سجناء مصر يستغيثون والسيسي :
“لا توجد انتهاكات!”

"إحنا هنفتتح أكبر مجمع سجون... جايبين نسخة أمريكية كاملة". بابتسامات ساخرة، تلقى كثيرون تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تأكيد نيته تطوير السجون المصرية. الاستراتيجية هي تطوير السجون وليس تخفيف أحكام السجن العشوائي

“إحنا هنفتتح أكبر مجمع سجون، واحد من 7 أو 8 هنعملهم في مصر، إحنا جايبين نسخة أمريكية كاملة، فيه كل شيء… حتى لو إنسان أذنب وبنعاقبه، مش هنعاقبه مرتين هنعاقبه مرة واحدة بإنه يقضي عقوبة في السجن”.

بابتسامات ساخرة، تلقى كثيرون تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حول نيته تطوير السجون المصرية في سياق ما سمي بـ”الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان“. 

لم يعلن السيسي مثلاً نية أو خطة للافراج عن آلاف المعتقلين والسجناء من المعارضين والحقوقيين والأفراد الذين تم اعتقالهم بأحكام تعسفية، بل حصر وعوده بتجميل السجون وتوسيعها.

علاء عبدالفتاح

بعد يومين من إطلاق الاستراتيجية، كان علاء عبد الفتاح الناشط والحقوقي المعروف منهارًا في قاعة إحدى محاكم القاهرة، حيث صارح محاميه، الحقوقي خالد علي، بنيته الانتحار بسبب وضعه المزري في السجن، وحرمانه من “كل حقوقه”، حسب قوله، “أنا في وضع زفت، ومش هقدر أكمل كده، مشوني من السجن ده، أنا هنتحر، وبلغوا ليلى سويف (والدته) تاخد عزايا”. 

قضى علاء عبد الفتاح أكثر من ألفي يوم في السجون المصرية منذ اشتعال ثورة الخامس والعشرين من يناير دون اتهام حقيقي سوى أنه يمثل الثورة وما بعدها من موجات احتجاجية ضد النظام العسكري، إذ أنه محتجزٌ في سجن “شديد الحراسة” الذي يحتفظُ بخصومة مع إدارته لتقديمه بلاغ ضدها لتعذيبه لدى دخول السجن في بداية القضية، كما أنه محرومٌ من جميع الحقوق الأساسية للسجين وفقًا للائحة السجون المصرية مثل : الكتب ودخول مكتبة السجن، والتريُّض، والزيارات، وغيرها.

يقول المحامي خالد علي تعليقًا على ما جرى: لأول مرة أجد علاء في هذه الحالة النفسية التي تدفعه لإخطارنا بإقدامه على الانتحار، وعلاء أعرفه عن قرب لا يكذب ولا يراوغ، ولا يقول إلا ما سيفعله. 

الحقوق بوابة التمويل

تتزايد الأدلة على تدهور الأوضاع الحقوقية داخل وخارج السجون. إعلان السيسي استراتيجية حقوق الانسان صدر بعد ساعات من قرار الولايات المتحدة حجب 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر “ما لم تحسن سجل حقوق الإنسان”. 

يكثر السيسي من الكلام عن الإصلاح السياسي، في خطاب يغازل الغرب الذي يحجب المعونات ويساومه بملف حقوق الإنسان للتضامن معه في ملف سدّ النهضة ضد الجانب الإثيوبي، ويقول للتليفزيون المصري: “لا يوجد أي شكل من أشكال انتهاكات حقوق الإنسان في مصر”. 

لكن ما هي استراتيجية حقوق الإنسان التي أعلن عنها السيسي؟

 استغرق وضع الإستراتيجية أكثر من عام ونصف، وكان عدد صفحات مسودتها نحو 100 تضمّ خلاصة تجارب 35 دولة، ووصفها مساعد وزير الخارجية المصري لحقوق الإنسان بـ”هذا ما نريده لمستقبل مصر”، قبل أن تدخل “مطبخ صناعة القرار” لتمر بالأجهزة المعنية والأمنية في الدولة، لتصدر نسختها النهائية في 78 صفحة.

22 صفحة حُذفت، وربما كانت تتضمَّن بنودًا للإصلاح السياسي لا تعترف الدولة بأهميتها، أو بوجود مشكلة من الأساس لنضع لها حلًا أو إستراتيجية، فخرج الجانب السياسي والحقوقي منها باهتًا ودون حلول حقيقية، إذ يتضمّن – فقط – تخفيف عدد الجرائم التي تنتهي بعقوبات سالبة للحرية، واكتفت في بند الحبس الاحتياطي بمطالبة أجهزة الدولة بالبحث عن “بدائل إلكترونية” لتفادي نقل المحبوسين إلى المحكمة. وفيما يخصّ السجون، أوصت بإنشاء سجون جديدة، وفي التقاضي، نصّت على فرض السرية على أسماء المتهمين دون أي توصية بتسريع عملية التقاضي للتخفيف عن “المحبوسين ظلمًا”، ولم تتحدث عن تفعيل دور الأحزاب أو المصالحة الوطنية مع المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية. ناقشت الاستراتيجية عقوبة الإعدام دون إشارة إلى إعادة النظر فيها أو تلافي “الإعدامات السياسية” رغم إشارة أحدث تقرير لـ”هيومان رايتس ووتش” لهذا الانتهاك الخطير.

يؤصِّل السيسي لتعريف جديد لـ”حقوق الإنسان المصري” لا يقترب من التعريف العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما وصفه في حفل إطلاق الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بـ”فلسفة مصرية ذاتية

ما يزيد من “صورية” الإعلان هو الأسلوب الذي استخدم، فالنظام أعلن عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، عبر حفل ضخم تم تأجيل إقامته عدة مرات كي يكونَ حفلًا أنيقًا، وعالميًا، يحضره سفراء دول وشخصيات عامة وجهات رسمية ومنظمات مجتمع مدني، ويتصدره الرئيس، الذي يضفي على ما يطلقه صفة أكثر رسمية والتزامًا ورسالة للغرب بأن الإستراتيجية ستدخل حيزَ التنفيذ فورًا. لكن هذا الاستعراض لا يشي برغبة حقيقية لدى الدولة في تصحيح مسارها، إنما احتواء للضغوط الدولية وتقليلها لحساب الحرب على جبهات أخرى، فغلب على الحفل العنصر الدعائي، باعتبار الإستراتيجية أحد مشروعات الدولة المصرية كـ”حياة كريمة” والعاصمة الإدارية الجديدة، حتى أنها اعتبرت “استكمالا وتتويجًا للمبادرات والمشروعات الرسمية”. 

تقع تلك الخطوة ضمن سلسلة خطوات مصرية تتّجه نحو التسامح الشكلي في ملف حقوق الإنسان وإرضاء الغرب لتسوية ملفات أخرى، أبرزها سد النهضة، والمعونة الأمريكية “المتعثرة”، واستيراد السلاح، والعلاقات مع إدارة جو بايدن، وتجلَّت بوضوح تلك التنازلات في إطلاق سراح نشطاء وصحفيين مصريين أبرزهم ماهينور المصري وإسراء عبد الفتاح، والتعاون مع مبادرة أنور السادات، رئيس حزب الاصلاح والتنمية، لتسوية ملف السجناء. 

“التدوير” هو أحدُ أشكال انتهاكات حقوق الإنسان، التي لم يكن متعارفًا عليها من قبل، ولم تستخدم في السابق بشكل واسع، فلم تتصدَ لها الاتفاقيات والمواثيق الدولية بشكل مباشر، ولم تضع له تعريف دقيق، كونه لا يعتبر انتهاكًا فقط، إنما فسادًا باستخدام القانون لأغراض سياسية.

“حقوق الإنسان “قربانا للمعونة الأمريكية

بالتزامن مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وقع أمران يشيران إلى أن مصر تتقدم في الملف الحقوقي ورقياً فقط، فهي تصيغ إستراتيجية من نحو 70 صفحة، وتطلق بيانات ووعود وإنجازات على صفحات الصحف، بينما لا تحقق أي تقدُّم يذكر في الواقع. 

الأول هو بدء محاكمة الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، باتريك جورج زكي، أمام محكمة جنح أمن الدولة طوارئ متهمًا بعدة تهم من بينها إشاعة أخبار كاذبة في الداخل والخارج، بعد عام ونصف من تجديد الحبس الاحتياطي، بينما لا يزيد ما فعله على كتابة بعض المقالات والدراسات التي توضّح حقيقة الأوضاع في مصر.

الثاني هو حجب 130 مليون دولار من المعونة العسكرية لمصر من جانب الإدارة الأمريكية إلى أن تتخذ القاهرة خطوات محددة تتعلق بحقوق الإنسان، وفرض قيود على الأموال التي سترسل إلى مصر. وأبرز الشروط التي وضعتها إدارة بايدن للإفراج عن باقي المبلغ هو إقدام القاهرة على تحسين سجلها الحقوقي، وذلك عبر إنهاء القضية 173 الخاصة بمحاكمة نشطاء المجتمع المدني وإسقاط الاتهامات عنهم، وإخلاء سبيل 16 متهما حددتهم الولايات المتحدة في اجتماعات مع الحكومة المصرية الصيف المنصرم. 

تُعد تلك الخطوة “حدثًا فاصلًا” في العلاقة بين حكومة السيسي والإدارة الأمريكية، التي كانت تتجاوز توصيات الكونغرس بالخصم من المعونة العسكرية لمصر للضغط عليها في بعض الملفات، بحجة أن مصر دولة مهمة، وعدم المساس بالمعونة يصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي بالأساس، إلا أن تلك الحيلة لم تفلح هذه المرة بعد ظهورِ أدلة أخرى تؤكِّد أن مصر “تتقدم إلى الخلف” في ملف حقوق الإنسان، وتتستَّر على ذلك بصياغة تعريفات أخرى لحقوق الإنسان غير مستخدمة في دول العالم، أو معترف بها دوليًا.

استخدم السيسي تلك الصيغة، للمرة الأولى، في اجتماع مع الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون عام 2019، حين تطرق إلى حقوق الإنسان بالقول إن “مصر دولة لها خصوصيتها، وإياكم أن تقصروا حقوق الإنسان على الحقوق السياسية فقط، فأين حقوق الشهداء وأسرهم؟، وأين حقوق العاملين بالقطاع السياحي؟، لماذا لا تسألني عن حق الإنسان في مصر في التعليم الجيد؟ لا نملك تعليمًا جيدًا.. وحق الإنسان في الإعلام الجيد والتوظيف والتشغيل والإسكان الجيد؟.. لا نملكها أيضًا.. نحن لسنا في أوروبا، نحن في منطقة أخرى”. 

يؤصِّل السيسي لتعريف جديد لـ”حقوق الإنسان المصري” لا يقترب من التعريف العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما وصفه في حفل إطلاق الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بـ”فلسفة مصرية ذاتية“، ومن الملحوظ والمثير للجدل، الغياب التام للحديث عن كيفية دعم حقوق الإنسان في مصر بجوانبها المعروفة والمقررة دوليًا كتوسيع دوائر العمل السياسي، وإطلاق أيدي الأحزاب، وتخفيف القبضة الأمنية، وفتح المجال العالم، وإتاحة الفرصة للعمل النقابي الجاد وحرية تكوين جمعيات وصحف معارضة، ووقف الملاحقات الأمنية والاعتقالات واستخدام السلطة بعنف ضد المعارضين، أو التعهُّد برؤية واضحة في تطبيق القوانين، وتحييد العقلية الأمنية. عملياً هذا يعني أن النظام المصري لا يرى مشكلة في ملف حقوق الإنسان – حسب تعريفها الخاص – وبالتالي، لا شيء لإصلاحه.

نتيجة لهذه الفكرة الراسخة، لم تحدد الإستراتيجية ما جاءت لإصلاحه حقًا، وما هو مطلوب منها، وما تم إنجازه بالفعل وما الذي سيتم إنجازه، فكان أغلب محتواها إعادة إنتاج لبيانات ونوايا رسمية، وترسيخ لحقوق الإنسان “الشاملة” من صحة وتعليم وحياة كريمة، والأغرب من ذلك أنها لم تحدد كيفية تنفيذ ما جاء بالإستراتيجة، أو آليات تطبيقه وقياسه ورقابته فخرجت أشبه بكتيب لاستعراض الإنجازات.

إقرأوا أيضاً:

الإعدام السياسي.. حكم فوري خارج “إستراتيجية حقوق الإنسان”

قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تقرير أصدرته بتاريخ 7 سبتمبر/ايلول الجاري، إن عناصر الشرطة وجهاز الأمن الوطني، التابعين لوزارة الداخلية، قتلوا في السنوات الأخيرة عشرات “الإرهابيين المزعومين” (وعددهم المبدئي 755 شخصًا على الأقل في 143 حادثة إطلاق نار “مزعومة” جرت بين بين يناير 2015 وديسمبر 2020) في جميع أنحاء البلاد في إعدامات غير قانونية خارج نطاق القضاء، واعتبرتها “عمليات قتل مشبوهة تحت ستار (الاشتباكات المسلحة)”. 

وأضافت: “المسلحون المزعومون الذين قُتلوا لم يشكلوا في حالات كثيرة خطرًا وشيكًا على قوات الأمن أو غيرها عندما قُتلوا، وبعضهم كانوا أصلا محتجزين”. وتبعًا لذلك، طالبت المنظمة الحقوقية شركاء مصر الدوليين بـ”وقف نقل الأسلحة إليها وفرض عقوبات على الأجهزة الأمنية والمسؤولين الأكثر ضلوعًا في الانتهاكات المستمرة”.

إقرأوا أيضاً:

التدوير.. الانتهاك الذي لا تعرفه الاتفاقيات والمواثيق الدولية

لم تتناول الاستراتيجية أيضًا، مبدأ الحبس الاحتياطي و”التدوير” الذي يعتبر شوكةً في حَلْقِ أغلب المعتقلين السياسيين، الذين ينهون مدد سجنهم في قضايا أو يحصلون على البراءة، أو يُطلق سراحهم من دوائر قضائية، أو يستبعدون من قضية، أو يكونون على ذمة قضايا، ليجدوا أنفسهم متهمين في قضايا أخرى ليبقوا سجناءً على ذمتها ويبدأوا رحلة التقاضي والحبس الاحتياطي من جديد. 

حدث ذلك لـ774 شخصًا تم تدويرهم 941 مرة، في الفترة من يناير 2018 إلى مارس 2021، ومن فرط استخدام تلك الآلية كأداة عقابية رسمية، تم تدوير أحد السجناء 7 مرات بينما قضت كثير من الحالات ما بين سنة و4 سنوات قيد الاحتجاز بسبب “التدوير”، حسب تقرير مركز شفافية ومؤسسة نضال الحقوقيين.

و”التدوير” هو أحدُ أشكال انتهاكات حقوق الإنسان، التي لم يكن متعارفًا عليها من قبل، ولم تستخدم في السابق بشكل واسع، فلم تتصدَ لها الاتفاقيات والمواثيق الدولية بشكل مباشر، ولم تضع له تعريفا دقيقا، كونه لا يعتبر انتهاكًا فقط، إنما فسادًا باستخدام القانون لأغراض سياسية.

وكان يمكن لاستراتيجية حقوق الإنسان، إذا كانت جادّة، أن تنهي ذلك النوع من الانتهاكات أو تضع له حدًا بحصار السلطة المطلقة للنيابة العامة في توجيه الاتهامات، إذ أن القاهرة أكثر الدول استخدامًا للتدوير، الذي لا يمكن التعامل معه باعتباره تعسفًا في استخدام الحق، فحسب التقرير، “التقاضي هو حق للمواطن ولا ينبغي النظر له على أنه حق للدولة أو للنيابة في توجيه الاتهامات، وينبغي التأكيد على أنه قد منحت النيابة العامة سلطة توجيه الاتهام لضمان الحقوق لا حق توجيه الاتهام لاستخدامه بأي طريقة”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني