fbpx

قتلُ القطيع وفرارُ المربين…
العسكرة تفتكُ ببيئة الجاموس السوري

"كان لديّ قبل عام 2011 نحو 120 راساً، تناقصت اليوم إلى 40 راساً فقط على رغم عمليات الولادة، إذ قتل عندي أكثر من 20 راساً بسبب القصف، كما مات عدد من الرؤوس بسبب عدم تأقلم الحيوان مع بيئة مخيمات أطمة شبه الصحراوية في شمال إدلب بعد نزوحنا". 

يتبوّأ نزار عبد السلام عنيزان (56 سنة) مجلسه على جدار سد قرية البالعة في محافظة إدلب منذ ساعات الصباح الباكر، ليراقب قطيع حيوان الجاموس الذي فرّ به من مسقط رأسه في سهل الغاب التابع لمحافظة حماة، بعدما سوّت طائرات النظام السوري ومدافعه المنطقة بالأرض. ولا تكاد تمضي ساعة على مجلسه تحت أشعة الشمس، إلا ويستذكر أفراد عائلته، كيف كانوا يسرحون مع القطيع، وكيف أصبح وضعهم في مخيمات اللجوء بالقرب من الحدود السورية- التركية.

من مكانه المرتفع المطلّ على سهل فسيح أخضر تتخلله برك ماء مشكّلةً واحات صغيرة، يلوّح الرجل بعصاه ويراقب بعينيه رؤوس قطيعه، يدمدمُ بشفتيه، يحصيهم عداً، ويكرر ذلك وقوفاً وجلوساً كلما سنحت له الفرصة، متحسراً على ما فقد منها بسبب الحرب الممتدة منذ عقد.  

يقول “أصبحت حياتي فارغة بعد ابتعادي عن بلدي ومسقط رأسي الذي تربيت فيه بين الحقول وقطيع حيوان الجاموس الذي كنت أخاف منها في صغري، لكنني تعلقت بها عندما كبرت، وأصبح أجمل رفيق ورثته عن عائلتي المعروفة بتربية الجاموس منذ 300 عام”.  

يتابع “جاءت الحرب وبكل بساطة… تسببت بضياع الموروث وتلاشيه من بين يدي”. 

“كان لدى أحد جيراني 50 رأساً وأثناء ذهابها إلى المحمية بعد سيطرة قوات النظام عليها، ذبحت القوات 3 رؤوس وبعد معاناة كبيرة استطاع جاري إعادة بقية القطيع”.

على خلفية النزاع السوري والمعارك الضارية التي نشبت في مختلف المناطق السورية بين قوات المعارضة السورية والنظام السوري، تضررت الثروة الحيوانية بشدة في عموم سورية، وأتت بشكل كبير على حيوان الجاموس الذي يعيش في المستنقعات في منطقة سهل الغاب ويعتبر حيوان شبه مائي، حتى بات اليوم مهدداً بالانقراض، وفق تحذيرات أطلقها مسؤولون حكوميون بجانب المعارضة السورية، ومربين، وبطيّ صفحة حضورٍ في المراعي والمستنقعات السورية عمرها 800 عام بعدما جلبه التجار والمربون المسلمون إلى سوريا من الهند.

تناقصَ عدد القطيع من هذه الثروة في منطقة سهل الغاب وسط البلاد من 1200 رأس إلى الـ90 راساً فقط، بحسب إحصاءات دوائر محلية تابعة للمعارضة السورية، والتي حمّلت النظام السوري المسؤولية الأولى في تناقص العدد بسبب قصف تجمعات المربين وقراهم ومزارعهم. 

على مدار تسعة أشهر، رصد معدو التحقيق كيف آلت إليه أوضاع حيوان الجاموس السوري النادر والمهدد بالانقراض، وأثر هذا على البيئة التي أصبحت هشّة، بعدما التقوا مع مربين قالوا أنّ قوات النظام السوري ومن خلال القصف والاستهداف المتكرر تجمعاتهم أجبرتهم على النزوح من موطنهم الأصلي في ريف حماة، بصحبة قطعانهم التي فقدوا منها الكثير، تدعم كلامهم شهادات من نشطاء وخبراء حملت النظام والإدارات المركزية والمحلية في الشمال السوري مسؤولية توجّه حيوان الجاموس نحو الانقراض والزوال من البيئة السورية بعدما كانت منطقة سهل الغاب أفضل مكان يعيش ويربى فيه هذا الحيوان القادم من بلاد بعيدة.

وبالنسبة إلى مربي نزار عنيزان المنحدر من قرية الكريّم في منطقة سهل الغاب، انخفض عدد قطيعه من 100 رأس إلى 20 رأساً، وتستقر الآن في قرية البالعة في ريف إدلب، ذات المراعي الصغيرة والمياه الضحلة، مقارنة بمنطقة سهل الغاب.

يعودُ تاريخ حيوان الجاموس في سوريا إلى عام 1200 ميلادي، حيث كان السهل عبر التاريخ مستنقعاً كبيراً تم تجفيفه عام 1963، وهو ما وفر بيئة ملائمة للمعيشة مع وجود المياه لتبريد جسمه مرات عدة يومياً.

إقرأوا أيضاً:

فرار المربين 

يساهُم الجاموس في التنوع البيئي، وبالأخص في منطقة الغاب وله ميزات مهمة في الجانب الغذائي، وتناقص أعداد القطيع يعتبر تغييراً خطيراً في بنية هذا التنوع وشكله، لا سيما أنه تأقلم مع الظروف البيئية منذ مئات السنين، ونظراً إلى قدرته على تحويل مخلفات المحاصيل أكثر من الأبقار، وهذا ما أعطاه أهمية استراتيجية ودوراً كبيراً في التوازن البيئي. 

خالد الرشيد، (37 سنة)  المُنحدر من ناحية قلعة المضيق في ريف حماة، يتقاسم مع ابن جلدته عنيزان المعاناة ذاتها، بعدما نزح هو الآخر مع ما تبقى معه من حيوان الجاموس في نيسان/ أبريل 2019 بعدما قتلت منه قوات النظام السوري بعض الرؤوس، وأتت مشقّة طريق الهرب للنجاة على رؤوس أخرى ليحلّ به الترحال اليوم وسط خيمة لا تفوق مساحتها الأمتار الثلاثة، تجمعه وعائلته مع ما تبقى من قطيعه في منطقة قاحلة شمال إدلب قرب الحدود التركية.

يستذكر المربّي خالد الرشيد، كيف أنه وقبل اشتداد النزاع في سوريا “كنّا نقصد المحمية (محمية الدردار الحكومية تأسست لتحسين سلالة الجاموس قبل عام 2011، وتبعد 90 كلم من مركز مدينة حماة) لإطعام الجاموس، لكن عندما انتشرت قوات النظام هناك، تسببت المعارك بمقتل الكثير من الرؤوس وبخسارات للمربين”.

 قبل عام 2011، خصّصت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي السورية، محمية طبيعية لتربية حيوان الجاموس، بالقرب من بلدة شطحة في ريف حماة، تحت اسم محمية الدردار، على أرض مساحتها نحو 500 دونم.

وبالتوازي مع ذلك، أشارت إحصاءات (منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم، Food and Agriculture Organization – FAO)، إلى أنّ عدد الماشية في سوريا قبل الصراع كان يقارب المليون رأس من الأبقار و700 ألف من الجاموس، و15 مليون ونصف المليون من الأغنام، ومليونين من قطعان الماعز.

 يقول المهندس محمد غالب عنيزان، رئيس الوحدة الإرشادية  في قرية الشريعة التابعة لمنطقة سهل الغاب والتي كانت تتبع للحكومة السورية الموقتة لغاية عام 2019، قبيل سيطرة النظام على المنطقة: “إن الحكومة السورية منذ سبعينات القرن الماضي أولت حيوان الجاموس اهتماماً كبيراً وخصصت له محمية طبيعية، إضافة إلى دعمه بالعلاقات والأدوية، والمراقبة ما ساهم بازدهار تربيته”. 

هذا الحال تغيّر كلياً عقب اندلاع المعارك في المنطقة، وهو ما أجبر المربين على الفرار، وبالتالي تغيّرت البيئة الحاضنة لحيوان الجاموس، وهو ما انعكس سلباً على أعداد القطيع وعلى تطور تربيته.

يقول المربي نزار عبد السلام عنيزان: “نزحنا تحت وطأة القصف المدفعي وطيران النظام السوري، واستطعت أن أنقذ أولادي وما تبقى لدي من حيوان الجاموس. كنت أملك 100 رأس، أما اليوم فتناقص العدد إلى ما دون العشرين، رحلة النزوح إلى سهل الروج في إدلب كلفتني اكثر من مليون ليرة (320 دولاراً أميركياً)”.

“تتمركز  في سهل الغاب ثلاثة معسكرات استراتيجية لقوات النظام، وهي معسكر جورين الذي يحوي قوات روسية، ومعسكر عين سليمو إضافة إلى معسكر شطحة المتعارف عليه بـ”الدردارة”.

  بيئة الجاموس… ساحة حرب

مطلع عام 2012، حولت قوات النظام السوري محمية الدردار الطبيعية الى نقطة عسكرية، ومركز تجميع كبير لقواتها، لتمنع بذلك مربي الجاموس من التوجه الى المحمية بشكل نهائي.

اختارت قوات النظام المحمية كمركز لتجمع القوات بسبب الموقع الاستراتيجي والارتفاع، ما يجعلها تطلُ على سهل الغاب ابتداء من قرى العمقية والعنكاوي شمالاً، باتجاه قرى الشريعة والتوينة جنوباً.  

كما أنّ موقع المحمية قريب على المناطق الموالية للنظام السوري في ريف حماة الغربي، ويعتبر خط ثاني من خطوط المواجهة العسكرية.  

مع هذه المعطيات، ساءت أحوال المربين والقطيع في آن معاً، خصوصاً بعدما نفّذت قوات النظام السوري وبدعم من الميليشيات المحلية والاجنبية عملية عسكرية على قرى الخط الأوسط من سهل الغاب، ابتداء من قرية قبر فضة مروراً بالرملة وانتهاء بالكريّم، أفضت إلى سيطرتها على تلك القرى بعد معركة قصيرة مع فصائل المعارضة في تموز/ يوليو 2015.

وفق خبراء عسكريين، فإن المحمية استخدمت لأهداف عسكرية بسبب طبيعتها، إذ يوجد اشجار واعشاب استخدمتها القوات للتمويه على الأسلحة التي كانت تقصف المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، من خلال مدافع ميدان عيار 122 وعيار 130 ومدفع فوزديكا مجنزر، كما رصد السكان المحليون وجود راجمات من عيار بي أم 21 في المحمية نفسها.

 هذا أدى إلى تشريد أكثر من 12 ألف نسمة، كانوا يعملون في الزراعة وتربية الجاموس وهما سبيلان وحيدان للعيش.

بيع القطيع  

لم يكن أمام المربين من سبيل للنجاة إلا النزوح شمالاً والفرار من الهجمات و من الوضع الخطير الذي باتوا يواجهونه مع قطعانهم، يقول أحد المربين الذي فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية: “اضطررت للنزوح وعائلتي باتجاه ناحية قلعة المضيق لأجد نفسي مجبراً على استئجار منزل لأسرتي واسطبلاً للقطيع بمبلغ 150 دولاراً شهرياً (نحو 500 ألف ليرة سورية، 1 دولار = 3400 ليرة)، من دون تلقي أي مساعدة من جهات المعارضة”.

ليس هذا فحسب، بل إنّ ضيق الحال وشظف العيش دفعا ابراهيم لبيع أول رأس من القطيع لتأمين حليب للأطفال، كما يقول. 

كما تعرضت القطعان لعمليات قتل ومصادرة من قبل القوات النظامية، ما أثر في تكاثر الحيوان وانخفاض إنتاجه من جهة، وفرض تكاليف تربية مرتفعة على المربين من جهة أخرى. 

ويضيف: “عندما بعت الجاموس بكى والدي كثيراً… لم تفارق الدموع عيناه لأيام، كان ينوحُ كامرأة فقدت أطفالها، يحصل لنا هذا للمرة الأولى منذ 300 عام، عندما بدأ أجدادي تربية الجاموس”.  

في أيار/ مايو 2019 تعرضت ناحية  قلعة المضيق مرة أخرى، لعملية عسكرية جديدة من قوات النظام، أجبرت ابراهيم وعائلته على النزوح مجدداً باتجاه الشمال السوري، مع ما تبقى من قطيع حيوان الجاموس.  

مشوا جميعاً على الأقدام باتجاه قرى الحويز والحواش مع 40 رأساً من الجاموس، كانت الطائرات المروحية التابعة للنظام السوري ترمي براميل متفجرة وحمماً من الجو، أقربها سقط على مسافة 200 متر من مكان القافلة. 

وفق الناشط المحلي إيّاد أبو الجود، والذي كان شاهداً على عمليات القصف والتهجير التي طاولت السكان والمربين في المنطقة قال: “إنّ غالبية السكان في ناحية قلعة المضيق بما فيها قرى التوينة والشريعة والحويز وجبل شحشبو وبلدة قلعة المضيق خرجوا مشياً على الأقدام من دون اصطحاب حاجيات شخصية، فيما بقي الكثير من قطعان الماشية بالمنطقة (متروكة) نتيجة اشتداد القصف”.

الجنود بدل الجاموس 

مكان حيوان الجواميس المهدد بالانقراض داخل المحمية، تتمركز تشكيلات عسكرية أهمها القوة 77 التابعة للواء السادس التابع للفيلق الرابع في الجيش السوري النظامي، إلى جانب قوات الدفاع الوطني من أبناء القرى والبلدات المحيطة بالمعسكر (المحمية) والمتعاقدين مع الفيلق الخامس المدعوم من روسيا.  

خلال سنوات الحرب وبحسب الراصد العسكري المعروف باسم المرصد عشرين (من المصادر المفتوحة لتعقب الضربات الجوية)، تتمركز  في سهل الغاب ثلاثة معسكرات استراتيجية لقوات النظام، وهي معسكر جورين الذي يحوي قوات روسية، ومعسكر عين سليمو إضافة إلى معسكر شطحة المتعارف عليه بـ”الدردارة”.

يستذكر أحد المربين من سكان المنطقة وضع المحمية قبل تحويلها إلى معسكر، ومركز إعداد لوجستي للقوات المهاجمة: “كنا قبل الأحداث نذهب بحيوان الجاموس الى محمية الدردارة… كان القطيع يذهب إلى هناك ويعود لوحده، بعد تمركز قوات النظام تغير الوضع وحوّلنا مسار الجواميس إلى نهر العاصي لأنه يحتاج (الجاموس) إلى مياه لتبريد جسمه”. 

يقول: “كان لدى أحد جيراني 50 رأساً وأثناء ذهابها إلى المحمية بعد سيطرة قوات النظام عليها، ذبحت القوات 3 رؤوس وبعد معاناة كبيرة استطاع جاري إعادة بقية القطيع”.

لاحقاً وبسبب اندلاع المعارك لحق القطعان الكثير من الضرر، بسبب القصف اليومي من الحواجز المتمركزة في المنطقة، وهو ما تسبب بموت الكثير من الرؤوس التي يملكها. 

ويضيف: “كان لديّ قبل عام 2011 نحو 120 راساً، تناقصت اليوم إلى 40 راساً فقط على رغم عمليات الولادة، إذ قتل عندي أكثر من 20 راساً بسبب القصف، كما مات عدد من الرؤوس بسبب عدم تأقلم الحيوان مع بيئة مخيمات أطمة شبه الصحراوية في شمال إدلب بعد نزوحنا”. 

تحت تهديد الإنقراض

عدم تلقي الدعم المطلوب من المربين من الجهات الرسمية والداعمة أفضى إلى نفوق الكثير من رؤوس حيوان الجاموس وبيع رؤوس أخرى إلى المسالخ نتيجة الحالة المعيشية المتدهورة للمربين.

 وهذا جعل ما تبقى من القطيع تحت تهديد مباشر بالانقراض، على رغم انتشار دوائرها في ادلب وحماة وريف حلب، لم تتطرق الحكومة المؤقتة لعمليات دعم الجاموس، على رغم النداءات المستمرة من الداخل بضرورة الحفاظ  على الحيوان.

وبحسب المهندس، خالد الأحمد، مدير الزراعة والثروة الحيوانية في حماة التابعة للحكومة الموقتة، أكد أنّ منطقة الغاب تعتبر المنطقة الاستراتيجي الوحيدة لتربية هذا الحيوان النادر، إذ لا يوجد حالياً أكثر من 350 رأساً، بعد إحصاء للأعداد أجرته إحدى المنظمات.  

ونوه الأحمد إلى أن أعداد الحيوان في تناقص مستمر كون المربين في مناطق النزوح، ما أدى إلى ضيق المكان وانحسار المراعي، الأمر الذي شكل عبئاً كبيراً على المربين.

إقرأوا أيضاً:

ماذا لو انقرض الجاموس؟

يشرح الصحافي المتخصّص في قضايا البيئة زاهر هاشم، أثر انقراض الجاموس على التنوّع البيئي في سوريا، إضافةً إلى الضرر في مجال الأمن الغذائي والمخاطر على المربّين.

 وقال هاشم: “الجاموس من الحيوانات العاشبة التي تقع في المستوى الثاني من السلسلة الغذائية ضمن المستهلكات الأولى التي تتغذى على النباتات، يليها في السلسلة الغذائية آكلات اللحوم، والأكلة العامّون الذين تتغذون على النباتات والحيوانات معاً، ومنهم الإنسان”.

وأضاف أن الجاموس يشكل ثروة اقتصادية وغذائية للإنسان، بسبب قدرته على تحويل مخلفات المحاصيل إلى غذاء بكفاءة تفوق الأبقار والأغنام والماعز، إضافة إلى طول حياته الإنتاجية وقدرته على إنجاب أعداد كبيرة من المواليد، وكمية الحليب الكبيرة التي يمكن استخلاصها منه، كما تتميز منتجاته من الحليب واللحوم بجودة عالية وثمن مرتفع وقيمة غذائية كبيرة. 

ويؤدي الجفاف وارتفاع درجة الحرارة إلى فقدان الغطاء النباتي الذي يشكل الغذاء الذي يعتمد عليه الجاموس، ما يسبب انخفاضاً كبيراً في أعداده، وقد يؤدي إلى انقراضه. 

بحسب هاشم، تساهم عوامل أخرى في ذلك، مثل فقدان الموطن ونفوق القطعان نتيجة هجرة المزارعين من الصراعات والحروب، واستهداف الثروة الحيوانية بالأعمال العسكرية، والعوامل البشرية التي تدمر البيئة.

تواصل معد التحقيق مع معاون وزير الزراعة، نزيه قداح، للوقوف على الدعم الذي قدمته الحكومة الموقتة من أجل الحفاظ على حيوان الجاموس، وما ترتب على ذلك من خطر انقراض الحيوان، إلا أن رده على الأسئلة المرسلة لم يصل حتى لحظة نشر التحقيق.

من جهة أخرى، لفت المهندس محمد عنيزان، إلى رفع مناشدات لمجالس المحافظات والحكومة الموقتة وعدد من المنظمات الأممية من أجل دعم عملية التربية، لكن بلا نتائج إيجابية. 

ويقول: “حيوان الجاموس بدأ بالانحسار شيئاً فشيئاً، وبالتالي اليوم الجاموس السوري ونسميه السوري لأنه تأقلم مع الظروف لأكثر من 800 عام، وبات اليوم مهدداً بالانقراض”.

حال المربين اليوم

توجه معظم مربو الجاموس السوري من منطقة سهل الغاب إلى المنطقة الشمالية، لا سيما مخيمات الحدود التركية- السورية التي تفتقر لأدنى أساسيات الحياة، يدفعهم في ذلك غياب الاهتمام الحقيقي من المنظمات والحكومات التي أفرزتها المعارضة، إذ اضطر أكثر من 90 في المئة من النازحين قسراً، للعيش في الخيم بعد خسارتهم لأرضهم وحقولهم الزراعية التي كانت تدر عليهم مستلزمات المعيشة.

لم يبق للمربين أي مصدر لتأمين مستلزمات قطيعهم، مثل الأعلاف والأدوية، ما اضطر غالبيتهم للبيع، وبالتالي تأمين استمرارية معيشتهم التي تدهورت الى ما دون الصفر كما يقولون. 

 يقول أحد المربين: “تعودنا على تربية حيوان الجاموس بكثرة في سهل الغاب، وارتبطت التربية بثقافتنا، كنا نصدر أجبان الجاموس الى حلب وحماة، لكن غالبية القطعان نفقت اليوم بسبب عدم تأقلمها على الجو في مناطق النزوح”.

 الكثير من المربين لا يملكون أماكن مخصصة لإيواء الجواميس، فهي تبقى في العراء بجانب المخيمات، يحرسونها ليلاً وهي في حالة يرثى لها. 

يقول: “لم تعد مهنة تربية الجاموس تؤمن حياة كريمة لعائلتي، كما كنا في موطننا الاصلي حيث كان لدي 120 رأساً، أما اليوم بعد تناقص عدد الرؤوس فلم يعد الجاموس يؤمن العلف الذي وصل سعر الكيس منها الى نحو 50 ألف ليرة سورية (15 دولاراً أميركياً)، وهي ذات نوعية رديئة لا تعطي الجاموس الغذاء المناسب لإدرار الحليب”.

المربّي جمعة الجاسم، النازح من قرية التوينة في سهل الغاب منذ شباط/ فبراير 2019، فقد أيضاً جزءاً كبيراً من قطيعه بسبب القصف على القرية، لا يجد الآن مراعي تساعده على تكييف حيوان الجاموس في المنطقة التي يقطن فيها ضمن مخيمات اللجوء، كما أنّ شح الأدوية يزيد من معاناتهم، وهو ما دفعه للتفكير بالتخلص من القطيع وبيعه. 

يتخوّف المختصون في منطقة سهل الغاب من انقراض الحيوان بشكل كلي نتيجة الهجرة القسرية للمربين من المنطقة الاستراتيجية للتربية، وبحسب المهندس الزراعي محمد الحمدي، فإنّ أعداد حيوان الجاموس تدهورت إلى أقل من 300 رأس في مطلع 2020، نتيجة انتقال الحيوان إلى بيئة جديدة بعيدة من بيئته الأصلية. 

يحذّر الصحافي المتخصّص في البيئة زاهر هاشم من تنامي الخسائر بسبب تناقص أعداد الجاموس، ما سيؤثّر في الإنسان كونه المستهلك الأساسي لمنتجاته، ويهدّد بفقدان الأمن الغذائي للمزارعين وخسائر اقتصادية نتيجة توقف إنتاج منتجات الجاموس ومشتقاتها وتصديرها.

أُنجز التحقيق بدعم وإشراف الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية- “سراج”، إشراف وتحرير الزميل أحمد حاج حمدو.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني