تركيا : قلق بين اللاجئين السوريين من ارتفاع حدّة الخطاب العنصري

"بالنسبة إلينا كسوريين لا يوجد أي ضمانات للمستقبل في تركيا، نحن لا نستطيع الحصول على جنسية هنا مثلاً، وهناك خوف دائم بأن يحدث أي شيء يهدد وجودنا، كأن يجري ترحيلنا على دفعات إلى الشمال السوري"

يعيش اللاجئون السوريون في تركيا في الفترة الأخيرة حالة من القلق والخوف من مصير مجهول، وعدم الشعور بالأمان، خصوصاً بعد أحداث العنف التي شهدتها منطقة “ألتين داغ” في العاصمة التركية أنقرة في 11 آب/أغسطس الماضي، حيث هاجمت مجموعات من الأتراك محلات وبيوتاً يملكها سوريون، وقاموا بتحطيمها وتكسيرها، على خلفية شجار بين سوريين وأتراك، أدى إلى مقتل شاب تركي، وإصابة آخر. 

هذه الحادثة أدّت إلى زيادة حدة الخطاب العنصري تجاه اللاجئين السوريين في تركيا، والذي لطالما كانت تغذيه بعض الأحزاب التركية المعارضة للرئيس رجب طيب أردوغان، وبينها حزب الشعب الجمهوري المعارض الذي وضع زعيمه كمال كليجدار اوغلو، ضمن برنامجه الانتخابي، حلّ مسألة اللاجئين السوريين في حال وصوله إلى السلطة “في غضون عامين” كما كتب عبر حسابه على تويتر: “السوريون أقرباؤنا وهم سيكونون سعداء في الأرض التي ولدوا فيها، لذلك سوف نعيدهم إلى بلادهم بسلام”.

أما أردوغان  فعلق على أحداث “ألتين داغ” بالقول “إن الذين ارتكبوا جرائم ستحاكمهم السلطات القضائية وإن من يستطيع تعلم اللغة التركية والاندماج في الحياة الاجتماعية يمكنه البقاء في البلاد، أما من لا يفعل ذلك فستتم إعادته إلى بلده بما يتناسب مع عودة الحياة إلى طبيعتها في سوريا”.

يلمس العديد من السوريين تبعات ارتفاع خطاب العنصرية تجاه اللاجئين في تركيا، فكثير من الأتراك باتوا لا يفضلون تأجير بيوتهم وشققهم للاجئين

انتقد أردوغان الأتراك الذين هاجموا بيوت السوريين ومحالهم التجارية، مؤكداً انهم سيجدون “الأمة في مواجهتهم”.

ومع ان تصريحات اردوغان تبدو مطمئنة للاجئين السوريين في تركيا، إلا أن التصريحات التي خرجت عن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو مؤخراً عادت لتشعرهم بالقلق. فقد قال في مؤتمر صحفي جمعه مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي، أثناء زيارة قام بها الأخير إلى تركيا بتاريخ 12 أيلول/ سبتمبر الجاري: “إن مشكلة اللاجئين غير الشرعيين بدأت في الازدياد مع ظهور المتحور الجديد من “وباء كورونا” وأن تركيا لاحظت دعماً متزايداً من المجتمع الدولي للعودة الآمنة للاجئين لا سيما السوريين وإرسالهم إلى بلادهم”، وهو ما قرأ فيه لاجئون سوريون إشارة تركية إلى إمكانية العمل على اعادتهم إلى بلادهم ضمن صفقة دولية.

ونتج عن أحداث “ألتين داغ” تصاعد لافت في خطاب العنصرية ضد اللاجئين السوريين، فضلاً عن سلسلة من القرارات التي أصدرتها دائرة الهجرة التركية في أنقرة في بداية أيلول/سبتمبر الجاري.

القرارات الجديدة تنص على: “إيقاف منح بطاقات الحماية المؤقتة في ولاية أنقرة اعتباراً من تاريخ 2 أيلول/سبتمبر الجاري، وإرسال اللاجئين السوريين الموجودين في أنقرة والمسجلين في ولايات أخرى إلى المدن المقيدين فيها، والقبض على المهاجرين غير النظاميين الذين ليس لديهم أي وضع حماية أو تصريح إقامة، من قبل سلطات إنفاذ القانون ووضعهم رهن الاحتجاز الإداري لترحيلهم، ملاحقة أماكن العمل التي لا تلتزم باستخراج الأوراق الرسمية للسوريين، وتحديد المباني المهجورة التي يقيم فيها أجانب، والانتهاء من إجراءات إخلائها وهدمها، وإرسال الأجانب إلى المحافظات المسجّلين فيها”.

يبلغ عدد السوريين المقيمين حالياً في تركيا 3 ملايين و690 ألفًا و896 نسمة، بحسب إحصائيات المديرية العامة لإدارة الهجرة عام 2021. 

يُرجع زياد (إسم مستعار)، وهو لاجئ سوري شاب يعيش في مدينة إسطنبول، أسباب تصاعد العنف تجاه اللاجئين السوريين إلى عدم وجود تواصل حقيقي بين السوريين والأتراك. ويقول زياد لـ”درج”: “يوجد جزء كبير من السوريين المتواجدين في تركيا لم يستطيعوا حلَّ عائق اللغة، وهم لا يتحدثون اللغة التركية، لذلك لا يوجد علاقة قوية مع المجتمع التركي، وهذا يخلق حالة من الجهل فيما يخص معرفة الآخر والتواصل معه، ونتيجة ذلك تحدث صدامات ومشاكل، لأن الطرفين يجهلان بعضهما البعض بسبب عدم وجود لغة تواصل”. 

وبحسب زياد، لا يمكن تجاوز أو تجاهل تأثير الأسباب الاقتصادية التي تعيشها تركيا في السنوات الأخيرة، فالإقتصاد التركي، تعرض لنكسات كثيرة في العامين الماضيين، بعد ذلك جاء تفشي وباء كورونا، ليضعف الإقتصاد أكثر، مثل ما حدث في كل دول العالم تقريباً. لذلك، عندما تحدث هذه الأزمات، بالتزامن مع صعود الحركات والأحزاب اليمينية في كل العالم، وليس فقط في تركيا، يجري تحميل أسباب المشاكل والأزمات للحلقات أو الشرائح الأضعف داخل بلد أو مجتمع ما. وشهدنا السيناريو نفسه في دول أوروبية وعربية مثل لبنان على سبيل المثال.

إقرأوا أيضاً:

تجييش إعلامي ضد السوريين

بالنسبة الى زياد، فإن غياب وسائل إعلام سورية تخاطب المجتمع التركي، ادى الى اخفاء حقائق كثيرة تخصّ السوريين، عن الأتراك بالإضافة إلى الأكاذيب والإشاعات مثل أن السوريين الذي يعملون في تركيا يتقاضون رواتب جيدة، أو أن السوريين يمكلون العقارات والبيوت، أو أن السوريين “يأخذون أموالنا”، وكل هذا الكلام ليس دقيقاً، وعار من الصحة.

“بالنسبة إلينا كسوريين لا يوجد أي ضمانات للمستقبل في تركيا، نحن لا نستطيع الحصول على جنسية هنا مثلاً (باستنثاء عدد قليل جدا)، وهناك خوف دائم بأن يحدث أي شيء يهدد وجودنا، كأن يجري ترحيلنا على دفعات إلى الشمال السوري”، يقول زياد.

يلمس العديد من السوريين تبعات ارتفاع خطاب العنصرية تجاه اللاجئين في تركيا، فكثير من الأتراك باتوا لا يفضلون تأجير بيوتهم وشققهم للاجئين عموما، وليس فقط للسوريين. 

ويبدو ان غياب جهة رسمية تمثل السوريين في تركيا، تشكّل أبرز الأسباب التي أدَّت إلى تكرار الحوادث، بحسب لاجئ سوري يعمل محللاً اقتصادياً، فضّل عدم الكشف عن اسمه، “عندما نُشير إلى عدم وجود جهة رسمية، فالقصد هو عدم وجود ممثلين رسميين مشغولين بأخذ أوضاع اللاجئين السوريين في تركيا على عاتقهم بشكل جدي وعملي”. ويضيف: “الحادثة الأخيرة لها خلفيات كثيرة، فاللاجئون السوريون في تركيا يواجهون الكثير من العنصرية والتنمر، وجميع السوريين في تركيا على علم أن 50% أو أقل ربما من الشعب التركي موافق على وجود السوريين (وهذه الموافقة تخضع لشروط أيضاً) وما تبقى من الشعب التركي وهم الأكثر باعتقادي، يرفضون وجودنا”. 

حتى على مستوى العمالة السورية في تركيا، هناك اضطهاد واستغلال كبيرين، بحسب المحلل الاقتصادي السوري، فـ”العاملون السوريون يحصلون على أجور متدنية في تركيا، وهذا ما يسبب لهم ضغوطاً نفسية كبيرة، وشعوراً بالظلم”.

إقرأوا أيضاً:

أكاذيب وشائعات

ويلمس من يتحرّى عن علاقة الأتراك بالسوريين، خوفاً حتى عند السوريين الذين يعملون في مجال الإعلام، والذين يفضلون عدم الادلاء بأي تصريحات في هذا الموضوع بأسمائهم الصريحة تجنّباً للمشاكل. وأحد الصحافيين السوريين القاطنين في اسطنبول يقول لـ”درج”: “الأتراك يرون أن الحكومة تقتطع من أموال الشعب لتعطي السوريين، يعتقدون أننا نعيش على حساب الحكومة، لا ندفع ضرائب ونسكن مجاناً بدون دفع فواتير، والدولة التركية تمنحنا مبالغ مالية وتعطينا تفضيلات بالدراسة الجامعية على حساب الطلاب الأتراك، حيث ندخل للجامعة دون امتحان… وهذه أمور تستثمر فيها بعض أحزاب المعارضة كـ”حزب الشعب الجمهوري التركي وحزب الخير، فترفع من الخطاب الشعبوي والتصريحات العنصرية ضد اللاجئين من أجل الفوز بالانتخابات”. 

وهناك بحسب الصحافي السوري، ضمن المعارضة التركية، من يتكلم كلاماً واقعياً وجيداً بحق اللاجئين السوريين، مثل حزب “المستقبل” الذي يرأسه داوود أوغلو، وحزب “الديمقراطية والتقدم” الذي يرأسه علي باباجان الذي اعتبر “أن هذا الصراع يؤدي إلى حرق البلد وتدميره”. وهناك أيضاً تيارات ضمن حزب “الشعب الجمهوري التركي”، مثل رئيسا بلدية أزمير واسطنبول اللذان انتقدا الخطاب العنصري ضد اللاجئين السوريين وقالا بوضوح إنه “ليس من قيم تركيا”. ويرى الصحافي السوري ان حزب “العدالة والتنمية” الحاكم احتكر الملف السوري ولم يشارك فيه المعارضة التركية واخفى البيانات الحقيقة، واستثمر في قضية اللاجئين مقابل منافع مالية تعزز نفوذه السياسي”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
تحرك الجهات المختصة السريع حول العالم لدراسة البروفيل الجيني للمتحور الجديد أظهر مفاجآت في المتحور لم تكن بالحسبان
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني