fbpx

مؤشرا “جيني” والسيسي لفهم الفقر وقياسه في مصر

السيسي عبر صراحة عن توجهه إلى الإمساك بمالية الدولة، وربما المجتمع، بيده وحده "عاوز 100 مليار جنيه في إيدي وحتشوفوا"...

أثناء نقاش صاخب، نوعاً ما، بين أصدقاء، طُرح سؤال: هل هناك تعريف محدد للفقر في مصر، وهل من طريقة محددة لقياسه؟ وبرزت إجابات عدة، استندت إحداها إلى ما جاء في تقرير “الوضع السكاني 2016″، وجاءت إجابة ثانية، مرتكزة على “مؤشر جيني”، أما ما أخذ الحيز الأكبر من الاهتمام فكان “مؤشر عشوائية السيسي”.

هناك تعريفات كثيرة محددة لمصطلح الفقر، وبحسب تقرير “الوضع السكاني في مصر” الذي شارك فيه: المجلس القومي للسكان، صندوق الأمم المتحدة للسكان  في مصر(U N F P A)، ومركز بصيرة (المركز المصري لبحوث الرأي العام)، فإن تعريف الأمم المتحدة قد انطوى على جميع عوامل ونتائج الفقر. فالفقر، هو “عدم القدرة على الحصول على الخيارات والحصول على الفرص المتاحة” بعبارة أخرى، فإن هذا يعني نقص الغذاء أو الملبس الكافي وفقاً لاحتياجات الأسرة، أو نقص المدارس (التعليم) أو المرافق الصحية (الصحة) أو عدم توفر الأراضى للنمو أو العمل لكسب العيش (الدخل) أو صعوبة الوصول إلى الأدوات الائتمانية، ونتيجة نقص هذه العوامل قد يصل المرء إلى حالة من عدم الأمن أو العجز أو الاستثناء أو التهميش”. 

وبقدر تعدد تعريفات مصطلح الفقر، فهناك، أيضاً، الكثير من الأساليب المستخدمة في قياسه. ويعتبر مقياس الفقر وفق معيار المال، والطرق القائمة على معدل الإنفاق، ومؤشر معامل “جينى”، ومؤشرات الفقر متعددة الجوانب من بين أهم المؤشرات المستخدمة في قياس الفقر.

أما مؤشر معامل “جيني” لتفاوت الدخول، فهو يستخدم لقياس عدم المساواة ويعمد إلى تقييم مدى الخلل في توزيع الدخل (أو الإنفاق) بين الأفراد أو بين الأسر مقارنة بالمعدل الأمثل، يمثل الرقم صفر على مؤشر “جيني” أفضل مستوى للمساواة بينما يمثل الرقم 100 حالة عدم مساواة كاملة. ويعتمد معامل “جيني” على مؤشرات التنمية على المستوى الوطني، لكنه لا يأخذ في الاعتبار جودة موارد أخرى من قبيل الإسكان والخدمات وفرص العمل، وهي، جميعا، تترك تأثيراً مباشراً في نوعية حياة المواطنين. 

هدايا الرئيس

مقترح “مؤشر السيسي” للفقر في مصر فيه بعض الطزاجة، وهو يرتكز على متابعة خبرية، تبدو “إجبارية”.

راهناً ظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي، مرتين، عبر القنوات الإخبارية المصرية، وحملت الصحف تفاصيلهما، وجاءت العناوين على هذا النحو: “عمو أنت هتلف على البيوت كلها؟… السيسي يستمع لأطفال منطقة الرويسات”، و”بعد مكالمة الرئيس السيسي.. “بوسي”: بكيت من الفرحة وده رزق عيالي وأمي”.

بادر السيسي، بعد توقف سيارته، وفتح بابها، وتحلق عدد ضئيل من المواطنين والأطفال حوله، قائلاً: “السلام عليكم الأول، حضراتكم عاوزين إيه؟”، فيرد عليه أحد المواطنين عارضاً حاله وطالباً للمساعدة.

 بعد بث مقطع الرويسات “مدينة شرم الشيخ”، مباشرة، أكد الإعلامي أحمد موسى أن المواطنين على ثقة كاملة بأن المطالب التي وجّهوها للرئيس ستتم الاستجابة لها، وقال: “ما حصل مهم للغاية، هذا أحد حقوق الإنسان…علينا ترجمة هذا الفيديو وإرساله لهم، أو السفارة الأمريكية التي تطلع على كل شيء.. يجب إرسال هذا الفيديو للكونجرس أو وزارة الخارجية الأميركية، هذه هي حقوق الإنسان”.

أما بوسي، التي بكت من الفرحة، والتي تصفها القنوات والصحف بأنها “أشهر حدادة بمدينة المنصورة في محافظة الدقهلية”، فقد أعربت عن “سعادتها بتلقيها مكالمة من الرئيس السيسي وتحقيقه أمنيتها في أن تكون لها ورشة حدادة”.

قبل الواقعتين بأيام أتاح خبر عنوانه “مستقبل وطن: الرئيس السيسي أرسل هدية لطفل المحلة المختطف احتفالا بعودته”، للصحف وضع سياق عام حمل عنوان  “هدايا الرئيس السيسي للمواطنين”.

هدية الرئيس لأسرة الطفل المختطف، عقب تحرير قوات الأمن له من أيدي تشكيل عصابي مسلح، قدمتها نيابة عنه، قيادات حزب مستقبل وطن بمحافظة الغربية، وهي عبارة عن “عجلين” و”لاب توب”.

السياق العام يبدأ عام 2016، وقد “تفننت” القنوات التلفزيونية والمواقع الخبرية والصحف المصرية في صك تعبيرات تلخصه، وتبين “رسالتها”، وهي ترد هنا بصيغتها: السيدة صاحبة صورة جر عربة البضائع بالإسكندرية. فتاة التروسيكل. هدية مجند العلمين. هدايا الحج. سيدة الميكروباص. عامل الدليفري. كفيفة شمال سيناء.

في كل هذه الوقائع هناك نمط ثابت كشف عن جانب منه الرئيس السيسي في مداخلته الخاصة بالسيدة بوسي: “باشتغل وباشوف التلفزيون، ولما بيكون في حاجة باعمل…”، الجانب الثاني متابعة ما ينشر فيتدخل، الجانب الأخير، وهو الأبرز، التوقف أثناء سير موكبه واتخاذ ما يراه.

يبادر الرئيس بالسؤال: عايز حاجة؟، أو يبادر صاحب الحاجة.

هذا السياق العام يطرح أسئلة عدة: هل لا يصادف الرئيس إلا صاحب حاجة؟ كم هي الحالات التي صادفها ولم تكن لديها “حاجة/ مطالب”. فلنأخذ المجند أيمن، مثلاً، فكم مجنداً تتشابه حالته الاجتماعية مع أيمن؟ كم “أيمن” ليس مجنداً وتتشابه حالته الاجتماعية مع المجند أيمن؟ وهكذا مع الحالات الأخرى.

هل هذه الحالات التي عُرضت وقائع حالاتها عبر الشاشات، أم أن هناك ملايين تتشابه حالاتهم معهم؟

هل سيكون من الخطأ القول إن هناك نهجاً “عشوائياً” في الأمر، أو مصادفات، حظوظاً؟

أم سيكون من الصواب أن السيسي بظهوراته هذه يقدم مؤشرا للفقر والحاجة يشمل كل مكان يذهب إليه؟

لا يستطيع أحد جزم ما إذا كان الرئيس قد شاهد حالات أكثر حدة وتجاهلها، شاهدها مباشرة بالمقابلة الشخصية وهو يسير على الطريق، أو شاهدها عبر التلفاز. ولكي نعرف الإجابة هناك طريقة سهلة فليكن الرئيس على الهواء مباشرة كل ساعات اليوم، عندها سنتمكن من معرفة: هل هذه كل الحالات أم أن هناك غيرها، ولكن هذا انتهاك للحياة الشخصية، ولذلك سيكون صحيحاً القول إن الرئيس يقدم مؤشراً للفقر في مصر يتفوق على تعاريف الأمم المتحدة وعلى مؤشر جيني.

المعضلة مركبة ولها تأويلات مزعجة، فكل من “تكرم” الرئيس عليهم يعملون، صحيح قد تكون ظروفهم “صعبة” لكنهم ليسوا عاطلين من العمل، سيدة ميكروباص كانت تعمل، فمنحها ملكية سيارة، فماذا عن الملايين الذين هم في وضع أسوأ؟

الأكثر إزعاجاً وألماً وقسوة أن الرئيس لم يقابل أحداً “يترفع” عن السؤال، على رغم حاجته. ولم يقابل أحداً يعرض لموضوع أو شكوى عامة، تخصه وتخص الآخرين.

حين يقال “الرئيس لم يقابل”، فإن هذا يستند إلى ما يتم بثه، ولقد استبعدنا امكانية أن نتابع الرئيس، كما في برامج الواقع، لنقف على “حقيقة” هل هؤلاء كل من قابلهم أم أن هناك آخرين؟

والأهم: هل هذه العطايا من مال الرئيس شخصياً؟ فإن كانت كذلك فوجب نصحه بعدم بث مثل هذه المقاطع المصورة كي لا يفقد “الثواب”، أم أن هذه “العطايا” من مال عام؟ وهنا يتوجب التنبيه إلى أن هذه الطريقة في توزيع المال العام ستكون وفق مؤشر معامل جيني، عدم مساواة بنسبة 100 في المئة، لأن مجموع من صادفهم السيسي و”منحهم” هدايا لا يتجاوزون نسبة 1 في ثلاثين مليون على الأقل، وإذا كانت “العطايا” من مال عام فهل هي من حساب خاص يتبع رئاسة الجمهورية، أم من صندوق “تحيا مصر”؟

لصندوق “تحيا مصر” قصة ومسار؛ فأما القصة فتبدأ من الشهور الأولى التي تلت ثورة 25 يناير 2011، حين صار الحديث عن الصناديق الخاصة من المحاور الرئيسية لأي تفكير في إصلاح مالية الدولة، وقد استفاض في عرض “معضلة” تلك الصناديق تحقيق صحافي (الشروق، 17 أيار/ مايو 2012) تصدرته هذه الفقرة: “(عاملة بالظبط زى الأولاد اللي جايين من علاقة غير مشروعة)… لم يجد وزير المالية السابق، حازم الببلاوى، تعبيراً أدق من ذلك ليُشَبه به الصناديق الخاصة، هذا وصف دقيق لوضع الصناديق التي لا يوجد منها ما هو نظيف 100 في المئة”… العلاقة غير المشروعة هنا كانت بين السلطة وعدد من المسؤولين في مختلف الجهات، أنجبت عدداً من الصناديق كبرت يوماً تلو الآخر حتى أصبحت سرطاناً يصعب علاجه بين يوم وليلة”.

الصناديق الخاصة ما زالت معضلة شديدة الغموض، وهي صناديق أنشأتها وزارات وهيئات حكومية.

 لكن حازم الببلاوي إذ وجد نفسه رئيساً لمجلس الوزراء يوم 16 تموز/ يوليو 2013، أراد أن “يجرب” صندوقاً “مشروعاً”، فأصدر القرار رقم 1118 بإنشاء صندوق “دعم مصر”، وحصد استجابة واسعة، فبعد أقل من أربعة أشهر، بلغت تبرعات المصريين للصندوق مبلغ 771 مليون جنيه، وكان الببلاوي أصدر قبلها بشهر قراراً بتشكيل مجلس أمناء الصندوق (الدكتور فاروق العقدة، والدكتورة نادية مكرم عبيد، والمهندس محمد الأمين، والمهندس نجيب ساويرس، والدكتور جلال أمين، والدكتور هاني سري الدين، وخيري رمضان، والشاعر أحمد فؤاد نجم، وممثل عن وزارة الدفاع). وأعلن الببلاوي أن الصندوق “مؤسسة ذات نفع عام وفقاً لقانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية، تقبل التبرعات المقدمة من المواطنين والجهات الوطنية والأجنبية لدعم مصر، وتؤول إليها التبرعات الواردة بحساب 306306 بجميع البنوك المصرية، على أن يتم الإنفاق منها في أغراض التعليم والصحة والبنية التحتية في القرى وتشغيل الشباب، وسيتم الإعلان عن كل ما سيصل الصندوق من أموال وطرق استثمار تلك الأموال، وذلك كل ثلاثة أشهر؛ عبر وسائل الإعلام والموقع الخاص بالصندوق”.

وقد انتهت قصة “دعم مصر” سريعاً جداً، فبعد ثلاثة أشهر قدم الببلاوي استقالة حكومته للرئيس الموقت، عدلي منصور (شباط/ فبراير 2014)، وجاءت حكومة إبراهيم محلب، فتباطأت حركة “دعم مصر”، ثم انتُخب الرئيس السيسي، وكما يذكر الموقع الرسمي لصندوق “تحيا مصر” في سرده لقصة الصندوق، فإنه “في 24 حزيران/ يونيو 2014 أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تنازله عن نصف راتبه البالغ 42 ألف جنيه مصري أي ما يعادل نحو 5900 دولار، وقتها، وأيضاً عن نصف ما يمتلكه من ثروة لمصر، ذلك في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد مطالباً المصريين ببذل الجهد والتكاتف خلال هذه المرحلة. وفي 1 تموز/ يوليو 2014 أعلنت رئاسة الجمهورية تدشين صندوق “تحيا مصر” تفعيلاً للمبادرة التي سبق أن أعلنها الرئيس بإنشاء صندوق لدعم الاقتصاد”.

إقرأوا أيضاً:

قانونان لصندوق واحد

لصندوق “تحيا مصر” مسار قانوني هو مثال نموذجي لـ”الاضطراب” التشريعي، اضطراب أقرب للانحراف، ففي 13 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2014 أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بالقانون رقم 139 بإنشاء صندوق “تحيا مصر”. وبعد نحو ثمانية أشهر أصدر قراراً بالقانون رقم 84 بإنشاء صندوق “تحيا مصر”، مرة ثانية. قانونان خلال ثمانية أشهر!

 وجاء في المادة الثانية عشرة من القانون الثاني: “ويُعمل به اعتباراً من 14 من نوفمبر 2014”. 

القواعد القانونية الأساسية تتضمن ألا يسري قانون بأثر رجعي، وما كان لهذا “الانحراف” إلا للتغطية على إجراءات تمت بموجب القانون الأول، ولم يشر القانون الثاني إلى الأول؛ بالإلغاء، مثلاً، كي يظل أثر هذه الإجراءات نافذاً. 

والمقارنة بين القانونين، ستتيح إمكانية الوقوف على الانحراف الأعمق. ولندع جانباً “التعجل” وسوء الصياغة، منذ الكلمة الأولى من المادة الأولى، ففي القانون الأول “ينشأ صندوق ذو طبيعة خاصة يسمى صندوق (تحيا مصر) تكون له الشخصية الاعتبارية ويتبع رئيس مجلس الوزراء…”، والصحيح ما جاء في الثاني “يُنشأ”، وفي الثاني أضيفت بعد “الاعتبارية”، وبعد الفاصلة (،) أربع كلمات: “ويتمتع بالاستقلال المالي والإداري”. 

المادة الثانية في القانونين واحدة: “يتمتع الصندوق بصفة خاصة برعاية رئيس الجمهورية وعنايته”، وهذه مادة محيرة قانونياً، فما الأثر القانوني لـ”الرعاية والعناية”.

 في المادة الثالثة من القانون الثاني سيظهر هذا الأثر “المحير”، فنصها كالتالي: “يُحدد رئيس الجمهورية بقرار منه أساليب الإشراف على الصندوق وإدارته وتصريف شؤونه المالية والإدارية، وذلك بما يتفق وطبيعة الصندوق ونشطه ويمكنه من تحقيق رسالته ومن دون التقيد بالنظم الحكومية المنصوص عليها في أي قانون آخر”، وهي مادة تعد “فلتة” بكل المعايير، فما معنى عدم التقيد بأي قانون آخر” إلا أن يكون “النشاط” خارجاً عن القانون.

في القانونين نص يلغي قرار الببلاوي “يلغى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1118 لسنة 2013 بشأن صندوق “دعم مصر”، وفور صدور القانون الأول (2014) أصدر رئيس مجلس الوزراء، إبراهيم محلب، قراراً بتصفية صندوق “دعم مصر”، ومن ضمنها أموال صندوق (306306)، ونقل أمواله إلى “تحيا مصر”، وقد ظهرت هنا مشكلة قانونية، فصندوق (306306) أنشئ كمؤسسة طبقاً لقانون التضامن الاجتماعي، وليس بمقتضى قرار رئيس الوزراء الملغى، وطبقاً لقانون التضامن لا تجوز تصفية المؤسسة إلا بناءً علي قرار من الجمعية العمومية للمؤسسة، وحال تصفيتها تؤول أموالها لوزارة التضامن”.

وهكذا ضرب قانون (قانونا، في الواقع) صندوق “تحيا مصر” البنية التشريعية والرقابية في الصميم، فقد أصدر مجلس الدولة فتوى في حزيران 2021، متعلقة بنشاط الصندوق، تكشف عن بعض الجوانب القليلة الظاهرة، حيث طلب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات من المجلس رأيه في “مدى خضوع الشركات التي يساهم فيها صندوق تحيا مصر، ومن بينها شركة “بوابة مصر للعالم الرقمية” لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات مباشرة.

الشركة يساهم فيها الصندوق بنسبة 66 في المئة من رأسمالها، وهو ما أثار شكوكاً حول مدى خضوع مساهمات الصندوق لرقابة الجهاز مباشرة.

وقد بينت الفتوى أن “الجهاز المركزي للمحاسبات يمارس أنواع الرقابة المقررة له على عدد من الجهات المحددة على سبيل الحصر، ومن بينها الشركات التي لا تعتبر من شركات القطاع العام والتي يساهم فيها شخص عام أو شركة من شركات القطاع العام أو بنك من بنوك القطاع العام بما لا يقل عن 25 في المئة من رأسمالها”، وبما أن شركة “بوابة مصر للعالم الرقمية” تعد شركة مصرية مساهمة من شركات القطاع الخاص، ويساهم صندوق “تحيا مصر” بـ66 في المئة من رأس المال، فمن ثم تدرج ضمن الشركات المشار إليها التي تخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات.

مساهمات الصندوق في شركات القطاع الخاص بعيدة تماماً من الرأي العام، فلا شفافية في أنشطة الصندوق المالية ومساهماته، وقواعد تلك المساهمات، وما شركة “بوابة مصر للعالم الرقمية” سوى مثال على الاضطراب الكبير الذي يغلف طبيعة الخيارات والأنشطة المالية، وبعضها قد يكون بعيداً بصورة ما مما نص عليه القانون كاختصاصات للصندوق.

ثم كان لقانون الصندوق تشريع ثالث، ففي 13 حزيران الماضي أصدر السيسي قانون رقم 68 بتعديل بعض أحكام قانون صندوق “تحيا مصر” نصت فقرته الأخيرة على “يعفى الصندوق من أي نوع آخر من الضرائب والرسوم المفروضة حالياً أو التي تُفرض مستقبلاً”، وهكذا أضحت مساهمات الصندوق في شركات القطاع الخاص معضلة ضريبية كبرى، لشركات القطاع الخاص (لا يعرف عددها، فالصندوق لا يفصح عن ماليته وتصرفاته) التي يشارك فيها الصندوق.

ذُكر مثال واحد، وهو شركة “بوابة مصر للعالم الرقمية”، فكيف سيتم التعامل معها، وهي كمثال تقف لتتحدى الرؤية التي يقدمها موقع الصندوق الرسمي، حيث نص على أن أهداف الصندوق هي “النمو الاقتصادي المستمر والشامل والحد من الفقر، تلبية احتياجات الفئات الأكثر فقراً، عقد شراكات بين القطاعات المحلية والإقليمية والدولية كمدخل للتنمية المستدامة، تشجيع مشاركة القطاع الخاص كمحور أساسي لدفع عجلة التنمية بالاشتراك مع الجهات الحكومية المسئولة”.

تم تطوير معامل جيني من قبل خبير الإحصاءات الإيطالي كورادو جيني (1885- 1965)، ونشر تحليلاته في مقال صدرت عام 1912، تحت عنوان “التباين والتغير”، ومنذ صدور المقالة أصبح عامل جيني، الذي يقيس درجة الارتباط بين توزيع المداخيل ومعطيات التنمية، أكثر مؤشرات قياس عدم عدالة التوزيع استخداماً، وهو يستخدم حالياً على نطاق واسع جداً في البحوث المتعلقة بالعدل والمساواة في توزيع الدخل والإنفاق العام. وعلى رغم ريادته في هذا المجال، إلا أن جيني كان متحمسا للغاية للفاشية، ومقرباً من زعيمها (موسوليني) وكتب في الدعاية والتنظير لها أبحاثاً، أشهرها “الأساس العلمي للفاشية”.

أما مؤشر السيسي الذي تم عرضه فهو وليد حالة مستمرة لمدة سبع سنوات، فالرئيس لديه قناعة نفسية راسخة بأنه يمتلك حق إدارة الشأن العام كله بالاستناد إلى تصوراته وحسب، وهو مهموم بعمق أخاذ، بسرعة الإنجاز مستنداً إلى تشكيلة واسعة من أدوات القوة في صورها المختلفة، لم تتح لحاكم مصري بهذا القدر في العصر الحديث. 

السيسي عبر صراحة عن توجهه إلى الإمساك بمالية الدولة، وربما المجتمع، بيده وحده “عاوز 100 مليار جنيه في إيدي وحتشوفوا”، وهو يرفض بعنف بالغ أي مطلب عام، وما نهره عضو مجلس النواب (2016) الذي طالبه برفع الحد الأدني للأجور سوى تعبير عن تمركز حول تصورات الذات الخاصة من دون أدنى إمكانية للحوار وتبادل الأفكار.

في الواقع تعيد نصوص قانون صندوق “تحيا مصر” وعشوائية مقابلات الطريق ومتابعات برامج التلفزيون تشكيل صورة الحاكم ليكون أقرب إلى ما قبل نشوء الدولة بمفهومها الحديث. 

وللتوضيح أكثر فإن الصورة التي تقدمها تلك المصادفات هي أقرب لأمير أو ملك يسير وسط أقنان، وسوء التشريع نابع من أمرين، فقد أمضى الرئيس أكثر من عام ونصف العام من دون برلمان، وحين عقدت الجلسة الأولى لمجلس النواب (كانون الثاني/ يناير 2016) كان أمامه عدد مريع من مشاريع القوانين التي عليه مناقشاتها وإقرارها (أو رفضها، طبعاً) خلال فترة وجيزة للغاية، والأمر الآخر أن البرلمان ظل يتلقى مشاريع القوانين من الحكومة ويقرها بسرعة بالغة، من دون نقاش يذكر. وهذه العلاقة بين الرئيس والبرلمان من أهم أدوات القوة التي يرتكز عليها، في ظل تغيب تام لدور النقابات، وجماعات العمل المدني، والأحزاب، وأصوات المفكرين وأصحاب الرأي، وأصحاب المظالم. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
القانون يبقى تفصيلاً يمكن تجاوزه أمام حقائق “السلم الأهلي”. وقصة “السلم الأهلي” لطالما لجأ إليها “حزب الله” لتدبير إحكامه الإمساك برقابنا!
Play Video

7:16

Play Video

5:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني