الحركة الطالبية اللبنانية:
لاعب سياسي جديد يقارع الأحزاب التقليدية

المؤكد أن  النمو البطيء للمجموعات  السياسية الطالبية غير المنتسبة إلى الأحزاب الحاكمة في لبنان قد تحول إلى تطور سريع على مدى العامين الماضيين، إذ كانت الأزمة الاقتصادية والانتفاضة بمثابة عوامل محفّزة. 

ينشر هذا النص بالتعاون مع “مبادرة الإصلاح العربي” 

تصدرت المجموعات الطالبية المستقلة في لبنان، التي تتألف من جماعات معارضة للأحزاب السياسية التقليدية، العناوين الرئيسية في أواخر عام 2020، في أعقاب الحملات الانتخابية الناجحة للمجالس الطالبية في عدد من الجامعات الخاصة. بعد مرور عام واحد على اندلاع انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر 2019 التي اجتاحت البلاد على اثر أزمة اقتصادية ومالية خانقة، ضد الأحزاب الطائفية التقليدية، نظمت هذه الجماعات السياسية الطالبية المستقلة حملات، انطلاقاً من أملها باستعادة المجالس الطالبية من الأحزاب السياسية التقليدية التي هيمنت على انتخابات الجامعات لعقود. وكانت هذه الانتصارات الانتخابية جزءاً من حركة طالبية متجددة لا تنتمي إلى الأحزاب السياسية الطائفية في لبنان، ومهدت الطريق لتأسيس مجموعات طالبية ذات توجه مماثل في جامعات أخرى، فضلاً عن المبادرات الرامية إلى تنسيق وبناء الحركات بين الطلاب في مختلف أنحاء البلاد.

لم تكن الحركات الطالبية مرتبطة دائماً بالسياسات الطائفية، وفي السنوات التي سبقت الحرب الأهلية عام 1975، كانت الحركات الطلابية فاعلاً قوياً في المعترك السياسي اللبناني. وخلال تلك الفترة، كان الطلاب يمثلون جزءاً لا يتجزأ من تيار المعارضة السياسية المتنامية في البلاد وصاحبت ذلك مطالب تجاوزت حدود الجامعة والحدود الوطنية.

بعد نهاية الحرب الأهلية عام 1990، احتفظت نسبة ضئيلة فقط من الشباب بميول سياسية يسارية مستقلة خارج الأحزاب التقليدية، في حين اتجهت الأغلبية نحو القادة الطائفيين للحرب الأهلية في البلاد. غير أن هذه الفترة شهدت أيضاً تحالفات شبابية بين الطوائف المختلفة بشأن القضايا المشتركة. فقد تعاون “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” إلى جانب الجماعات اليسارية المستقلة وأنصار الحزب التقدمي الاشتراكي الذي ينتمي أغلبية مؤيديه إلى الطائفة الدرزية، بشكل رئيس في التنظيم والحشد للاحتجاجات التي اندلعت عام 2005 ضد الاحتلال السوري، والتي تُعد واحدة من أكبر الاحتجاجات في تاريخ البلاد.

ومع انسحاب الجيش السوري من لبنان، كشف عهد ما بعد 2005 عن عمق الانقسامات الطائفية والحزبية بين الشباب الذين اختاروا دعم أحد التحالفَين الكبيرَين في البلاد، وهما تحالف 14 آذار/ مارس الموالي للغرب أو تحالف 8 آذار الموالي لسوريا.

تجلَّى هذا الاستقطاب على مستوى الانتخابات الطالبية في الجامعات التي تحوّلت إلى “ساحة اختبار” للأحزاب السياسية التقليدية لتقييم شعبيّتها في أوساط الشباب، في ظل استعدادات تلك الأحزاب للانتخابات الوطنية. في هذا السياق، يقول باسل صلّوخ، أستاذ العلوم السياسية المشارك في الجامعة اللبنانية الأميركية، في تصريحات لـ”مبادرة الإصلاح العربي” إن الأحزاب السياسية التقليدية تستغل الانتخابات الطلابية لتقوية قواعدها الانتخابية والحفاظ على عملية التعبئة السياسية على أسس طائفية. ويضيف: “من منظور الأحزاب السياسية، أعتقد أن الانتخابات الطالبية قد وُظِّفت لاستعراض القوة والأهمية. لكن الأمر الآخر هو العثور على مجنّدين جدد وتعبئة -أو تحفيز- هوية ما، هي الهوية الطائفية”.

حاولت الأحزاب السياسية التقليدية تعزيز شرعيتها وحضورها في الحرم الجامعي، من خلال إنشاء أجنحة شبابية وتوزيع سبل الرعاية والكفالة على طلاب الجامعات. فعلى سبيل المثال، وبينما يُحظر تماماً التمويل الخارجي للمجموعات الطالبية داخل الجامعة الأميركية في بيروت، استثمرت الأحزاب السياسية أحياناً آلاف الدولارات لتمويل حملاتها الطالبية. عبر “اهداء” الطلاب الموالين لها كتباً دراسية مجانية، ونسخاً من الامتحانات السابقة، وبطاقات وقوف السيارات، وقرطاسية، وهواتف محمولة، وغيرها من الأشياء الأخرى. وقد كانت تلك “الهدايا” والخدمات توظَّف لتحفيز دعم الأحزاب السياسية التقليدية في الحرم الجامعي والتصويت لها في الانتخابات الطالبية. ونتيجة لذلك، أعادت تلك الممارسات إنتاجَ الوضع القائم في السياسة اللبنانية، وقلّصت من فرص الطلاب وقدرتهم على الانغماس في خطاب سياسي نقدي ومتسامح، سواء داخل الحرم الجامعي أو خارجه.

بالتوازي مع ذلك، بدأت مجموعات طالبية الانتظامَ والتجمُّع كبديل للأحزاب الطائفية، وتجلَّى هذا في “النادي العلماني” في الجامعة الأميركية في بيروت، الذي تأسس عام 2008 بهدف “التعبئة حول شكل متجدّد للمعارضة السياسية العلمانية في لبنان”. ارتكزت شعاراتهم ومواقفهم المناهضة للطائفية على وجود استياء متزايد من التمثيل السياسي الطائفي والتكتيكات الزبائنية في إدارة الحملات، وسعت تلك الشعارات والمواقف إلى تحدي الخطاب السياسي القائم الذي هيمن على الحرم الجامعي. على مدار الوقت، صارت المجموعات الطالبية المتشابهة في الجامعات الأخرى تشنّ حملات ضد الوضع القائم الطائفي أيضاً، وإن كان الطلاب غالباً مترددين في إبراز نبرة سياسية علنية في عملهم.

مع حلول صيف 2015، حين أثارت أزمة النفايات موجة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، حضر الطلاب بأعداد كبيرة في الميادين. وفي الصيف التالي، خاضَت الحركتان السياسيتان حديثتا التشكيل “بيروت مدينتي” و”مواطنون ومواطنات في دولة” الانتخاباتِ في قوائم منفصلة ضد الأحزاب التقليدية، في محاولة للفوز بالانتخابات البلدية في بيروت، لكنهما لم ينجحا.

خلال تلك الفترة، بدأت مجموعات طالبية مناهضة للوضع القائم تشكيل جماعات سياسية بديلة، لم تكن مشغولة بجامعاتها فقط، بل أيضاً بالقضايا الوطنية، وكانت تتواصل بانتظام مع الجماعات ذات الأفكار المماثلة في الجامعات الأخرى. ففي الجامعة الأميركية في بيروت، شكّل الطلاب “نادي السنديانة الحمراء” ذا الميول الشيوعية، الذي قاطع الانتخابات الطالبية على عكس “النادي العلماني”. وكانت هناك أيضاً “الحركة الطلابية البديلة” في الجامعة اللبنانية الأميركية وحركة “صفحة بيضا” في جامعة القديس يوسف. أما في الجامعة اللبنانية الرسمية، فقد نجح الطلاب في الحشد لإلغاء قرار بفرض رسوم جامعية جديدة عام 2014، على رغم عدم إنشاء تنظيمات مناهضة للنخبة الحاكمة. ومع ذلك، شكّلت الطالبات النسويات مجموعة “راديكال” في الجامعة اللبنانية الحكومية، ونظّمن أحاديث ونقاشات من حين لآخر، ولكن بدا أن معظم عمل المجموعة كان خارج الحرم الجامعي، ودار حول دعم جماعات حقوق المرأة وحقوق المهاجرين والتنظيمات الطلابية الأخرى في الجامعات الأخرى.

في أيلول/ سبتمبر 2017، قام طلاب من “النادي العلماني” في كلٍّ من الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة القديس يوسف بإطلاق شبكة “مدى”، بدعم من خريجي الجامعتَين وطلاب من جامعات أخرى. وتسعى هذه الشبكة التي يقودها الطلاب إلى دمج الشباب في المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في لبنان؛ فقد كان أحد أهدافها الأساسية في 2017 هو تشكيل “عقد طلابي” لمنع ارتفاع الرسوم الجامعية الارتجالية وغير المنظمة.

إقرأوا أيضاً:

أهمية انتفاضة 17 تشرين في استقطاب الطلاب

كانت انتفاضة 17 تشرين الأول حدثاً بالغ الأهمية أدّى إلى تعبئة طلاب الجامعات اللبنانية سياسياً. فقد جاءت في لحظة حرجة في التاريخ اللبناني الحديث.

أثارت الانتفاضة انعتاقاً فريداً من السنوات السابقة من التنظيم والتعبئة في أوساط طلاب الجامعات. فلم تكن الانتفاضة سبباً فقط في حشد واستقطاب قطاعات واسعة من الشباب اللبناني، ومنهم مَن لم ينخرط في السياسة من قبل، ولكنها دفعت أيضاً عدداً كبيراً من الطلاب إلى التخلي عن الأحزاب السياسية التقليدية، وفي بعض الحالات إلى الانضمام إلى الحركات المستقلة التي تتحدى الوضع القائم في لبنان. وقد أتاحت الانتفاضة أيضاً مساحات جديدة لتشكيل الحركات، في ظل قيام المجموعات الطالبية بتنظيم الاحتجاجات والمسيرات بالتنسيق مع المجموعات الأخرى داخل الحرم الجامعي ومنظمات المجتمع المدني عموماً، وعقد النقاشات العامة حول القضايا الاقتصادية والسياسية في أماكن مثل شارع اللعازارية بوسط بيروت أو ساحة النور في طرابلس؛ وبالتالي سد الفجوة -في النهاية- بين الحرم الجامعي والقضايا الوطنية على نطاق أوسع بكثير من قبل.

80 في المئة من الطلاب الذين شاركوا في نقاشات ضمت 39 طالباً ينتمون إلى سبع مجموعات طالبية مستقلة شاركوا في الانتخابات في أربع جامعات خاصة في لبنان، نظمتها “مبادرة الإصلاح العربي” قالوا إنهم شاركوا في الانتفاضة، سواء بصفتهم أفراداً أو منظمين أو متطوعين مع مجموعات طلابية قائمة من قبيل “النادي العلماني” في الجامعة الأميركية في بيروت. ويبدو أن الانتفاضة نفسها شجعت الطلاب على الانضمام إلى المجموعات المستقلة؛ فقد انضم 54 في المئة تقريباً من الطلاب المشاركين في هذا النقاش إلى المجموعات الطلابية التي تمثلهم خلال أو في أعقاب 17 تشرين الأول 2019. وكان هذا هو الوضع خصوصاً في حرم الجامعة اللبنانية الأميركية بمدينة جبيل، حيث لم ينضم معظم الطلاب المشاركين في النقاش إلى مجموعاتهم حتى اندلاع الانتفاضة. بل قال الطلاب القلائل الذين لم يشاركوا في الاحتجاجات إن الانتفاضة لعبت دوراً في إلهامهم الانضمام للمجموعات الطلابية والانخراط في النشاط السياسي. وقد كان هذا هو الحال على وجه الخصوص في نقاشات مجموعات النقاش في جامعة رفيق الحريري.

أما بقية الطلاب المشاركين في مجموعات النقاش البؤرية، ونسبتهم 20 في المئة، فكانوا في السابق حزبيّين أو متعاطفين مع الأحزاب السياسية التقليدية في لبنان، ولكنهم قطعوا ارتباطهم بها منذ الانتفاضة. ومعظم هؤلاء الطلاب أعضاء في مجموعتَي “التغيير يبدأ من هنا” في الجامعة الأميركية في بيروت و”المستقلّون” في جامعة القديس يوسف. وتمثّل كلتا المجموعتين ميولاً سياسية أكثر اعتدالاً، مقارنةً بالمجموعات الأكثر تقدماً واستنارة بشكل جمعي في “النادي العلماني” في الجامعة الأميركية، ومجموعة “طالب” في جامعة القديس يوسف. ويعتقد 49 في المئة من الطلاب الذين أُجريت معهم مقابلات أن كثراً من نظرائهم صاروا ينفصلون عن الأحزاب السياسية التقليدية منذ الانتفاضة ويدعمون البدائل السياسية، فيما يعتقد 51 في المئة أن الطلاب صاروا أكثر انخراطاً في السياسة.

وقد أثرت المشاركة الطالبية النشطة في الانتفاضة في هؤلاء الطلاب لزيادة دمج القضايا الوطنية في تنظيماتهم الطلابية. إذ يرى 69 في المئة من الطلاب المشاركين في مجموعات النقاش، بدرجات متباينة، أن مطالبهم الرئيسية لا بد أن تشمل قضايا تتجاوز حدود كلياتهم وجامعاتهم. وفي حين أن هناك طلاباً يُدرجون موضوعات تنطبق على الطلاب، من قبيل التعليم الميسور التكلفة وتمويل الجامعة اللبنانية (الحكومية) والبطالة، أشار طلاب آخرون إلى قضايا حقوق الإنسان المتعلقة بالعمال المهاجرين واللاجئين والمثليين والنساء. بل دعا آخرون إلى إصلاحات هيكلية أوسع نطاقاً، مثل إقامة دولة مدنية بدلاً من دولة قائمة على المحاصصات الطائفية، وإلى إصلاح انتخابي من أجل انتخابات وطنية أكثر نزاهة.

لم يكن الاختلاف الأساسي بين الطلاب الذين عُقدت معهم مقابلات يدور حول أهمية القضايا الوطنية، إنما بالأحرى حول ما إن كان من الواجب اعتبار هذه القضايا أولوية مباشرة للمجموعات الطالبية. فيرى جميع الطلاب الذين أجريت معهم مقابلات من ”النادي العلماني“ في الجامعة الأميركية أن لهذه القضايا الوطنية أولوية في نشاطهم. “لن نكون طلاباً إلى الأبد”، يقول أحدهم. فيما ترى مجموعات طالبية أخرى ضرورة الدمجَ بين القضايا الطلابية والوطنية في عملها. 

علاوة على ذلك، تطورت قنوات الإعلام الناشطة والشعبية، والتي يعمل عدد منها فقط من خلال قنوات التواصل الاجتماعي، ونمت شعبيتها وإمكاناتها في غمرة الانتفاضة، وتناولت الأحداث الجارية من خلال عدسة مناهضة للطائفية ومعارضة للمؤسسة القائمة. في اختلاف جلي عن وسائل الإعلام الرئيسية التي تناصر الأحزاب التقليدية. 

يذكر كريم صفي الدين، كان عضو النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت عندما كان طالباً وهو عضو الآن في شبكة “مدى”، أن هذه القنوات الجديدة لعبت دوراً جوهرياً في زيادة دعم ومناصرة هذه المجموعات الطلابية المستقلة سياسياً، لا سيما مع التجاهل الغالب من وسائل الإعلام التقليدية أو التشويه في بعض الأحيان لهذه المجموعات الجديدة: “إنه أمر بالغ الأهمية بسبب حالة الضجة الدعائية العامة، والصداقية والشرعية التي تخلقها”، يوضح صفي الدين.

 تصورات التغيير السياسي والاستقلال السياسي

يدرك الطلاب المشاركون في النقاشات، بالإجماع تقريباً، وجود تحول في كيفية استيعابهم للاستقلال السياسي، إذ أشاروا إلى أنه كان يُنظر له آنفاً على أنه غير سياسي وغير نشط (خامل). وعند سؤالهم عن ماهية الاستقلال السياسي اليوم، أجاب 26 في المئة من الطلاب أنه يعني الاستقلال السياسي عن الأحزاب الحاكمة في لبنان، بينما قال 26 في المئة أنه يعني المشاركة السياسية والوعي مع “اعتماد” آراء ومواقف مستقلة، في حين ذكر 10 في المئة أنه يعني دعم حزب أو منصة بديلة.

أجمع معظم الطلاب في مجموعات النقاش على أن مجموعاتهم المعنية ليست مبنية على أيديولوجية موحدة، فهم يرون أيضاً أن مجموعتهم عبارة عن تحالف غير متجانس تربطه الأهداف والمبادئ نفسها. على سبيل المثال، أقر أحد الطلاب المستقلين في جامعة القديس يوسف أنه لا يعارض وجود نظام حكومي قائم على المحاصصة الطائفية، لكنه يؤمن بوجوب إصلاحه كي يكون أكثر شمولاً ونفعاً، بينما يعتقد آخر أنه يجب على جميع المجموعات الطلابية المستقلة أن تكون مستنيرة سياسياً وعلمانية. بل يعتقد طالب في حرم الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت أن كثراً من الطلاب في مجموعته قد يتنافسون في الواقع ضد بعضهم بعضاً، إذا ترشحوا في الانتخابات الوطنية في المستقبل. وعلى رغم قدرة بعض المجموعات الطالبية على التعايش والتعاون سوياً بصرف النظر عن اختلافاتها، تقول هذه المجموعات إنه يجب على أعضائها التقيد الصارم بقيمها الأساسية، التي تحظر العنصرية ومعاداة المرأة على سبيل المثال.

يبدو هذا التوجه في تغير الوعي بين المجموعات الطلابية المستقلة سياسياً تغيراً داخلياً ونابعاً منها، من دون وجود أي تأثير خارجي كبير. ثمّة 20 في المئة فقط من الطلاب الذين أُجريت معهم المقابلات كانوا في وقتٍ ما أطرافاً فاعلة مع حزب أو حملة سياسية مستقلة، معظمهم مع شبكة “مدى”، وهي شبكة شعبية طالبية وشبابية. في حين شارك طلاب آخرون بشكل رئيسي من خلال التطوع في الحملات الخيرية والصليب الأحمر اللبناني، بينما قضى آخرون أوقاتهم في تجمعات تتعلق بهواياتهم والوظائف التي يتوقون لها.

لعب نمط تربية الطلاب دوراً صغيراً نسبياً في التأثير على آرائهم السياسية. اذ يذكر ما يزيد قليلاً على 38 في المئة من الطلاب إن آبائهم أثروا في آرائهم، سواء من الناحية الأيديولوجية أو من خلال استيائهم من الطبقة الحاكمة في البلاد وكذلك من الأحزاب السياسية. على رغم ذلك، ذكر حوالى ثلثي هؤلاء الطلاب أنهم لم يتأثروا بعائلاتهم ونمط تربيتهم، أو تم تشجيعهم بشكل فاعل على عدم الانخراط في السياسة وعدم المشاركة في الأنشطة السياسية. وهو ما يبرز في النهاية أن تحول العدد المتزايد من الطلاب المستقلين إلى أن يكونوا ناشطين سياسياً بدلاً من عدم المشاركة السياسية، جاء نتيجة اختيارهم بإرادتهم الحرة.

الرقابة والتهديدات والولاءات الحزبية

على رغم الارتفاع الملحوظ في الآونة الأخيرة في عضوية المجموعات الطلابية المستقلة والنجاحات الانتخابية الجديدة، تواجه المجموعات الطلابية المستقلة في لبنان عراقيل ومصاعب كبيرة في التنظيم وإدارة الحملات الانتخابية.

ذكر الطلاب أن أكثر عائقين لوحظ تكرارهما كانا إدارات الجامعات الخاصة بهم وتعرضهم للافتراءات والتهديدات والمضايقات. فعلى صعيد الخلاف مع الإدارات الجامعية، يذكر النادي العلماني في الجامعة الأميركية أن إدارتهم تتدخل في الشؤون الخاصة بمجلس الطلاب من خلال فرض الرقابة عليه. كانت الأندية الطالبية، في وقت ما، في حاجة إلى الحصول على موافقة من مكتب شؤون الطلاب بالجامعة قبل إصدار أي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي. ورداً على ذلك الأمر، أصدر النادي العلماني بياناً حمل 13 توقيعاً، من مجموعات الطلاب في الجامعة الأميركية في بيروت وغيرها من الجامعات، مطالباً في هذا البيان بتوضيح السبب الكامن وراء الرقابة المباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي ورصد منشوراتها “سعياً للحفاظ على ما تبقى من حقوقنا الديموقراطية”. ذكرت مجموعات أخرى أن إداراتها الجامعية متحيزة للأحزاب الحاكمة في لبنان. على سبيل المثال، ثمّة طلاب من جامعة رفيق الحريري (الجامعة اللبنانية في منطقة الحدث) يقولون إن إدارة الجامعة والكلية مُسيّستان لمصلحة أحزاب في السلطة، لا تسمح لهم بالتسجيل رسمياً بصفتهم منظمة طلابية. كما يقولون إن هذا أدى إلى نفور مجموعات طالبية أخرى في الجامعة كانوا يرغبون في التعاون معها، خوفاً من الانتقام. علاوة على ذلك، استطاع النادي العلماني في الجامعة الأميركية في بيروت استخدام اسمه المقترح، بينما اضطر طلاب جامعة رفيق الحريري للإشارة إلى أنفسهم كمستقلين، لأن “ممارسة السياسة غير مباحة في حرمنا الجامعي”.

ووفقاً لما ذكره الطلاب، يعد تعرض المجموعات المستقلة للرقابة والافتراءات والفضائح على وسائل التواصل الاجتماعي من قِبل مؤيدي الأحزاب، ممارسة شائعة، بينما استُهدِف بعض من مرشحيهم مباشرة وتم ترهيبهم عبر الإنترنت، أو تشويه صورتهم عبر بث أخبار كاذبة. على سبيل المثال، نشرت قناة “إم تي في” التلفزيونية المحلية، المؤيدة لحزبي “القوات اللبنانية” و”الكتائب”، مقطعاً إخباري يدعي أن النادي العلماني في جامعة القديس يوسف، وهي مجموعة ذات ميول يسارية، كانت تعمل لمصلحة “حزب الله” المدعوم من إيران.

علاوة على ذلك، هناك جامعات مشحونة سياسياً بصورة علنية أكثر من غيرها مما يمكن أن يقود إلى خلق بيئة جامعية مقسومة. فعلى سبيل المثال، غالباً ما يشير أنصار الأحزاب في جامعة القديس يوسف إليها بـ”حصن البشير” في إشارة إلى الرئيس المنتخب المغتال وزعيم ميليشيات “حزب الكتائب” خلال الحرب الأهلية، بشير الجميل. في الواقع، تحدث صدامات أحياناً بينهم وبين طلاب آخرين من أحزاب سياسية معارضة. كما يصطدم أحياناً طلاب من “حزب الله” و”حركة أمل” مع طلاب تابعين لحزب القوات اللبنانية، في جامعة القديس يوسف، ويتهم كل منهم الآخر بإثارة الفتنة الطائفية. وقبل انتخابات الطلبة في 2020، هاجم أنصار الجانبين بعضهم بعضاً وتبادلوا إلقاء مفرقعات وقنابل صوتية، قبل تدخل قوات الشرطة للتفريق بين طلاب الحزبين، ما أسفر عن سقوط جرحى.

اعتبرت أربع مجموعات من السبع المستقلة التي تم إشراكها في النقاشات أن وجود طلاب اختاروا البقاء بعيداً من السياسة، يعد عقبة أمام التغيير. وأعربت اثنتان فقط من المجموعات عن اعتبارها أن المحسوبية تُشكل عقبة رئيسية أمام تنظيمهم. غير أن جميع المجموعات قالت إن المحسوبية السياسية منتشرة على نطاق واسع في الجامعات. إذ تُقدم الفروع الطالبية للأحزاب السياسية دعماً مالياً للرسوم الدراسية والكتب المدرسية، فضلاً عن المنح الدراسية وفرص العمل مقابل الولاء. وأضاف الطلاب في مجموعات النقاش أن القائمين على استقطاب الطلاب كثيراً ما يقتربون من طلاب السنة الأولى الذين تنتابهم رهبة الحياة الجامعية لمساعدتهم على الاستقرار في الجامعة، مقابل الحصول على أصواتهم في الانتخابات الطلابية المقبلة. وخلاصة القول، ما زالت شبكات المحسوبية التابعة للأحزاب السياسية التقليدية  تؤدي دوراً مهماً في الجامعات اللبنانية، بعد عقود من انتهاء الحرب الأهلية. 

تواجه المجموعات المستقلة والطلاب في الجامعات الخاصة الخمس عقبات مماثلة لتلك الموجودة في الجامعة اللبنانية الرسمية، مع فارق أن الجامعة اللبنانية تحتوي قدراً أكبر من التحزب السياسي والمحسوبية. وعلى غرار المؤسسات العامة الأخرى في لبنان، يعتمد تعيين الموظفين على أساس المحاصصة الطائفية والانتماءات أو الولاءات للأحزاب السياسية. وفي الجامعة اللبنانية، قال طالبان من إحدى المجموعات السياسية المستقلة التي تأسست حديثاً لـ”مبادرة الإصلاح العربي”، إنهما يعتقدان أن هذا يعيق قدرتهما على العمل بحرية، سواء أكان ذلك بسبب العقبات الإدارية أو العقوبات الأكاديمية المحتملة. وعلى العكس من ذلك، يعتقدان أن المجموعات الطلابية المنتسبة إلى الأحزاب التقليدية تمارس أنشطتها من دون أي إزعاج.

من الجدير بالذكر أن الانتخابات في الجامعة اللبنانية تتأجل باستمرار. وقد عللت إدارة الجامعة ووزارة التعليم ذلك بأن قرار التأجيل يأتي للحيلولة دون  إثارة التوترات السياسية، ولدرء احتمال اندلاع العنف. على سبيل المثال، في كانون الأول/ ديسمبر 2017، ألغى وزير التعليم مروان حمادة، الانتخابات في الجامعة اللبنانية، خشية أن “يقع الطلاب في التطرف الموجود في مجتمعنا”، في إشارة إلى التحزب السياسي، والتوترات بين الأحزاب التقليدية.

وقال طالبان في السنة الثانية من إحدى المجموعات الطالبية المستقلة التي تأسست حديثاً في الجامعة اللبنانية، إنهما واجها عقبات خطيرة وأعمالاً انتقامية. وأعرب أحد الطلاب أن “الطلاب المستقلين سياسياً تعرضوا للتهديد عدة مرات”، مضيفاً أنهم يعتقدون أن الأحزاب السياسية التقليدية تنظر إليهم على أنهم “تهديدات” في الجامعة اللبنانية. في حين يرى طالب آخر أن الأساتذة المنتسبين إلى تيارات سياسية يُمكن أن يتنمروا عليهم في المحاضرات، أو يقيموا أعمالهم الأكاديمية على نحو غير منصف.

إقرأوا أيضاً:

بناء الشبكات داخل الجامعات وربط الخريجين بالطلاب

كانت الانتخابات الطالبية لعام 2020 إنجازاً كبيراً للمجموعات الطلابية اللبنانية غير المنتسبة إلى الطبقة الحاكمة في البلاد. خلال هذه الانتخابات، لعبت شبكة “مدى” دوراً مهماً في دعم الطلاب المرشحين المستقلين في مختلف الجامعات اللبنانية والترويج لهم. ثم ساعدت في إنشاء “نوادي علمانية” جديدة، ومجموعات طالبية مستقلة في الجامعات الخاصة في جميع أنحاء لبنان. فضلاً عن دعمها النادي العلماني في الجامعة اللبنانية. لم تعد المجموعات الطالبية المستقلة تعمل بمفردها، فقد صار هناك شبكة تضم مثيلتها من المجموعات الأخرى في جميع أنحاء البلد تدعمها بطرق مختلفة، فقد دعم الجامعيون الاحتجاجات التي اندلعت في طرابلس بسبب الظروف المعيشية، وحشدوا للمشاركة في الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

اليوم، تسعى شبكة “مدى” إلى حشد الجهود بخطوات سريعة استجابة للقضايا المطروحة في جميع أنحاء البلاد، وتعمل حالياً بوصفها اتحاداً وطنياً للطلاب. فقد أطلقت مدى في 12 كانون الأول 2020، “إعلان طلاب لبنان”، في فعالية عامة شارك فيها الطلاب والنشطاء السياسيون والصحافيون وغيرهم. تحدث الطلاب من مختلف المجموعات المستقلة إلى جمهور من أقرانهم والصحافيين والنشطاء حول ضرورة إنشاء حركة طالبية وطنية، تضم الجامعات في أنحاء البلاد، في إطار روح ثورة تشرين الأول، على حد قولهم. وقد حدد الاجتماع الذي ضم المجموعات المختلفة في “مدى”، أربعة مطالب: 

التراجع عن قرارات دولرة أقساط الرسوم الدراسية، وتطبيق مبدأ العقد الطلابي الذي يُحدد نسبة الزيادة القصوى المتوقعة في الأقساط.

ضمان حقوق الطلاب في الإدارة التشاركيّة الحقيقية، والمشاركة في المجالس الطالبية المنتخبة في كل جامعة.

دعم وتمويل الجامعة اللبنانية. 

دعم الأساتذة والعاملين في الجامعات. 

تناول الطلاب من مختلف الجامعات هذه القضايا بالتفصيل، وتحدثوا حول تجاربهم في جامعاتهم ومحاولة مواجهة نفوذ الأحزاب التقليدية في مجالس الطلاب، ومحاولة أن يكون لهم دور أكثر فعالية في إدارة الجامعات. خلاصة القول، وُجهت مطالبهم إلى إدارات جامعاتهم وحكام البلاد على حد سواء. وبعد أسبوع واحد من الإعلان، نظموا مسيرة “يوم الغضب” الطلابي في 19 كانون الأول 2020، للاحتجاج على إدارات جامعاتهم والتشديد مجدداً على مطالبهم.

أدى هذا الوجود الموحد إلى زيادة قوة الطلاب في لبنان، ومكنهم بشكل أفضل من الإعراب عن مطالبهم كمجموعات تعمل بشكل مستقل، ولكنها قادرة على التنسيق مع الأحزاب السياسية الجديدة غير الطائفية على الأرض.

مع قرب الانتخابات البلدية والوطنية في لبنان المقرر إجراؤها عام 2022، يُمكن أن تشارك المجموعات الطالبية المستقلة، سواء بمفردها أو من خلال شبكة “مدى”، في  تنظيم الحملات الانتخابية من خلال خريجيها في تحالف مع الأحزاب السياسية المستقلة الأخرى، أو أن تؤدي دوراً حاسماً بوصفها صوتاً لقطاع متزايد من طلاب الجامعات في لبنان.

المؤكد أن  النمو البطيء للمجموعات  السياسية الطالبية غير المنتسبة إلى الأحزاب الحاكمة في لبنان قد تحول إلى تطور سريع على مدى العامين الماضيين، إذ كانت الأزمة الاقتصادية والانتفاضة بمثابة عوامل محفّزة. 

في حين يُشير الزخم الذي نجم عن الانتصارات الكاسحة في انتخابات المجالس الطالبية في الجامعات في الآونة الأخيرة، والتطور المؤسسي المتواصل، ونجاح المرشحين المستقلين والمجموعات في انتخابات النقابات المهنية مثل نقابتي المحامين والمهندسين في بيروت، إلى أن هذه الحركة الطالبية لم تعد حركة تقوم على رد الفعل، ولديها القدرة على البقاء لفترة طويلة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني