صهاريج “حزب الله” و”الانتصارات” المفلسة

إعلام حزب الله، سارع إلى توصيف وصول الصهاريج كانتصار كبير، وكسر للمعادلات، للتغطية على الإفلاس الذي أصاب مفهوم الانتصار لدى "المقاومة" حيث بات المفهوم بلا موضوع، بعدما كانت تزوده بالمعاني الزائفة، في وقت سابق.

لم تتأخر الجريدة الناطقة باسم “حزب الله” في لبنان، في استخدام تحليلات مضخمة لتفسير حدث إدخال “المقاومة” صهاريج وقود عبر سوريا، بحسب “وعد” الأمين العام حسن نصر الله. فقد ربطت الحدث، بمعادلات كبرى، بينها “إثبات تعزيز معادلة الردع في وجه العدو الإسرائيلي”، و”كسر الحصار الأميركي” و”المحرمات”. والربط هذا، قُصد منه، على الأرجح، نقل الحدث من كونه استثماراً للحزب بالانهيار الحاصل في لبنان، إلى كونه “انتصاراً”، تحتفي به البيئة الحاضنة.

 غير أن الصحيفة، وهي تدرج الحجج، حول أهمية، الحدث، ومنحه تأويلات وتحليلات وتفسيرات، تتعلق بالصراع مع إسرائيل وأميركا، التي “تحاصر” لبنان، فهي أيضاً تخفض من قيمة الانتصار، وتحيل موضوعه، من تحرير للجنوب و”انتصار” في حرب تموز، إلى إدخال صهاريج وقود لكسر حصار متوهم. اللغة نفسها التي استخدمت، في الـ2000 والـ2006 تستخدم اليوم مع تطوير يناسب اللحظة الراهنة وتحولاتها، إلا أن الحدث تغيّر من مشهد تحرير وحرب، إلى إدخال صهاريج وقود، أي أن الانتصار فقد موضوعه، وبات تفسيره يتطلب لغة سابقة، لا تنتمي إلى الراهن. 

فعند تحرير الجنوب، استفاد “حزب الله” من المخزون الانتصاري غير العقلاني في التقليد السياسي العربي، وحصدت “المقاومة” في لبنان، شبه إجماع، وتم تأويل ما حصل باعتباره، علاجاً لهزائم سابقة وإيماناً بالقدرة على إحداث الانتصارات، ووضع الحدث في إطار الصراع العربي- الإسرائيلي، بكل حمولته الإيديولوجية، ما ساهم في توفير حامل عربي واسع له.

إذا كان انفصال الانتصار عن موضوعه، مرتبطاً بانكشاف موقع الحزب عبر التحولات السابقة، فإن الاستثمار السياسي لا يزال مستمراً، خصوصاً أن الانتصار بات لدى جمهور الحزب الذي استقبل الصهاريج بنثر الأرز وإطلاق الرصاص، آلية وحركة بدون معنى (صهاريج) بدل أن يكون فعلاً ينتهي بنتيجة (تحرير الجنوب).

 إلا أن حزب تموز، الذي أعلن الحزب انتصاره بعدها، لم تحظ بالإجماع العربي ذاته أيام تحرير الجنوب، ومفهوم الانتصار المرتبط بـ “المقاومة”، فقد الكثير من شموله السابق، وبات أكثر شيعية، وأقل ارتباطاً بفكرة الانتصار كما تراكمت في الوعي العربي على وقع الصراع مع إسرائيل. فالصراع الداخلي واختلاف أولويات الجماعات، الذي كان مكتوماً أيام تحرير الجنوب بسبب احتلال النظام السوري للبنان، بات مكشوفاً بشكل كبير بعد حرب تموز، بسبب، انخراط “المقاومة” في صراع افتتحه اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وانحياز الحزب لمحور متهم بالجريمة قبل أن يتضح تورط عناصره فيها.

هكذا، انخفضت قيمة الانتصار، لدى “حزب الله”، من كونه جزءاً من صراع مع إسرائيل، إلى معركة تُفتح لحسابات إقليمية، ويتم استثمارها في الداخل، لتحقيق غلبة طائفية، كما حصل في غزوة 7 أيار/ مايو.  اندلاع الربيع العربي، وانحياز “حزب الله” بانتقائية للاحتجاجات، خفّض قيمة الانتصار أكثر، خصوصاً مع وقوف “المقاومة” عسكرياً مع النظام في سوريا، وانخراطها في معارك ضد فصائل المعارضة. وهذا الانخفاض لم يكن بسبب الموقف من الثورة في سوريا وحسب، بل وأيضاً بسبب انتشار صور وفيديوات لعناصر في الحزب، أسروا أو قتلوا على يد المعارضين، ما أظهر الحزب الذي طالما سوّق خرافات حول انتصارات سابقة، في موضع الهزيمة المذلة والموثقة.

انهيار الصورة السابقة لعناصر الحزب توازى مع تراجع تأييده، عربياً ولبنانياً، حتى إن “المقاومة” كانت تبذل جهداً لإقناع مناصريها بالتحولات القاسية التي تمر فيها، مستخدمة كاريزما الأمين العام وقدرته الاقناعية، وكذلك التصعيد المذهبي، كحماية مزارات والتخويف من الخطر السني. ما جعل مفهوم الانتصار لدى مناصري “حزب الله”، دفاعاً عن الذات، من خطر “الإرهاب”، الذي استدرجته “المقاومة” إلى الضاحية نتيجة تدخلها في سوريا.

وبعد انقلاب الموازين العسكرية في سوريا لمصلحة محور الحزب، بات انتصار الأخير مرتبطاً بمظلومية السنّة، ليس بشقها اللبناني فقط، إنما العربي، وتحديداً المشرقي، بحيث تصدعت فكرة الانتصار أكثر، وباتت على تماس مباشر مع الحرب الطائفية في المنطقة.

إقرأوا أيضاً:

مع اندلاع الانتفاضة اللبنانية، وما تلاها من انهيار بفعل تعنت الطبقة السياسية وممانعتها التغيير، بات الانتصار، لدى “حزب الله” أكثر ابتعاداً من أي موضوع ومعنى. حتى الاحتكاكات الحدودية، مع إسرائيل، باتت تثير السخرية، بفعل انضباطها، من قبل الطرفين، ضمن “معادلة الردع” التي سوقها إعلام الحزب، ومعناها الفعلي، اللاصراع، من دون إعلان ذلك. 

وموضوعات انتصارات “المقاومة”، لم تكن مرة مفصولة عن أجندة الحزب، فتحرير الأرض، هو أيضاً امتلاك ورقة تساوم فيها إيران الغرب، والحرب، حرف انتباه عن جريمة اغتيال كبرى، وحصد مكاسب في لعبة التغلب الداخلية، ومواجهة “الإرهاب” نتيجة لانخراط في صراع لإنقاذ نظام يشكل جزءاً من محور إيران، وحالياً إدخال صهاريج الوقود الآتية من إيران عبر سوريا، ليس سوى تعويم لنظام حليف وتلميع لصورة الحزب ضمن خريطة الانهيار في الداخل.

بمعنى أن انتصارات الحزب كان دائماً لها معادل سياسي، يتعلق بأجندة “المقاومة” المرتبطة بإيران، إلا أن الموضوع الذي يبرر المعادل، تراجعت قيمته، من صراع مع إسرائيل يعوض هزائم العرب، مروراً بالحروب الأهلية والاغتيالات وإخضاع الطوائف، وقتل السوريين والانحياز لجلادهم،  وصولاً إلى قمع الثورة، وإدخال صهاريج الوقود. 

إعلام الحزب، سارع إلى توصيف وصول الصهاريج كانتصار كبير، وكسر للمعادلات، للتغطية على الإفلاس الذي أصاب مفهوم الانتصار لدى “المقاومة” حيث بات المفهوم بلا موضوع، بعدما كانت تزوده بالمعاني الزائفة، في وقت سابق، المضخات الإيديولوجية الضخمة، عربياً ولبنانياً. 

وإذا كان انفصال الانتصار عن موضوعه، مرتبطاً بانكشاف موقع الحزب عبر التحولات السابقة، فإن الاستثمار السياسي لا يزال مستمراً، خصوصاً أن الانتصار بات لدى جمهور الحزب الذي استقبل الصهاريج بنثر الأرز وإطلاق الرصاص، آلية وحركة بدون معنى (صهاريج) بدل أن يكون فعلاً ينتهي بنتيجة (تحرير الجنوب).

بمعنى أن هذا الجمهور لا يحتاج إلى تحرير أرض وصمود في حرب تموز، كي ينتصر، يكفي أن يرى صهريج وقود، ليحقق ذلك، خصوصاً أن الحزب يستعيض عن خلو انتصاراته من موضوعاتها، في وسائل إعلامه باستخدام لغة وقاموس الموضوعات السابقة، كي لا يشعر مناصروه، بأي فرق، ويصبح الصهريج بسوية التحرير، وربما أهم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
تحرك الجهات المختصة السريع حول العالم لدراسة البروفيل الجيني للمتحور الجديد أظهر مفاجآت في المتحور لم تكن بالحسبان
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني