هل يستولي قيس السعيد على صوت أول رئيسة حكومة في تونس بعد تعيينها؟

تواجه نجلاء بودن تحدياً نسوياً كبيراً، لأنها مطالبة بالنجاح في مجتمع ذكوري وطبقة سياسية ذكورية لن تغفر لها أي خطأ وسنتحمل كلنا كنساء مسؤولية فشلها.

عيَّن رئيس الجمهوريّة التونسية قيس سعيّد الأربعاء، نجلاء بودن كأول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تاريخ تونس، وكلّفها تشكيل حكومة ذات سلطة تنفيذية محدودة بعد أن استولى سعيّد على سلطات واسعة قبل شهرين، وأحكم قبضته على السلطة التنفيذية تحديدا عبر المرسوم 117 الصادر في 22 أيلول/ سبتمبر 2021، والذي اعتبره خبراء دستوريون انقلابا حقيقيا على دستور 2014.

نجلاء بودن

بودن التي تبلغ من العمر 63 عامًا، أستاذة جامعية حاصلة على دكتوراه في الهندسة الجيولوجية من مدينة القيروان الولاية الأكثر فقراً وتهميشاً، والتي لم تهب عليها رياح التنمية حتى بعد 10 سنوات من اندلاع الثورة.

عملت بودن كمحاضرة في المدرسة الوطنية للهندسة في تونس ولم يسبق أن كان لها أي نشاط سياسي قبل توليها منصبها، بعد تسع رؤساء حكومات ذكور تولّوا المنصب منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس الراحل زين العابدين بن علي، وأول امرأة في تاريخ تونس تتولى هذا المنصب.

ولعلَّ أبرز ما يلاحظ في السيرة الذاتية لبودن، هو أنها شغلت منصب رئاسة وحدة التصرف  لـمشروع PROMESSE ، وهو مشروع لإصلاح التعليم العالي والبحث العلمي في تونس، بهدف دعم تشغيل الشباب من الحاملين للشهائد العليا،  الذي اقترضت الحكومة التونسية لأجله من البنك الدولي للإنشاء والتعمير في شباط/ فبراير 2016 ، مبلغا تجاوز السبعين مليون دولار، موضوع تحقيق سابق أنتجه “درج” ونُشر في العام 2019.

وقد خلص التحقيق إلى وجود سوء تصرف مالي وإداري في مدخرات القرض استنادا إلى وثائق تقييمية للمشروع صادرة عن البنك الدولي للإنشاء والتعمير وعن وزارة المالية التونسية، التي جاء في تقرير تدقيقها المالي أن المشرفين على المشروع لم يأخذوا بعين الاعتبار التحكم في المصاريف عبر إبرام اتفاقيات شراكة مع مزودي الخدمات، بل ظهر تبديد للمال العام،  عبر حرمان المشروع من الحصول على أسعار تفاضلية وأقل تكلفة من تلك التي صرفت على الأنشطة المذكورة في التحقيق السابق. يذكر أن التحقيق قد تحصل على الجائزة الأولى من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس كأفضل تحقيق استقصائي  لسنة 2019.

أول امرأة رئيسة حكومة “ناطقة باسم الرئيس” 

أثار تعيين بودن على رأس الحكومة، ردود أفعال متباينة و متعارضة، بين طرفين، أحدهما يعتبر أن تعيين امرأة هو خطوة تاريخية تحسب لقيس سعيّد حيث لم يسبقه إليها أي حاكم تونسي وعربي. كما أن هذا التعيين يعدٌّ تتويجا لمسيرة كاملة من النجاحات في مجال حقوق المرأة التونسية، الرائدة عربيا منذ 13 آب/اغسطس 1956،  تاريخ صدور مجلة الأحوال الشخصية وإلغاء تعدد الزوجات، والذي أصبح فيما بعد ذكرى سنوية للاحتفال بعيد المرأة التونسية، وصولا إلى قانون القضاء على العنف والتمييز ضد المرأة الصادر سنة 2017.

إلا أن الطرف الثاني لا يرى في هذا التعيين سوى استكمالاً للمسار الاستبدادي  لرئيس الجمهورية والتي بدأت تظهر ملامحه منذ صدور المرسوم 117. ويعتبر معارضو سعيّد أن تسمية نجلاء بودن على رأس الحكومة، ليس سوى تعييناً صورياً يرمي قيس من ورائه، إلى بعث رسالة طمأنة للخارج، فيما يتعلق بالحقوق والحريات في تونس بعد تعطل الدستور. كما أنه يشكل بحسب المنتقدين، تناقضاً واضحاً بين ما صرح به قيس سابقا عن معارضته المساواة في الميراث بين الجنسين، لذلك يحاول اليوم اللعب بورقة مكشوفة لا تعكس رأيه الحقيقي.

أصاب سعيد، بحسب أصحاب الرأي الثاني، بتعيينه امراة لا تملك تاريخا سياسياً في منصب رئاسة الحكومة، عصفورين بحجر واحد. فقد تجنب بذلك، عن سبق إصرار، التعامل مع سياسية ذات خبرة، متفادياً المنافسة التي قد تنتج عن وجود سياسية أو سياسي مخضرم في رئاسة الحكومة. كما أغلق الباب أمام الأشخاص الذين قد يجادلونه ويعارضونه سياسيا، أو يزاحمونه على السلطة، ويأخذونها منه بالقوة كما حدث مع رئيسي الحكومة السابقين يوسف الشاهد،وهشام المشيشي بإيعاز من حركة النهضة.

ولعل مؤيدي هذا الرأي الأخير يستندون إلى حجة قانونية، حيث جاء في الفصل الثامن من الباب الثالث المتعلق بالتدابير الاستثنائية بممارسة السلطة التنفيذية، من المرسوم الرئاسي 117 الصادر في 22 سبتمبر 2021،  أن رئيس الجمهورية يمارس هو نفسه السلطة التنفيذية بمساعدة الحكومة ورئيسها.

كما منح رئيس الجمهورية لنفسه صلاحية إقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة أو البت في استقالته. بل ذهب أبعد من ذلك استناداً إلى الأمر الرئاسي المذكور، حيث جاء في الفصل السادس عشر أن الحكومة تتكون من رئيس وزراء وكتاب دولة يعينهم رئيس الجمهورية 

أمر يتناقض مع تصريحات سعيّد أثناء مقابلته الاربعاء مع نجلاء بودن التي لم نسمع صوتها إلى اليوم، حيث ظهر سعيّد كمتحدث وحيد،  في شريط فيديو نشرته الرئاسة على صفحتها عبر الفيسبوك، مشددا على ضرورة سرعة تشكيل الحكومة “في الساعات أو الأيام المقبلة” في حين يعتقد كثيرون أن هذه الحكومة جاهزة لأنه وفق صلاحيات سعيد المحددة سلفاً، فإنها ستكون حكومة الرئيس وليس  حكومة نجلاء  بودن.

الرئيسة السابقة للجنة الحريات الفردية والمساواة والحقوقية النسوية بشرى بالحاج حميدة اعتبرت ان ما أقدم عليه رئيس الجمهورية “أمر إيجابي كسرَ حاجزا سميكاً أمام النساء التونسيات للوصول إلى المناصب العليا في الدولة”، وتضيف في حديث مع “درج”: “تواجه نجلاء بودن تحديات كبرى. فعلاوة على التحديات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، تواجه تحدياً نسوياً كبيراً، لأنها مطالبة بالنجاح في مجتمع ذكوري وطبقة سياسية ذكورية لن تغفر لها أي خطأ وسنتحمل كلنا كنساء مسؤولية فشلها”.

تتمنى حميدة النجاح لبودن، لأن في ذلك بحسب قولها، “نجاح لتونس وللقضية النسوية التونسية”، لكنها في الآن نفسه لا تعتقد أن رئيس الجمهورية الذي عارض صراحة المساواة في الميراث بين النساء والرجال، قد اقدم على تعيينها انسجاماً مع مواقفه، بل خدمة لمصالحه السياسية في هذه المرحلة.

رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات نائلة الزغلامي فقد رأت في حديث إذاعي، إن خطوة سعيّد بتعيين بودن، يأتي استجابة لمطالب المنظمة منذ أول لقاء جمعها بالرئيس فضلا عن مطالبتهم بحكومة مناصفة بين الرجال والنساء. واعتبرت الزغلامي أن “الأهم من تكليف نجلاء بودن كأول امرأة في تاريخ تونس بتشكيل الحكومة هو البرنامج والصلاحيات والتركيبة”.

عدنان منصر المستشار الرئاسي السابق لرئيس الجمهورية الأسبق محمد منصف المزروقي، يقول إنه لا مغزى من تعيين سعيّد لامراة على رأس الحكومة سوى التلاعب بإشارة ثقافية وهي التأكيد على أن الرئيس “مؤمن بحقوق المرأة”، ومساواتها مع الرجل: “كثير من هذه النخب الشكلانية سقطت في الفخ في ردود فعلها الأولى المنبهرة باختيار السيدة بودن: هناك في المحصلة بحث عن بناء تحالف ضمني مع الحداثيين يجعل الرئيس يقاتل على جبهة واحدة، جبهة النهضة وأصدقائها”.

في الفيديو الذي انتشر للرئيس بعد لقائه مع رئيسة الوزراء الجديدة، قال قيس السعيد إن “مهمة بودن الرئيسية ستكون إنهاء الفساد والفوضى التي انتشرت في العديد من مؤسسات الدولة”. قال ذلك فيما بقيت بودن صامتة. فهل تنجح بودن في إثبات نفسها كرئيسة للحكومة، أم ان قيس السعيد سيثبت أنه استولى على صوتها هي أيضاً؟ 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

Play Video
بعدما أفلت المدرب الرياضي مروان حبيب من تهمة التحرش بشهادة أكثر من 20 ناجية في لبنان، اعتُقل في أميركا بعدما اعتدى جنسياً على امرأة… حادثة أعادت قضية الإفلات من العقاب للمتحرشين وتمتّعهم بمساندة وتبرير وسائل إعلام ومؤثرين إلى الواجهة.

2:13

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني