قيس سعيّد “ينسف” الديموقراطية: هل دخلت تونس مرحلة “الرئيس الأوحد”؟

الخوف أن تخرج ورقة الشارع عن السيطرة في ظل درجة الشحن وأن تنزلق الأمور إلى العنف.

لم يصدّق أحد في تونس منذ 25 تموز 2021،  تاريخ إعلان رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد، تجميد أعمال البرلمان والحكومة، بأن سعيّد ماضٍ حقاً في تنفيذ مشروعه المرتكز أساساً على نسف كل مقومات الديموقراطية الناشئة منذ 2011 بمؤسساتها الدستورية وهيئاتها المستقلة. حتى المكاسب المحققة في مجال حرية التعبير والصحافة تم استهدافها وبدا سعيد وكأنه عازم على الهدم لكل هذا وراغب في إعادة البناء وفق منطقه هو وأهوائه. أو بالأخص استجابة للشعار الذي يردده منذ حملته الانتخابية في 2019 وحتى اليوم وهو “الشعب يريد”. وأن كل ما يقوم به اليوم هو تنفيذ “أمين” للإرادة الشعبية التي اختارته منذ 2019، وساندته في قرارات تجميد عمل البرلمان.

وحتى المقربين من سعيّد، و تلك النخب القانونية والإعلامية والسياسية  التي شكلت حلقات دعم لحزامه الموسع وساندت قرارات 25 تموز، تراجعت عن موقفها بعد صدور الأمر عدد 117 الصادر في 22 أيلول/ سبتمبر 2021، والذي اعتبره العديد من أساتذة القانون الدستوري في تونس خرقاً جسيماً للدستور و حتى انقلاباً حقيقياً عليه.

تصحيح المسار الثوري أم احتكار لكل السلط ؟

صدور الأمر عدد 117 لسنة 2021 والمتعلّق بالتدابير الاستثنائيّة التي اتخذها رئيس الجمهوريّة قيس سعيد، كان بمثابة زلزال سياسي في تونس، لم تشهد له مثيل. أمر رئاسي تضمن ثلاثة وعشرون فصلا، أُدرجت ضمن أربعة أبواب، تمنح لرئيس الجمهورية صلاحيات واسعة لم يسبق أن وضعت في يد حاكم تونسي منذ دستور سنة  1959 بعد حصول تونس على استقلالها من الاستعمار الفرنسي.

حيث وضع الرئيس يده وفقا لـ”دستوره” الجديد على السلطتين التنفيذية والتشريعية معا. 

إذ نصّ  الفصل الرابع من الباب الثاني، من الأمر الرئاسي المذكور على أنّ إصدار النصوص ذات الصبغة التشريعية يتمّ في شكل مراسيم يختمها رئيس الجمهورية، ويأذن بنشرها بالرائد الرسمي وذلك بعد مداولة مجلس الوزراء.

كما منح لنفسه صلاحيات اختيار رئيس الحكومة وتعيين الوزراء وحذف الوزارات التي لا يرى بدا منها.

ووفق الفصل الخامس من نفس الباب، فإنّ النصوص التي تتخذ شكل مراسيم، تتعلّق بالموافقة على المعاهدات، وتنظيم العدالة والقضاء، وتنظيم الإعلام والصحافة والنشر، وتنظيم الأحزاب والنقابات والجمعيات والمنظمات والهيئات المهنية وتمويلها، إضافة الى تنظيم الجيش وقوات الأمن الداخلي والديوانة، والقانون الانتخابي، والحريات وحقوق الإنسان، وحتى الأحوال الشخصية، أمر أثار حفيظة حقوقيين، واعتبروه احتكاراً جلياً للسلطة بيد رجل واحد.

الدكتور أيمن الزغدودي أستاذ القانون الدستوري يعتقد أنه بعد صدور هذا الأمر قد تم تجاوز مرحلة النظام الرئاسي وتعيش تونس حالياً في ظل مرحلة الرئيس الأوحد. لأن رئيس الجمهورية وخلافا لما يروج  له مساندوه، فإنه قد  ألغى دستور 2014 نهائيا و احتكر كل السلطات في يده بعد  تعليق جميع اختصاصات مجلس نواب الشعب، ومواصلة رفع الحصانة البرلمانية عن جميع أعضائه، وإصدار تدابير خاصة لممارسة السلطتين التنفيذية والتشريعية. 

إن أخطر ما أقدم عليه رئيس الجمهورية هو تحصين المراسيم التي سيصدرها من الطعن في المحكمة الإدارية حتى و ان كانت معادية للحريات.

 القاضية روضة قرافي، والرئيسة السابقة لجمعية القضاة التونسيين لا تختلف في قراءتها للأمر الرئاسي مع أيمن الزغدودي. حيث تعتبر أن التونسيين يعيشون حاليا في ما أسمته 

دولة الأمر  117″، واعتبرته انقلابا على هرم القوانين التي يتم تدريسها في الجامعات التونسية وفق تدوينة لها عبر حسابها على فيسبوك”. تضيف قرافي”

 ينقلبُ هرم القوانين رأسا على عقب، أحكام الدستور هي  التي  يجب أن تتطابق ولا تتعارض ومقتضيات الأمر الرئاسي وإلا عدت لاغيه هكذا. قد أتفهمٌ المواقف السياسية لبعض أساتذة القانون المناصرين  لرئيس الجمهورية، ولكني أعجز على فهم  ما أصاب النزاهة الفكرية والعلمية  للبعض منهم في تبرير ما لا يبرر قانونا .

في حين يرى المحلّل السياسي توفيق العياشي أن الأمر الصادر عن رئيس الجمهورية لم يكن بالمستبعد بل كان متوقعاً لأنه قد لمّح إلى أنه عازم على تنفيذها بوضوح يوم 25 تموز الماضي، لكنّ حركة النهضة وشركائها السابقين في الحكم، وحتى مسانديه من الأحزاب السياسية لم يتلقفوا جيدا هذه الرسالة. واعتبرَ العياشي في تصريحه لـ”درج” أنَّ سعيّد يسيرُ بثبات في مشروعه السياسي الذي يريد أن يكون النظام فيه رئاسياً ويكون فيه الفرد ومن ثمَّ الشعب مصدر السلطات والسيادة على حد تعبيره.

ويعتبر العياشي أنه ما يسمى بالديموقراطية الناشئة منذ 10 سنوت إبان ثورة 2011  في تونس تعدُّ منظومة فاسدة، تغوّلت فيها المؤسسات الدستورية مثل البرلمان، وخضعت تحت سلطة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي “الحاكم بأمر الله”، وتجاوزت فيها بعض الهيئات المستقلة صلاحياتها وحتى تخللتها شبهات فساد، وهذا ما يحمل رئيس الجمهورية على الاعتقاد بضرورة نسفه وتغييره كلياً. وذلك بنظام خاضع للمساءلة والمحاسبة ولا يكرّس للإفلات من العقاب التي شجعت حركة النهضة على انتشارها، منذ قانون المصالحة مع الفاسدين ممن أضروا بالمال العام ومع رجال الأعمال المتهمين بنهب الثروات في تونس.

سعيّد يعتبرُ كل المؤسسات “الديموقراطية” السابقة لـ 25 تموز بما فيها البرلمان، مؤسسات فاسدة لا تخضع للمساءلة والمحاسبة وحتى بعض الهيئات الوطنية والدستورية تجاوزت بعض صلاحياتها وحامت حولها شبهات فساد. لذلك يجب منح فرصة حقيقية لقيس سعيد لتسيير الحكم لأن النهج الذي يتبعه حالياً هو إصلاحي للمسار الثوري.

يرى العياشي أن على قيس سعيد البدء بسرعة في إصلاح الأمن والقضاء لأنها المرافق الحيوية التي يستشري فيها الفساد بقوة وسيطرت عليها حركة النهضة وأحدثت فيها شرخاً كبيراً، تسبب في سرعة اهتراء الدولة. ومن دون الانكباب على إصلاح الأمن والقضاء لن ينجح مشروع  سعيد الإصلاحي في باقي المجالات.

مشروع قيس سعيّد السلطوي في مواجهة المعارضة التقليدية

الأمر الرئاسي الذي ألغى كل المؤسسات التعديلية بما في ذلك الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين و يمنع الطعن في المراسيم، خلَّف ردود أفعال سياسية عدة حتى من الأحزاب التي ساندت قيس سعيد من قبل 25 تموز وبعده، مثل التيار الديموقراطي الذي وقع بياناً مشتركاً مع كل من أحزاب “الجمهوري” والتكتل من أجل العمل والحريات” و “أفاق تونس”، اعتبرت فيه هذا الأمر الرئاسي خروجاً على الشرعية وانقلاباً على الدستور الذي أقسم رئيس الجمهورية على حمايته ودفعاً بالبلاد نحو المجهول. كما وصفته بفاقد للشرعية بعد خروجه عن الدستور وأن كل ما بني على هذا الأساس باطل ولا يمثل الدولة التونسية وشعبها ومؤسساتها وتحمله مسؤولية كل التداعيات الممكنة لهذه الخطوة الخطيرة.

من جهته اعتبر “حزب العمال” في بيانه الصادر يوم 23 أيلول/ سبتمبر أن تونس ماضية في نهج استبدادي خطير، يجعل من رئيس الجمهورية حاكماً أوحداً للبلاد ودعا أنصاره لمقاومة هذا النهج وعدم التفريط في الدستور الذي كتب بنضالات باهظة الثمن وبدماء شهداء التونسيين.

حركة النهضة فعبرت عن رفضها تعليق الدستور وتعويضه بتنظيم موقت للسلطات وحذرت من حكم فردي مطلق و فاقد الشرعية، كما دعت القوى التقدمية إلى توحيد الصف ولا تعالي عن الخلافات دفاعاً عن قيم الجمهورية والديموقراطية. وهو ما تجسد بمظاهرة حاشدة أمام المسرح البلدي بتونس العاصمة في شارع الحبيب بورقيبة رفضاً للانقلاب على ما أسموه الشرعية الدستورية ورفع المحتجون شعارات تدعو لعزل الرئيس ومحاكمته.

المظاهرة تجاوز عدد المحتجين فيها الثلاثة ألاف شخص، شاركت فيها قيادات من حزب قلب تونس، حركة النهضة وائتلاف الكرامة و سياسيين مقربين من هذه الأحزاب ذات المرجعية الدينية مثل جوهر بن مبارك.

 المحلل السياسي توفيق العياشي في تعليقه على هذه المظاهرة يرى أن  الاحتكام الى الشارع لن يغير كثيراً في المعادلة لان الرئيس سعيّد يمكن ان يلجأ الى نفس السلاح ويدفع بالآلاف من انصاره الى التظاهر.

لكن الخوف أن تخرج ورقة الشارع عن السيطرة في ظل درجة الشحن وأن تنزلق الأمور الى العنف.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني