ياقة فراء على ثوب ممزق

البساطة هي الجمال. وأرقى الفنون هو الذي يتكلم عن نفسه. وعندما تنجزون عملاً يستحقّ الجوائز حقاً، سنحتفل معكم بهذا الإنجاز من كل بيت عربي.

حفل الجوائز الفنية السنوي لما بات يعرف بجوائز “الموريكس دور” الذي نُظّم أخيراً بدا كرنفالاً بالغ الابتذال. 

كان الحفل كمن وضع ياقة من فراء ثعلب أزرق على ثوب ممزّق.

الفراء يصدم النظر بفخامته والثوب لم تختفِ عيوبه.

تتحدّى المؤسسات الإعلامية والفنية المعنية الظروف القاهرة بأعمال لا تشبه الواقع الكارثي الذي يواجهه لبنان، ويحاول تجار الفن استحضار عناصر الإبهار الهوليوودية  لإنجاح استعراض لن يؤدي إلا إلى تراكمات عارٍ جديدة.

هل يستوعب مخرج هذه المسرحيات أن ظهور ممثلين وممثلات بملابس باذخة في احتفال تطغى عليه المجاملات والاستعراضات الفنية المعهودة في لحظة تعاني فيها بيروت من شحّ المواد الأساسية، يعتبر ابتذالاً بكل ما تعنيه الكلمة؟

إذا كان الفن والاستعراض ما زالا استثماراً رابحاً فلا شيء يدعو من نظم الحفل إلى توريط السياسة والاقتصاد ووضع بيروت في خطابهم الليلي الساهر.

لبنان الذي عبدنا مظاهره كان حقيقياً حتى النخاع . كنا نتقبّل فساتين صباح الفخمة وهي تغني: عالبساطة… البساطة. ببساطة لأن صباح حقيقية، صباح لم تكن مزيفة. 

صباح يمكن أن تمثّل لبنان الذي يكرّس للمظهر قيمة كبرى ولكن جوهره ما زال محفوظاً.

بيروت لم تكن تدّعي أنها سويسرا الشرق، لكن زوّارها أطلقوا عليها الاسم. 

 كانت تقدّم خدماتها بأريحية لا تخفى على محبيها. كان لون الجبال أخضر والبحر كان أزرق ومقاهي الرصيف متاحة للعابرين والزبائن الدائمين، وثرثرة المثقفين كانت متعة. 

كان المطعم البحري يتداخل مع البحر ويقدم السمك طازجاً من دون ادّعاء أنه ينتمي إلى سلسلة مطاعم عالمية. ومع ذلك كان “الميتر” يظهر ببدلة كاملة و”بابيون” في منتصف النهار. وكان حقيقياً تماماً مثل سطوع شمس نهار جميل فوق صخرة الروشة. 

وكذلك كانت المهرجانات الفنية. هل كان الفن تجارة رابحة؟ لا أدّعي أنني أعرف، لكنني أدّعي أنه كان يتماهى مع الواقع. 

اليوم ليس كالأمس.  

ماذا تعلمنا من الحرب؟ ماذا تعلمنا من خلافاتنا ؟ لا شيء. 

ها نحن نستعرض نساء بوجوه متشابهة وأزياء فخمة ورجالاً بوجوه متشابهة وبزات فخمة. ونعيد السيناريوات القديمة بحلل جديدة. نمتدح بعضنا بعضاً على إنجازات تافهة ونتفق جميعاً على ذرف دمعة الحزن السخيّة على بيروت الذبيحة. 

لست لبنانية ولكن يحقّ لي أن أطالب بحقوقي كعاشقة. لبنان عشق كل العرب. يجب أن يعود أصيلاً كما كان دائماً. الأصالة هي الفن الذي يعترف به العالم. أعيدوا لنا البساطة واتركوا الادّعاء جانباً. أعيدوا لنا قصي الخولي ابن العميد الذي يشبهنا وديمة التي لم تكن تستلم الجوائز إلا من قلوبنا.

البساطة هي الجمال. وأرقى الفنون هو الذي يتكلم عن نفسه. وعندما تنجزون عملاً يستحقّ الجوائز حقاً، سنحتفل معكم بهذا الإنجاز من كل بيت عربي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نور الدين حوراني – كاتب سوري
أتحدث عن الشعور الّذي فقدته في سوريا، ووجدته في لبنان. ولا أعظم من ثورة 17 تشرين، الّتي أعادت إليّ ثقتي بنفسي كإنسان، حين كنت أتابعها، وأبحث فيها عن كلّ شيء، ظل حسرة في قلوبنا كسوريّين، لأنه لم يتحقّق في ثورتنا.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني