شأنها أن تنقذ الكثير من البيئة التي باتت مهدّدة في الصميم، وأن تروي اللبنانيين ماء عذبًا، بلا خوف أو قلق على صحّتهم وصحّة أبنائهم. 

نحن، في لبنان، بأمس الحاجة إلى خطة استراتيجية شاملة مستدامة لإدارة قطاع المياه، تبدأ بإصلاح شبكة المياه المهترئة، اذ يبلغ الهدر 40% في بيروت الكبرى وحدها. نحن بحاجة إلى سلطة بعيدة عن المحسوبية وشراء الأصوات، من خلال توزيع رخص الآبار العشوائية، كلما لاحت في الأفق انتخابات بلدية أو نيابية، سلطة تتمكن من إزالة التعديات على الشبكة ومحاسبة محتكري مصادر المياه و”مافيا السيترنات”. 

كل ما ينقصنا هو إدارة رشيدة تعالج الهدر وتؤمن استثمار مياه الينابيع (كنبع جعيتا والقشقوش)؛ فوفق اقتراح المعهد الفيدرالي الألماني لعلوم الأرض والموارد الطبيعية، فإنَّ تطوير مشروع نبع جعيتا بتكلفة تتراوح ما بين 30 مليون و50 مليون دولار، قادر على تأمين حاجة بيروت الكبرى. كما وتشمل الحلول استثمار فائض المياه الجوفية، والذي يتراوح ما بين 2.1 مليار و 4.7 مليار متر مكعب سنويًّا، واستغلال مياه الأمطار، واستثمار 81 مليون متر مكعب/سنويًّا من نهر بيروت.

مستقبل المرج 

لاح في الأفق، مع سقوط السد، بريق أمل! فقد عادت الروح للمرج ومعه للشعب اللبناني، المنهمك في لملمة جراحه وحطام عاصمته. 

أما وبعد إنقاذ مرج بسري، وبيروت، ومعهما الإنسان، من المشروع المدمّر والمسرطن، علينا تصويب البوصلة نحو مستقبل المرج، وصونه” أيقونة ” لكلّ لبنان، فهو حتما أكثر من محمية. ما يستلزم إطلاق حوار وطني علمي تشاركي، يضم المجتمع المحلي والخبراء، ويخرج بدراسات وأبحاث تقدّم الأطر القانونية الكفيلة بإعلانه منطقة مصنّفة، طبيعية، أثرية، زراعية، غير منعزلة عن محيطها.

فسواء أبقت الدولة على ما استملكته من ثروات بأثمان زهيدة، أو استرجع الأهالي أراضيهم المسلوبة عن طريق الاستملاك، تبقى حماية المرج، وفق مخطط توجيهي، استراتيجي، مكرّس قانونًا، هي الهدف المنشود، والجدير بتوحيد الجهود من حوله، وخصوصًا وأنَّ الخصم “غير شريف”.

من هنا، فنحن مطالبون بوضع آليّة لما ستكون عليه استراتيجيّة التحرّك المستقبليّ إزاء المرج، وهذا هو الأهمّ؛  لكي لا يكون انتصار اليوم خطوة إلى الوراء، ولكي لا تسوّل لأحد نفسه، إمكانية العبث من جديد بإرث المرج، في بلد يعجّ بالمطامع، فإنَّ أيّ مشروع تخطيطي مستقبلي عليه أن يحقق تنمية مستدامة. والجميع مدعو لحوار حول مصير ومستقبل المرج، حوار يجب أن يتكلل بمشروع قانون يضمن حماية المواقع الأثرية والثروات الطبيعية من جهة، ويسمح باستثمار خيرات المرج الزراعية، وإدراجه على خارطة الأمن الغذائي، من جهة أخرى. إنَّها، باختصار، جولة من جولات، وانتصار اليوم يجب ألّا يسكر النفوس الثائرة، لأن الحرب مع هذه الطبقة السياسية الفاسدة والمجرمة، طويلة طويلة…

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني