fbpx

قصف وحصار وتهجير…
درعا في مهبّ الحكومة السورية

على مدى 10 سنوات، لجأت الحكومة السورية باستمرار إلى أسلوب "الاستسلام أو الموت جوعاً" لمعاقبة السكان المدنيين وتهجيرهم قسراً لعيشهم تحت سيطرة المعارضة في الكثير من المناطق في سوريا.

“لم يتوقف القصف والهجمات المدفعية طوال الساعات الأربع والعشرين الماضية. أرجوكم إيصال هذه الرسالة إلى العالم حتى ينتهي هذا الاعتداء. لا أحد يستمع لأصواتنا”. 

تلقيت هذه الرسالة المشحونة بمشاعر الانفعال من امرأة في درعا البلد جنوب سوريا. ومذ أطلقت هذا النداء، تسبب القصف المدفعي في وقوع عشرات الضحايا وترك آلاف آخرين محاصرين من دون مكان يفرون إليه. وقف إطلاق النار الأخير الذي تم الاتفاق عليه في 2 أيلول/ سبتمبر، لم يؤد إلى إنهاء معاناتهم، إذ واصلت الحكومة قصف المنطقة في استمرار الأساليب القديمة ذاتها المتمثلة في الحصار والقصف ثم التهجير القسري.

كانت محافظة درعا في بؤرة الانتفاضة السورية عام 2011، قبل أن تتصاعد الانتفاضة إلى صراع بين الحكومة السورية وجماعات المعارضة المسلحة ابتداءً من 2012. ودفع سكانها ثمناً باهظاً لدورهم في الانتفاضة. لقد أجبروا على تحمل موجات من القصف المروع الذي انتهى عام 2018 عندما أعلنت الحكومة السورية السيطرة على المنطقة من خلال ما يسمى “اتفاق المصالحة”.

في درعا البلد، تم الاتفاق على أن الحكومة السورية لن يكون لها أي وجود عسكري، بل سيطرة مؤسسية فقط، ما وفر للسكان ملاذاً آمناً من الأجهزة الأمنية سيئة السمعة بسبب ممارسات مثل الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري التي تعرّض الأشخاص لها. سُمح لمجموعات المعارضة المسلحة في درعا البلد بالاحتفاظ بالأسلحة الخفيفة. كان السكان قادرين على التحرك بأمان داخل المنطقة وخارجها من خلال نقاط التفتيش الحكومية التي أقيمت عند مداخل المدينة.

ولكن في 26 حزيران/ يونيو 2021، استيقظ السكان ليكتشفوا أن الحكومة السورية فرضت حصاراً على درعا البلد والأحياء المحيطة بها، مع إغلاق جميع المخارج بحواجز التفتيش، حيث لا يمكن الدخول أو المغادرة. بعد نحو شهر، بدأ القصف العشوائي والاشتباكات مع جماعات المعارضة المسلحة في درعا البلد. فتحت الحكومة لفترة وجيزة إحدى نقاط التفتيش، ما سمح لعشرات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من النساء والأطفال، بالفرار من المنطقة.

أدرك السكان أن فترة الاستقرار والأمن والحرية التي كانوا يتمتعون بها في العامين الماضيين قد انتهت، وبدأ فصل آخر من المشقة والمعاناة.

منذ بدء الحصار، لم تسمح الحكومة السورية لأي منظمة إنسانية بدخول المنطقة لتزويد السكان المحاصرين بالطعام أو الماء أو غيرها من الضروريات المنقذة للحياة، على رغم مناشدات وكالات الأمم المتحدة الإنسانية. أخبرني السكان أنَّ أسواق المواد الغذائية فارغة. وأخبرني عامل إنساني في سوريا أيضاً أن الطعام سينفد من السكان في نحو أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، وبينما تعاني البلاد بأكملها من انقطاعات حادة في الكهرباء، فإن درعا البلد لم تصلها الكهرباء على الإطلاق لأكثر من شهرين متتاليين. 

بحسب أحد السكان: “هناك مخبز واحد في المنطقة توقف عن العمل منذ نحو أسبوعين بعد نفاد الطحين. هناك نقطة طبية مغلقة حالياً بسبب القصف ووجود القوات العسكرية بالقرب منها…. لا يمكننا الحصول على الطعام… لا كهرباء طوال الستين يوماً الماضية… بالكاد لدينا أي ماء… لكن أكثر ما نعاني منه هو انعدام الأمن… القصف مستمر بشكل يومي”.

علاوة على ذلك، فإن الذين يعانون من أمراض مزمنة لا يمكنهم الحصول على الأدوية. قبل الحصار، كان المرضى قادرين فقط على الحصول على الرعاية الصحية في المستشفيات الواقعة خارج درعا البلد، ولكن الآن لم يعد بالإمكان الوصول إليها. ونادراً ما توافق الحكومة السورية على الإجلاء الطبي، على رغم تعهدها بتوفير الرعاية الطبية للمرضى والمصابين من دون قيود.

إذا لم يتدخل المجتمع الدولي، ولا سيما روسيا، للضغط على السلطات السورية لإنهاء الحصار، فإن سكان درعا ليس لديهم أي أمل يذكر في إنهاء معاناتهم في أي وقت قريب.

فقد بعض السكان الأمل في رؤية أي تحرك دولي لإنهاء الحصار والقصف. قال لي طبيب: “الجميع يعلم أنه ليس لدينا أي دواء للأمراض المزمنة. لا توجد أدوية لمرض السكري وارتفاع ضغط الدم والكلى والسرطان وما إلى ذلك. تحتاج المنظمات الإنسانية الدولية إلى إيجاد طريقة لتزويدنا بالمساعدات المنقذة للحياة وبخاصة الأدوية. لن نصمد لفترة طويلة إذا لم يُعالج الوضع”.

على مدى 10 سنوات، لجأت الحكومة السورية باستمرار إلى أسلوب “الاستسلام أو الموت جوعاً” لمعاقبة السكان المدنيين وتهجيرهم قسراً لعيشهم تحت سيطرة المعارضة في الكثير من المناطق في سوريا. وفي تجاهل صارخ للقانون الإنساني الدولي، استخدمت الحكومة السورية مزيجاً من الحصار غير القانوني المطول والقصف العشوائي للمناطق المدنية لإجبار قوات المعارضة المسلحة على الاستسلام والإخلاء، ما مهد الطريق للقوات الحكومية لاستعادة مساحات واسعة من الأراضي. لم يكن أمام المدنيين الذين يعانون من الجوع والحرمان من احتياجاتهم الأساسية من خيار سوى مغادرة منازلهم.

يمر الناس اليوم في درعا البلد في التجربة المروعة ذاتها، التي عاشها سكان الغوطة الشرقية وحمص وداريا وغيرها من المناطق في السنوات الماضية. إنهم يعيشون في ظروف بائسة لأنهم يضطرون تدريجاً وبشكل مؤلم للاختيار بين مغادرة منازلهم أو الاستمرار في تحمل معاناة لا يمكن تصورها.

على رغم الصعوبات، أخبرني أحد الأهالي أن سكان المدينة لن يخضعوا لسيطرة الحكومة السورية: “كيف تعتقد الحكومة أننا نقبل العيش تحت سيطرتها بعدما حاصرونا وجوعونا؟ إنه التكتيك الوحيد الذي يعرفونه”.

إذا لم يتدخل المجتمع الدولي، ولا سيما روسيا، للضغط على السلطات السورية لإنهاء الحصار، فإن سكان درعا ليس لديهم أي أمل يذكر في إنهاء معاناتهم في أي وقت قريب.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
“الأرقام تبدو مشجعة بالنسبة إلى مشاركة النساء في الانتخابات حيث يمثلن 30 في المئة من المرشحين وهذا من شأنه تحقيق التوازن في صنع القرار”
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني