fbpx

نجلاء بودن: أول رئيسة حكومة في تونس برتبة وزير أول

قرار قيس سعيد بتعيين امرأة رئيساً للحكومة يبدو ظاهرياً خطوة نحو تعزيز حضور المرأة في السياسة، لكنه يبدو أيضاً محاولة للخروج من مأزق راهن خصوصاً أن سعيد له مواقف سلبية معلنة من المساواة بين الجنسين.

يفترض بتعيين أول رئيسة حكومة عربية أن يكون حدثاً مهماً على صعيد حقوقي وسياسي. لكن الخطوة المفاجئة التي حصلت في تونس ورغم أهميتها تحمل الكثير من النقاط التي لا يجب القفز فوقها. فقد أثار قرار الرئيس التونسي قيس سعيد تكليف الأكاديمية نجلاء بودن تشكيل حكومة جديدة، علامات استفهام كثيرة حول دوافعه من تعيينها في هذا المنصب وهي شخصية غير سياسية، وبرزت تساؤلات حول ما إذا سيكون لها صلاحيات تنفيذية أم أنها ستكون موظفاً لدى رئاسة الجمهورية.

نجلاء بودن

وبودن الأستاذة الجامعية بالمدرسة الوطنية للمهندسين والمختصة في علوم الجيولوجيا هي من مواليد العام 1958 في محافظة القيروان وهي أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ تونس وفي العالم العربي وهي شخصية غير معروفة في الوسط السياسي ولا يعرف لها انتماء حزبي.

وقبل تعيينها رئيسا للحكومة كانت بودن مكلفة بتنفيذ برامج البنك الدولي بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وسبق لها أن شغلت منصب رئيسة وحدة تصرف حسب الأهداف بالوزارة ذاتها، قبل أن يتم تكليفها سنة 2015 بمهمة بديوان وزير التعليم العالي السابق شهاب بودن.

الواضح أن الرئيس التونسي الذي يُعتقد وفق معارضيه، أنه عالق في مأزق دستوري لجهة استناده للدستور في الإجراءات الاستثنائية ثم إلغائه لمعظم فصوله استنادا لمراسيم رئاسية كنمط جديد من “التشريع”، يسعى لخلق حالة استثنائية في توقيتها وهي لفت كل الانتباه لقراره بعيدا عن الجدل المثار حول “شرعية” إجراءات 25 يوليو/تموز وقرارات إلغاء العمل بمعظم فصول الدستور من عدمها.

حالة الترحيب من قبل بعض الأحزاب والاتحاد العام التونسي للشغل، وهو أكبر مركزية نقابية ذات تأثير سياسي واجتماعي واسع، لم تحجب المخاوف من أن رئيسة الوزراء المكلفة نجلاء بودن التي لا تملك، حسب مسيرتها المهنية، خبرة سياسية سابقة، ستكون في وضعها الراهن “رئيسة حكومة الرئيس” أي رئيسة وزراء بلا صلاحيات وهي حالة شبيهة بما كان عليه الوضع قبل ثورة يناير/كانون الثاني 2011.

في عهد الرئيس التونسي الأسبق الراحل زين العابدين بن علي الذي أطاحت به ثورة يناير، كان رئيس الحكومة “وزيرا أولا” تسمية وممارسة حيث يتمتع بصلاحيات محدودة جدا بينما تعود سلطة القرار لرئيس الدولة وهو نمط من أنظمة الحكم الاستبدادي، بحيث يجمع رئيس الجمهورية كل الصلاحيات بين يديه.

تعيين نجلاء بودن جاء وفقا لأحكام الأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر(ايلول) 2021 المتعلق بالتدابير الاستثنائية وعلى وجه الخصوص الفصل 16 منه”، وهي التي صدرت ضمن مراسيم رئاسية ودفعت حتى أحزاب كانت قد أيدت تدابير 25 يوليو/تموز، إلى اعتبار خطوات سعيد “انقلابا فعليا على الدستور”.

لا تخلو خطوة تعيين رئيسة حكومة من محاولة التوظيف السياسي وخلق هالة إعلامية ولفت الأنظار إلى “فعل استثنائي” في سياقات سياسية مربكة. 

قرار قيس سعيد بتعيين امرأة رئيساً للحكومة يبدو ظاهرياً خطوة نحو تعزيز حضور المرأة في السياسة، لكنه يبدو أيضاً محاولة للخروج من مأزق راهن خصوصاً أن سعيد له مواقف سلبية معلنة من المساواة بين الجنسين، وهو لم يتردد في إعلان مواقفه هذه تكراراً خصوصاً في مسألة الإرث. 

ردود الفعل على تعيين نجلاء بودن بغض النظر عما إذا كانت متحزبة أو غير متحزبة، معروفة أو غير معروفة، اختزلت في معظمها ما كان يرجوه أو يطلبه قيس سعيد نفسه في مرحلة مشحونة سياسيا وهو لفت الأنظار المحلية والدولية لقراره بعبارة تستهوي الجميع وهي: أول امرأة تتولى منصب رئيس حكومة في تونس والعالم العربي. 

يقول الكاتب والمحلل السياسي التونسي أنيس بن رجب، إن الرئيس قيس سعيد “تستهويه عبارات مثل أول مرة في التاريخ وعبارة اللحظة التاريخية ودخول التاريخ وليس أحسن من تعيين امرأة لأول مرة على رأس حكومة في العالم العربي حتى يُسجل نقطة في كتاب التاريخ”.

واعتبر في تصريح لموقع “درج” أن قرار تعيين امرأة رئيسا للحكومة في تونس هو “ربما رد على أولئك الذين ذهبوا في تحليلهم للأمر 117 إلى اعتبار أن ذلك يهدد النص الذي ينزل منزلة الدستور عند التونسيين وهي مجلة الأحوال الشخصية، فتعيين امرأة على رأس الحكومة هو بمثابة الردّ على هؤلاء”.

واختيار نجلاء بودن لا يبدو أيضا أنه مجرد رسائل طمأنة أو كبح لحملة خصومه السياسيين وعلى رأسهم الإسلاميون ممثلين في حركة النهضة وحليفها ‘ائتلاف الكرامة’، فالأستاذة الجامعية المتخصصة في علوم الجيولوجيا “لها تجربة إدارية من خلال الوظائف التي كلفت بها في وزارة التعليم العالي وكانت أيضا مكلفة بتنفيذ برامج البنك الدولي بوزارة التعليم العالي مما يحتم وجود علاقات لها مع مسيري البنك”.

وفي تقدير الكاتب والمحلل السياسي التونسي “هي ربما تكون أحسن من بعض من قادوا الحكومات السابقة المتعاقبة الذين لم تكن لهم أي تجربة في التسيير أو حتى في متابعة الملفات”.

قرار سعيد يُشكل في جانب منه رسالة طمأنة للمنظمات الحقوقية ولمنظمات المجتمع المدني وغيرها من الهيئات والأحزاب التي عبرت عن مخاوفها من انزلاق تونس إلى مربع الاستبداد والتفرد بالقرار، فيما يعتبره بعض المحللين مغازلة كذلك للعنصر النسائي الذي يمثل خزانا انتخابيا مهما، مستذكرين في هذا السياق تجربة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي استفاد كثيرا من الصوت النسائي في انتخابات 2014 الرئاسية والتشريعية على حساب حركة النهضة الإسلامية.

ما يعني أن قيس سعيد أراد في جانب من قراره أن يستقطب إلى جانب الدعم الشعبي لإجراءاته، حزام دعم ناعم مطلوب ومرغوب فيه بشدة في بلد تحتل فيها المرأة مكانة مهمة تزاحم فيها العنصر الذكوري على أكثر المناصب حساسية. 

قرار التعيين يذهب أيضا في جانب منه لتهدئة مخاوف عبرت عنها الولايات المتحدة ودول أوروبية من احتمال جنوح الرئيس التونسي لنظام استبدادي خاصة بعد أن جمع كل السلطات بين يديه، لكنه ينفي عن نفسه صفة الاستبداد أو الميل لنظام “توليتاري” ويجادل منتقديه بأن إجراءاته مؤقتة استدعتها ضرورة إنقاذ الدولة من الانهيار.  

حدد الرئيس التونسي أولويات العمل في المرحلة القادمة مع رئيسة الوزراء المكلفة والتي من المتوقع أن تباشر مهمة تشكيل الحكومة قريبا، قائلا في كلمة له نشرتها الرئاسة التونسية على صفحتها بفيسبوك “سنعمل على مقاومة الفساد ثم الاستجابة لمطالب التونسيين والتونسيات في التعليم والصحة والنقل والحياة الكريمة”.

كما لفت إلى البعد التاريخي لقراره قائلا “لأول مرة في تاريخ تونس امرأة تتولى الرئاسة حتى نهاية التدابير الاستثنائية وسنعمل معا على القضاء على الفساد والفوضى التي عمّت الدولة”، مضيفا “هذا شرف لتونس وتكريم للمرأة وهذه مسؤولية تاريخية والمرأة قادرة على القيادة…مثل الرجل”.

بدا واضحاً أن نجلاء بودن ستمارس مهامها ضمن السياقات والحدود التي رسمها الرئيس التونسي بعد قراراته الأخيرة التي اتخذها بمراسيم رئاسية وألغى بموجبها العمل بمعظم فصول الدستور، أي أن رئيسة الوزراء الجديدة ستكون رئيسة حكومة الرئيس.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
التطرف لم يهبط علينا من السماء كمؤامرة مدبرة من بلدان خارجية للتفرقة بيننا، كما يتم الترويج في الإعلام والندوات الثقافية، لكنه نتاج تصورات مسمومة تسللت بشكل تراكمي عبر الكيانات الدينية والاجتماعية والسياسية في مصر حتى بات التطرف طبيعة يصعب حصارها.
Play Video

2:46

Play Video

3:01

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني