fbpx

الديموقراطية والشباب التونسي:
قبول انقلاب قيس سعيّد “الناعم”؟

إن شعبية قيس سعيّد، المرتكزة على انفصاله عن النخب التقليدية وقدرته على بث قدر من إعادة التأهيل الأخلاقية في عالم السياسة، قد تُترجَم إلى قبول بإطالة أمد "الحالة الاستثنائية" الحالية تحت سلطته.

لعل الأزمة السياسية الحالية التي تشهدها تونس تُمثل أكثر اللحظات اضطراباً في عملية ترسيخ الديموقراطية منذ عام 2013. ففي الوقت الراهن، يتركّز الاهتمام إلى حد كبير على الخطوات التي يتخذها الرئيس، قيس سعيّد، والتي تحمل بين طياتها اهتمامات عابرة مختلفة ذات ميول استبدادية تمكن ملاحظة آثارها، والتي لا تشمل تكديس السلطة بين يديه فحسب، إنما أيضاً فرض قيود على حرية الصحافة، وزيادة التجاوزات والانتهاكات من قبل الشرطة، واستغلال الإجراءات القضائية لمحاكمة المعارضين السياسيين تحت ذريعة مكافحة الفساد. 

وعلى رغم أن المواطنين كثيراً ما ينظرون إلى العملية الانتقالية في تونس على مدى السنوات العشر الماضية على أنها غير كافية أو مُخادعة، فإن الأزمتين الاقتصادية والصحية اللتين عانت منهما البلاد على مدى السنوات الماضية، جنباً إلى جنب مع انتخاب سعيّد، قد خلقتا سياقاً يحظى فيه هذا الانقلاب الناعم بقبول شعبي – على الأقل في الوقت الراهن. والآن بعد تمديد تعليق عمل البرلمان، يتزايد القلق بشأن كيفية الخروج من المأزق الحالي في غياب محكمة دستورية.

بيد أن نجاح التحول الديموقراطي واحتمالات ترسيخ الديمقراطية على الأمد البعيد لا يتوقف فقط على ما إذا كانت لدى قيس سعيّد النية أو حتى القدرة على إيجاد خارطة طريق للخروج من هذه الأزمة التي تسبب فيها. 

في حالة تونس، التي تعاني من التدهور الاقتصادي منذ عام 2011، كانت مظاهر التحسن اليومية الملموسة منذ التحول الديموقراطي غائبة إلى حد كبير بالنسبة إلى معظم التونسيين، بل إن العلاقة بين السياق الاقتصادي المتدهور وتناقص الدعم للديموقراطية بدت جلية في الدراسات التي أجراها معهد البحوث الأفريقي “أفرو بارومتر” (Afrobarometer) ودراسات أخرى.

على أن دعم الديموقراطية في ظل المرحلة الانتقالية يُمكن أن يحدث أيضاً من خلال عمليات التنشئة السياسية، ولا سيما التنشئة الاجتماعية للأجيال الشابة التي لديها خبرة محدودة من العيش في ظل الأنظمة البائدة أو الحكومات السابقة، كما هو الحال مثلاً في ألمانيا الشرقية وتعزيز الثقافة السياسية الديمقراطية في مرحلة ما بعد توحيد البلاد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. يمكن أن تكون عملية التنشئة الاجتماعية للشباب بمثابة شكل من أشكال “تعاقُب الأجيال”، حيث تحل التوجهات الديموقراطية فيما بين الشباب بمرور الوقت محل التوجهات التي تتبناها الفئات الأكبر سناً التي نشأت اجتماعياً في ظل أنظمة مختلفة.

بيد أنه عند النظر إلى نموذج مصغر للشباب التونسيين، وبخاصة في المحافظات المهمشة التي لم تستفد من الناحية الاجتماعية والاقتصادية من التحول الديموقراطي، تشير الأدلة إلى أن التنشئة السياسية خلال العقد الماضي، لم تُسفر عن توجهات ومواقف ديموقراطية واسعة النطاق. فقد كان هناك دائماً بعض القصور في التنشئة الاجتماعية الديمقراطية من خلال الوسائل المؤسسية، ولا سيما نظام المدارس العامة؛ وفي المقابل، لا تزال المفاهيم والقيم السياسية تنتقل إلى حد كبير من جيل إلى جيل داخل الأسر وعبر الأوساط الاجتماعية. ولا يزال الشباب في المناطق المهمشة لا يثقون كثيراً بالمؤسسات والعملية الديمقراطية. أما فيما يتعلق بمفهوم الديمقراطية، فإنه يظل غامضاً من الناحيتين النظرية والعملية. فعزوف الشباب عن دعم النظام السياسي الحالي له آثار مهمة في ترسيخ الديموقراطية على المدى الطويل، ولا سيما خلال هذه الأزمة. إذ إن إدراك توجهات الشباب المهمشين فيما يتعلق بمعتقداتهم وقيمهم السياسية، وأين تحدث عملية التنشئة السياسية على مبادئ الديموقراطية، من شأنه أن يُلقي الضوء على نطاق واسع، على كيفية التطلع إلى الأشهر المقبلة، وإلى قيس سعيّد نفسه، إضافة إلى بعض الآثار طويلة الأجل على ترسيخ الديمقراطية.

عند تناول مسألة التنشئة السياسية للشباب في المناطق المهمَّشة في تونس، يتّضح أن التنشئة الأولية من خلال المدارس قد فشلت إلى الآن في ترك مساهمة حقيقية في نقل المعرفة بالديموقراطية أو صياغة مواقف ديموقراطية.

كيف يفهم الشباب التونسي النظام السياسي؟

في الفترة ما بين كانون الثاني/ يناير ونيسان/ أبريل من عام 2021، أجرت مبادرة الإصلاح العربي 12 مجموعة نقاش، بلغ عدد المشاركين فيها 109 مشاركين، من بينهم شباب تونسيون تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، يعيشون في ست مدن تمثل المناطق المهمشة: فوسانة، والقصرين، وحاجب العيون، والقيروان، والشبيكة، ومجاز الباب. هدفت مجموعات النقاش، التي مثلت قطاعاً عريضاً من الخلفيات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية والتكافؤ بين الجنسين، إلى تقييم توجهات المشاركين إزاء الديموقراطية وكيفية فهم الديموقراطية كمفهوم وممارسة؛ وما هي القيم التي يربطها المشاركون بالديموقراطية، وما تبدو عليه الديموقراطية من منظورهم في الممارسة العملية من الناحية المثالية؛ وكيف تغيرت المعتقدات السياسية للمشاركين وتوقعاتهم مع مرور الوقت؟ ولماذا يقبلون على التصويت أو يعزفون عنه؟ وما هي العوامل التي يختارون على أساسها المرشحين، وما يعتبرونه يُشكل تحديات وأولويات رئيسية لمجتمعهم ولتونس عموماً؟

كشفت المناقشات عن انتقاد شبه مشترك للوضع السياسي الحالي (أي حتى 25 تموز/ يوليو 2021). إذ اعتبر الشباب، أن الأحزاب والنخب السياسية بصفة عامة التي يُنظر إليها على أنها فاسدة ولا تهتم إلا بالمصالح الشخصية فقط، هي المسؤول الرئيس لحالة التدهور التي تشهدها البلاد ومؤسساتها. وعلى نحو مماثل، يُنظر إلى العملية الانتخابية فيما يتعلق بالسياسة على الصعيد الوطني من منظور سلبي. إذ تثير نتائج الانتخابات التساؤلات ليس بسبب الأخطاء الإجرائية، بل لأن المرشحين المنتخبين يُنظر إليهم على أنهم غير مؤهلين و/ أو عاجزون. وفي الواقع، بالنسبة إلى بعض الشباب، فقدت الانتخابات شرعيتها باعتبارها جزءاً من عملية الانتقال الديموقراطي في تونس، بسبب عدم تحقيق نتائج ملموسة، في ما يتعلق بالتحسن الاقتصادي أو مستويات المعيشة. وفي أفضل الأحوال، أقر بعض الشباب بأن الانتخابات شر لا بد منه نظراً لما عانته البلاد من حكم استبدادي في الماضي؛ لكن لا يُنظر إلى العملية الانتخابية للبرلمان أو الرئاسة على أنها تساهم في التمثيل الحقيقي في أي من الحالات. في حين كان الاستثناء الوحيد هو الانتخابات البلدية التي أجريت عام 2018: إذ تعتبر السلطات المحلية أقرب إلى القضايا الحقيقية التي يواجهها المواطنون في الحياة اليومية، فضلاً عن أنها تستجيب بشكل أفضل لتظلماتهم، وعلى هذا النحو حازت الانتخابات البلدية المزيد من الشرعية. 

وفيما تعرضت النخبة السياسية لانتقادات لاذعة في مجموعات النقاش، استُثنيَت منها شخصية واحدة، هي قيس سعيّد. إذ يرتكز الاهتمام بالرئيس الحالي، الذي يسود عنه تصور أنه مختلف إلى حد ما عن القادة السياسيين الآخرين، على أساس الاعتقاد في قدرته على طرح “إعادة تأهيل أخلاقي” للسياسة التونسية. في الواقع، ظهرت فكرة إعادة التأهيل الأخلاقي هذه مراراً وتكراراً في جميع مجموعات النقاش البؤرية عند نقاش مشكلات المشهد السياسي التونسي الحالي. فعلى سبيل المثال، عند تقييم الحركات الاحتجاجية التي اندلعت في العاصمة أوائل العام الجاري (حين حشدت الجماعات السياسية للتنديد بالظروف الاقتصادية السيئة والفساد الحكومي وانتهاكات الشرطة)، يرفض الكثير من الشباب المشاركين شرعية هذا الحشد. فكما أوضحوا، لم تحترم الاحتجاجات “أخلاقيات” البلاد ولم تتناول المظالم المشروعة. إذ اعتبر العديد من المشاركين في مجموعات النقاش أن هذه الاحتجاجات التي اندلعت في تونس العاصمة، والتي شملت من بين رموز أخرى رموزاً صديقة للمثليين وتطرح مطالب منها شرعنة الحشيش، قليلةُ الاحترام للآخرين، نظراً إلى اشتباكات المحتجين مع الشرطة، ونظراً أيضاً إلى أن المطالب لم تكن مرتبطة بالظروف الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

إقرأوا أيضاً:

رد اعتبار أخلاقي

في الواقع، بالنسبة إلى الشباب الذين شاركوا في مجموعات النقاش، يرتبط تحسين الوضع السياسي برد الاعتبار للأخلاق في عالم السياسة، مع ارتباطه أيضاً بقيم الاحترام والمساواة والعدل في ما يتعلق بإعادة التوزيع والوصول إلى الخدمات. علاوة على ذلك، تُعدّ إعادة التأهيل الأخلاقي ضرورة لا في إطار المجال السياسي فحسب، بل في إطار المجال العام بشكل أوسع (كالجهات الإدارية والإعلام، إلخ). وفي حين أن إعادة التأهيل الأخلاقي هذه، بالنسبة إلى كثير من الشباب المشاركين، تشمل أيضاً مكافحة الفساد والقضاء على الوعود السياسية الكاذبة، اعتبر عدد كبير من المشاركين أن إدراج القيم الدينية أمرٌ ضروري لتحسين الأوضاع السياسية في تونس.

غير أنه حين يتصل الأمر بمفهوم الديمقراطية نفسها، يقرّ المشاركون أن كلّاً من الممارسة والمعنى المجرّد يظلّان غامضَين إلى حد كبير. وبالمثل، عند مناقشة أولويات الانتقال الديموقراطي، نجد أن بعض المشاركين أشاروا إلى السمات المؤسسية، كإنشاء محكمة دستورية أو إجراء تعديلات دستورية، فيما أشار آخرون إلى الحل النهائي للبرلمان أو إسكات قادة الأحزاب السياسية لإصلاح النظام السياسي التونسي. بيد أن أولويات الانتقال الديمقراطي، بالنسبة لآخرين، لا تكمن في المؤسسات أو الممارسات بقدر ما تكمن في تنشيط الاقتصاد.

وربما الأكثر دلالة (وتفسيراً) على المواقف السياسية هي تلك الرؤى تجاه ماضي البلاد ومسألة ما تم تحقيقه منذ الثورة، والتي تظهر قدراً من غياب التمييز بين نظام بن علي ونظام ما بعد 2011. فبالنسبة إلى كثيرين، خصوصاً ممثلي الجيل الحالي، تظل ذكرى العيش في ظل نظام بن علي، أو كيفية ممارسة السلطة حينذاك، مجهولة أو مفهومة بشكل غامض. وفي الواقع، تعد النظرة إلى عهد بن علي بالنسبة للبعض إيجابية بالفعل، إذ اتسم بعهد من الأمن والاستقرار والازدهار أطاحت به الثورة. وفيما يقرّ البعض، لا سيما جيل الألفية ممن لديهم المزيد من الذكريات عن نظام ما قبل 2011، بوجود مشكلات لدى النظام السابق، منها انتهاكات حقوق الإنسان وغياب حرية التعبير، يؤكد كثيرون أن الوضع في عهد بن علي كان، مع ذلك، أفضل من الوضع الحالي الذي يشهد جموداً سياسياً وتدهوراً اقتصادياً دائمَين.

غير أن هذا لا يعني أن المواقف الحرة ودعم الديمقراطية أمور غائبة تماماً عن أوساط الشباب في المناطق التونسية المهمَّشة. فقد أشارت النقاشات في بعض الأحيان إلى الحاجة لإبداء التسامح تجاه الآراء المختلفة من قبل المواطنين، وضرورة رفع الوعي، لا في أوساط النخب السياسية، ولكن أيضاً في أوساط الجمهور بشكل عام، فيما يتعلق بالقضايا الرئيسة المطروحة على الساحة التونسية. وبالمثل، عبر بعض المشاركين عن إيمانهم بأهمية المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والنقابات، والدور الذي تلعبه في حماية الحقوق وتوسيع نطاقها. وأخيراً، بدا أن غالبية المشاركين يقرّون بالحاجة إلى إعلام مستقل، بصفته من ضرورات عمل النظام السياسي بشكل صحيح.

لم تحترم الاحتجاجات “أخلاقيات” البلاد ولم تتناول المظالم المشروعة.

التنشئة السياسية وتحدي تعاقُب الأجيال

بالطبع لا تُنتج عملية التنشئة السياسية أبداً مواطنين لديهم الفهم والقيم والمواقف نفسها. ستكون هناك دائماً اختلافات- شديدة الأهمية أحياناً- في تصورات السياسة وتفسيراتها، بغض النظر عن عملية التنشئة السياسية، التي تعدّ عملية معقدة تشمل عدداً من العوامل المختلفة والمتفاعلة، منها السياق التاريخي والاجتماعي، والخصائص السياسية السائدة، وعوامل التنشئة الاجتماعية في أي لحظة محددة، ووقت وقوع أحداث اجتماعية وتاريخية كبرى خلال دورة الحياة. وقد أثبتت الأبحاث حول التنشئة السياسية أن مرحلة المراهقة المتأخرة أو بدايات النضج تمثّل مرحلة شديدة التأثر، يمكنها خلالها تبنّي قيم ومواقف سياسية جديدة، لا سيما عبر المشاركة في الأحداث الاجتماعية والتاريخية، والانخراط في تنظيمات اجتماعية خارج إطار العمل أو الدراسة، والتفاعل مع وسائل الإعلام. ومع ذلك، تؤدي عملية التنشئة الأولية خلال مرحلة الطفولة وما قبل المراهقة، التي تحدث من خلال المدرسة والأسرة، إلى خلق توجهات واضحة أو عامة تدوم عموماً مدى الحياة.

عند تناول مسألة التنشئة السياسية للشباب في المناطق المهمَّشة في تونس، يتّضح أن التنشئة الأولية من خلال المدارس قد فشلت إلى الآن في ترك مساهمة حقيقية في نقل المعرفة بالديموقراطية أو صياغة مواقف ديموقراطية. فبالنظر إلى أن الجيلَين الصغيرَين من الشباب، اللذين نتناولهما بالملاحظة هنا، نجد أنهما قد التحقا بالمدارس في ظل نظامَين مختلفَين، ومن المتوقع وجود دلائل على اختلافات فيما يتصل بالتنشئة السياسية من خلال التعليم. غير أن المشاركين في مجموعات النقاش البؤرية كشفوا عن أن النقاش حول الديمقراطية بالمعنى المَعيش والمباشر، أو التغيرات التي لُوحظت في النظام السياسي التونسي منذ 2011، لم تبرز بأي شكل هادف خلال مسيرتهم التعليمية. ومع أن هناك برامج لتدريس التاريخ والتربية المدنية في نظام المدارس العامة منذ العام 1956، لم تُحدَّث هذه المناهج بشكل كبير منذ العام 2002. بل قاومت وزارة التعليم إجراء أي تحديثات كبرى على الكتب المدرسية ومناهج المدارس فيما يتصل بأحداث عام 2011 والنظام السياسي الجديد المعمول به، وذلك تحديداً لأن البلاد لا تزال في مرحلة انتقالية وما زالت الصراعات الأيديولوجية والسياسية تمثل نقاط توتر. 

لهذا، فإن تدريس ثورة 2011، والصدع الذي تمثله فترة ما بعد عام 2011 غائبان إلى حد كبير عن المناهج الدراسية الرسمية. إذ يعتمد المدرسين، بشكل فردي، أساليب مختلفة في تقديم النظام البائد ومنظومته ومعنى الثورة، وفقاً لتفسيراتهم ومشاعرهم الشخصية إزاء المناخ السياسي الحالي. ونتيجة لذلك، لا يوجد مشروع واسع النطاق ضمن النظام التعليمي لطرح مفاهيم جديدة للمواطنة الديموقراطية وممارستها، أو لوضع إطار مشترك لفهم الاختلافات بين النظام السابق والنظام الحالي، أو لفهم التحديات والفرص الحالية التي تواجه المرحلة الانتقالية في تونس.

لكن في المقابل، كشفت مجموعات النقاش أن التنشئة السياسية لا تزال تحدث إلى حد كبير عبر الانتقال من جيل إلى جيل داخل الأسر، علاوة على تبادل الآراء ضمن الأوساط الاجتماعية القريبة (مثل المقاهي ومراكز الشباب). وبناء على ذلك، يبدو أن الاختلافات في التوجهات الديموقراطية التي بدت في مجموعات النقاش البؤرية، لم تظهر على أساس الأجيال الصغرى بل على أساس الهويات الاجتماعية.

والآثار المترتبة على ذلك في الأجل الطويل هي أنه ما لم تطرأ تغييرات كبيرة على مناهج تعليم التاريخ والتربية المدنية، فإن عملية التنشئة السياسية على مبادئ الديمقراطية ستظل تدريجية بدلاً من أن تكون جيلية، مما يشكل تهديداً على تعزيز التوجهات الديمقراطية على الصعيد المجتمعي. حتى في غياب التنشئة الاجتماعية الديمقراطية عن طريق المدارس، فقد كشفت مجموعات النقاش أيضاً أن وقوع حدث تاريخي كبير أثناء سن المراهقة/ البلوغ -المقصود هنا ثورة 2011- والمشاركة في السياقات التنظيمية المتصلة بالثورة من شأنه أن يساهم في تبني التوجهات والمعتقدات الديمقراطية، ولو جزئياً على الأقل. وقد بدا ذلك واضحاً على وجه الخصوص بين شباب جيل الألفية.

تأثيرات على ترسيخ الديمقراطية

تثبت دراسات من سياقات أخرى للانتقال الديمقراطي، ومنها سياقات أنظمة ما بعد الشيوعية، أن التنشئة السياسية عاملٌ مهم في ترسيخ الديمقراطية، ويمكن حقاً أن تعمل رافعةً تدعم إتمام المكاسب الاقتصادية بعد مرحلة الانتقال. بيد أن أهمية التنشئة الاجتماعية السياسية على مبادئ الديمقراطية قد تبرز بشكل أكثر جلاءً في حالات غياب المكاسب الاقتصادية، كالحالة التونسية. وقد تثبُت صحة ذلك على وجه التحديد في الأسابيع والشهور القادمة، مع تبلور الوضع الذي لا يزال شديد التقلب للأزمة السياسية الحالية. ولكن بالنسبة إلى الشباب التونسي في المناطق المهمَّشة، فإن التشويه شبه التام للسياق السياسي الحالي، إلى جانب الافتقار إلى كلٍّ من المعرفة النظرية والعملية بالنظام السياسي الديموقراطي، يعني أن الحفاظ على التنشئة الاجتماعية السياسية على مبادئ الديموقراطية- بخاصة في ضوء الأزمتَين الاقتصادية والصحية- قد لا يُعد أولوية. علاوة على ذلك، فإن شعبية قيس سعيّد، المرتكزة على انفصاله عن النخب التقليدية وقدرته على بث قدر من إعادة التأهيل الأخلاقية في عالم السياسة، قد تُترجَم إلى قبول بإطالة أمد “الحالة الاستثنائية” الحالية تحت سلطته. ولا يعني هذا القبول بعودة كاملة للاستبداد. بل على العكس من ذلك، يتشارك الشباب حتى في المناطق المهمَّشة قيماً سياسية من قبيل الاحترام والإنصاف وإعادة التوزيع، وهي قيم تشير في حدّ ذاتها إلى خطاب مختلف حول العلاقة بين الدولة والمجتمع، نشأ منذ عام 2011. بيد أن الخطر يكمن في احتمال القبول بإلغاء العملية السياسية الديموقراطية.

مع الإقرار بأنه من المبكر للغاية إعلان فشل عملية الانتقال الديموقراطي في تونس، أو اعتبار قيس سعيّد مستبداً جديداً في منطقة شمال أفريقيا، تثبت الأزمة الحالية سبب وجوب التشديد في عمليات الانتقال الديموقراطي، على عملية التنشئة السياسية وفق مبادئ الديموقراطية ووجودها، لتعزيز مهمة ترسيخها. ففي حين أن مشاركة الشباب في الأحداث التاريخية والسياقات التنظيمية المرتبطة بعملية الانتقال هذه، تؤدي حتماً إلى تغييرات في المواقف وإلى تبنّي القيم الديموقراطية، فإن هذه الأمور ليست كافية في حدّ ذاتها لتعزيز الدعم الجماهيري للنظام. وطبعاً ما من صيغة سحرية لترسيخ الديمقراطية، لكن تعدّ الأزمتان الاقتصادية والصحية من أبرز العقبات أمام بناء دعم جماهيري للنظام السياسي الجديد في تونس. ويجب أن يبقى التركيز على التنشئة من خلال النظام التعليمي جزءاً من أي جهود إصلاحية هادفة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
ربما من قبيل القسوة، القول إن الحدثين الدمويين الأخيرين لم يفاجئا أحدا، لا داخل أفغانستان ولا خارجها، وأولهم الشيعة الهزارة، ذلك أنهم لم يعرفوا مصيرا سوى القتل، منذ نشأة أفغانستان بحدودها الجغرافية الحالية.
Play Video

7:06

Play Video

2:08

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني