سوريا: العطر في غرفة الإنعاش

 لن يحجب العطر رائحة الحرب ولا ذاكرتها لكنه ربما ينعش الأمل بأن الحياة أقوى، ويبقى العطر قوة من أجل البقاء وإن في غرفة الإنعاش، يبقى أقوى من الموت والتلاشي.

يبدو المشهد ممتلئاً بالتناقض، أوضاع اقتصادية بالغة الهشاشة تعصف بالبلاد وأهلها، فيما محلات بيع العطور تعج بالزبائن.

في سوق الحميدية، حيث أشهر محلات العطور المركبة في دمشق، يصطف أكثر من عشرة شباب، يختار كل منهم اسمين أو أكثر، أسماء حديثة متأثرة بالدراما التركية مثل “عطر حريم السلطان” أو “عطر السلطان”، وأخرى متأثرة بالذوق الخليجي مثل “زهرة الخليج”، أو “عطر العود”، وأسماء قديمة لماركات عطور عالمية معروفة، مثل “هوغو” و”شانيل” و”غرافيتي” و”الياسمين” و”هامول”، عدا عطور خاصة للعرائس والأطفال، وعطور تحت مسميات لافتة مثل “عطر قاهر الرجال” و”قاهر النساء”.

دخلت تجارة العطور المركبة إلى سوريا في أوائل الثمانينات في عملية تشبه الاعتداء على مهنة العطارين التقليدية، وفي أحسن الأحوال بدت وكأنها محاولة استبدال عصرية لمهنة العطارة المتأصلة في المجتمع والسوق التجاري السوري، وصار العطر رائجاً وموجوداً خارج دكاكين العطارين وصالونات الحلاقين. 

وفي أوائل التسعينات تحولت إلى تجارة رائجة ورابحة، وانتشرت محال بيع العطور بصورة متزايدة، وإن ترافقت في بدايتها مع تجارة بيع الإكسسوار والحلي التقليدية والساعات، وقد تضاعف انتشارها حتى اختلطت عملية بيع العطور مع المنتجات الأخرى مثل محال بيع المكياج، والمكتبات وأحياناً في محال بيع الهدايا وأشرطة التسجيل والأشرطة المدمجة. وقد وصلت العطور إلى منافذ بيع جديدة في أسواق طارئة قد لا تتجاوز جزءاً صغيراً من غرفة في بيت شعبي، أو جزءاً من محل ورثه أخوان، فتقاسماه وكل منهما يبيع ما يختاره في حيزه الضيق.

من الواضح أن أدوات تركيب العطور البسيطة تقنياً وغير المكلفة، وقابلية المواد المكونة للعطور للتخزين وعدم تعرضها للتلف بفعل الزمن، وعدم الاحتياج إلى خبرة واسعة لمزاولتها، عوامل ساهمت في تحول بيع العطور المركبة إلى مهنة تشجع الجميع على ممارستها، حتى إن من يتعذر عليهم فتح محال خاصة، لجأوا إلى تركيب العطور في بيوتهم، لتسويقها في مراكز عملهم لزملائهم أو لأقاربهم أو للجيران، وربما يضعونها برسم الأمانة لدى محلات البقالة  وبيع المنظفات التي تبيع كل شيء، أو حتى في الصيدليات، والبعض يكتفي بتركيبها للهدايا الشخصية أو لاحتياجات أفراد العائلة.

وقد أثبت العطر قيمته التسويقية الفائقة، فتحول إلى هدية جميلة، ومبعثاً للسعادة والشعور بمواكبة الأناقة والتجدد والانتعاش، بخاصة للعاملات في المصانع والورش الخاصة الراغبات بالاعتزاز بعطورهن الجميلة، وطلاب وطالبات الجامعة الذين يتبادلونها هدايا حب او عربون إعجاب، إضافة إلى الموظفين والموظفات الجدد وبخاصة في المراكز الخدمية ومواقع استقبال الزبائن، وكذلك المراهقين والمراهقات، الذين يجدون في العطور تأكيداً على تجاوزهم مرحلة الطفولة.

توسعت تجارة العطور وافتتح أصحاب العلامات التجارية المشهورة فروعاً عدة، معتمدين على مراكز خاصة لتوزيع منتجاتها حصرياً، فبقيت هذه التجارة محصورة في المدن الكبيرة، وتعددت أماكن توزعها فغدا في كل حي محال كثيرة للعطور التي تنتشر في الأحياء الشعبية في المدن لتلبية  أذواق جميع السكان وقدراتهم الشرائية، واستقطبت زبائن من كل مكان.

انتشرت الإعلانات عن تركيبات عطرية جديدة بأسماء جديدة وبراقة واشتد التنافس، أغلقت بعض المحلات بسبب التنافس الحاد بخاصة في مساحة جغرافية واحدة، أو لعجز مالي لحق بمزاولي المهنة، أو بسبب عدم امتلاكهم الخبرة التسويقية لاقتناص الزبائن وإغرائهم.

ذات حرب، توقفت محال العطر عن البيع وعن تركيب العطور، امتزج الهواء بروائح تكره العطر وتحجبه، رصاص وبارود، موت ودم، تغيرت الأمكنة، وبعضها صار خارج الحياة حين هجره أهله، صار العطر ترفاً، أو سبباً للموت إن كان محل بيعه في منطقة غير آمنة أو مستهدفة.

 محال العطور باتت في طي النسيان كما أصحابها الذين سافروا أو ماتوا أو غابوا، والحرب تكره العطر ولا تؤمن بلطف الهدايا وثقافة الحياة.

 عام 2011 كان غرام العطر بالجملة خمس ليرات، واليوم يبلغ سعر الغرام الواحد 800 ليرة، لكن تجارة العطور أثبتت أنها التجارة الوحيدة التي عادت بقوة، وتوسع انتشارها وبخاصة في الأرياف، التي انتقل إليها سكانها الأصليون وبعض من سكان المدن طلباً للنجاة والسلامة، وهناك أسسوا تجارة جديدة لاقت رواجاً سريعاً. غيرت الريفيات عاداتهن، واختفت وريقات العطرة والحبق من صدور النساء، واستبدلن العطور الطبيعية مديدة العبق بعطور صناعية وسريعة الزوال، وبات العطر مطلوباً بشدة ومحلات بيعه الكثيرة تستقبل المزيد من الزبائن. 

ضربة جديدة لحقت بسوق العطور، إذ ارتفعت أسعار العبوات الزجاجية والبخاخات والأغطية، ودخلت العبوات البلاستيكية الملونة السوق بدلاً من الزجاجية الغالية المستوردة من الصين غالباً.

تغيرت خارطة العطر، نما في بيئة جديدة وودع بيئاته الأصلية التي صارت خراباً أو زاوية للنسيان، أو تعذرت إعادة فتح المحال المقفلة لارتفاع قيمة الإيجارات، فالتحق مزاولو المهنة بصفوف العاطلين من العمل أو العمال المياومين.

 على البسطات الشعبية، زجاجات ملونة وممتلئة بالعطر، الكل يعرف أنها أرخص سعراً وأقل جودة وقد تسبب حساسية. لكن طلابها كثر و”سوقها ماشي”، في ظل الغلاء الخانق، وتحكم موزعين محددين باستيراد المادة العطرية الأساسية (الإسانس)، وصعوبة الاستيراد وارتفاع قيمة تكاليفه والضرائب المفروضة عليه، كما أن المنافسة بين بعض أسماء المحلات المشهورة جعلت أسعارها أعلى إضافة إلى اسم العطر ذاته، والذي تذيع شهرته في فترة محددة، فيزداد الطلب عليه ويرتفع سعر الغرام الواحد منه. وعلى هامش البيع لجأ بعض المصنعين وأصحاب محال البيع إلى توظيف شابات وشباب لتوزيع قصاصات كرتونية مشبعة برائحة مشهورة أو جديدة للترويج لها وترغيب زبائن جدد بشرائها.

هل نجت تجارة العطور؟ لا أحد واثق من ذلك، لكنها في مرحلة الإنعاش في غرفة العناية المركزة، وعلى رغم أن عدد المحلات أقل، لكنها تحقق وارداً أكبر، هل يعني الوارد الكبير ربحاً؟ الباعة يصرحون بأن الأرباح تراجعت بشدة، لكن مهنة تركيب العطور وبيعها، ما زالت تطعم خبزاً، لكنها في الوقت ذاته باتت عصية على كل من مارسها سابقاً لبساطة تجهيزاتها وسهولة شراء موادها الأولية، نعم لقد باتت مهنة الأغنياء والأقوياء، كما الكثير من المهن الأساسية والرائجة.

 لن يحجب العطر رائحة الحرب ولا ذاكرتها لكنه ربما ينعش الأمل بأن الحياة أقوى، ويبقى العطر قوة من أجل البقاء وإن في غرفة الإنعاش، يبقى أقوى من الموت والتلاشي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
أحمد عاشور – صحافي مصري
تكشف “وثائق باندورا” عن استمرار شركات رجل الأعمال سمير حسن في جزر العذراء البريطانية، على رغم العقوبات التي طاولته منذ بداية الثورة السورية، بل إنه أسس شركة جديدة عام 2015، متخصصة في العقارات، أحد مجالات عمله في سوريا.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني