“تمنّيتُ الموت آنذاك”…
النظام السوري يستدرج العائدين ويفتك بهم

الشهادات تُظهر أن النظام السوري ينظر إلى اللاجئين العائدين على أنهم غير مُخلصين لوطنهم لأنهم فرّوا من سوريا، وهو ما يعزّز نزعة العنف تجاههم ويجعلهم عرضة لأبشع أنواع الانتهاكات، وبالتالي ينسف فكرة "سوريا الآمنة".

“نزعوا ثياب ابنتي وقيدوا يديها وعلقوها على الحائط، ثم ضربوها… كانت عارية تماماً. أدخل أحدهم قضيبه في فمها، ولما فقدت الوعي، سكبوا الماء عليها، حاولت أن أقبل أقدامهم ليكفوا عنها، فسألوني: لماذا رحلت عن سوريا؟ ماذا أحضرت معك؟… نعتوني بـ”العاهرة”، وبأنني جاسوسة لداعش، وإرهابية”.

تروي آلاء لـ”منظمة العفو الدولية” كيف ألقى ضباط المخابرات القبض عليها هي وابنتها البالغة من العمر 25 سنة، عند المعبر الحدودي أثناء عودتهما من لبنان، واحتجزوهما لمدة خمسة أيام في أحد مراكز المخابرات، بتهمة “انتقاد الرئيس الأسد في الخارج”.

آلاء وابنتها هما عيّنة من قصص العنف الجنسي التي وثقتها المنظمة الدولية في تقرير موسع. بحسب التقرير اعتدى مسؤولو أمن سوريون على عائدين من الأطفال والنساء والرجال، عند المعابر الحدودية أو داخل مراكز الاعتقال أثناء الاستجواب في يوم العودة أو بعده بقليل. وذلك بهدف “إذلالهم ومعاقبتهم على الرحيل عن البلاد”، إذ روى سامر أن أحد عناصر الأمن ضربه على خصيتيه أثناء التحقيق معه إثر عودته، وقال له: “نحن نضربك هنا كي لا تستطيع إنجاب أطفال يلحقون الضرر بوطنهم مثلما فعلت أنت”. 

نور (اسم مستعار) تعرّضت أيضاً لعنف الأمن السوري عند المعبر الحدودي بين لبنان وسوريا، إذ قال لها أحدهم، “لماذا رحلت عن سوريا؟ لأنك لا تحبين بشار الأسد ولا تحبين سوريا؟ أنت إرهابية… سوريا ليست فندقاً تغادرينه وتعودين إليه متى تريدين”… ثم اغتصبها ضابط الأمن، هي وابنتها البالغة من العمر خمس سنوات. 

هذه الشهادات وغيرها وردت في تقرير “منظمة العفو الدولية” الصادر في 7 أيلول/ سبتمبر 2021 تحت عنوان “أنت ذاهب إلى الموت… الانتهاكات ضد اللاجئين السوريين العائدين إلى سوريا”. 

التقرير بما فيه من شهادات بالغة العنف، يُظهر أن المسؤولين السوريين ينظرون إلى اللاجئين العائدين على أنهم غير مُخلصين لوطنهم لأنهم فرّوا من سوريا، كما أن السلطات السورية تعتبر الأفراد الذين رحلوا عن البلاد من المؤيدين للمعارضة، وهو ما يعزّز نزعة العنف تجاههم ويجعلهم عرضة لأبشع أنواع الانتهاكات. 

هذا الواقع يُناقض تماماً ما تروَّج له الحكومة السورية وبعض الدول عن أنهقد “آن الأوان لعودة اللاجئين”، وينسف فكرة “سوريا الآمنة”. هذا عدا أن إعادة اللاجئين في هذا الوقت تعدّ انتهاكاً للمادة 33 من اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، وغيرها من المواثيق الدولية التي تُحرّم على الدول نقل الأشخاص إلى أي مكان يُرجح أن يتعرضوا فيه لخطر الاضطهاد، أو غيره من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان. ومن هذه الدول الدانمارك والسويد، اللتان بدأتا بإعادة النظر في الحماية الممنوحة للأشخاص الفارين من سوريا، وذلك استناداً إلى تقييمهما للأوضاع، إذ تريان أن هناك مناطق في سوريا، مثل دمشق وريف دمشق، صارت آمنة باعتبار أن العنف العشوائي الناجم عن العمليات العسكرية العدائية تقلّص. 

أما في لبنان، فاعتمدت الحكومة في تموز/ يوليو 2020 خطة تتضمّن إطاراً لتنظيم عودة اللاجئين السوريين، وعلى رغم أن هذه الخطة لم توضع موضع التنفيذ بعد، فقد عمدت السلطات اللبنانية إلى ترحيل أكثر من 6000 مواطن سوري إلى سوريا، بناء على قرار رسمي صادر عام 2019 يقضي بإعادة المواطنين السوريين الذين دخلوا البلاد بصورة “غير قانونية” خلال الفترة بين منتصف عام 2019 وأواخر عام 2020، فيما أدّت التدابير الإدارية المقيدة والإجراءات الصارمة ضد اللاجئين في تركيا إلى تصعيد الضغوط على اللاجئين لحملهم على العودة.

“أنتَ ذاهب إلى الموت”… 

“لم أقدر على تحمّل المزيد، لمت نفسي على العودة، نصحني الناس في لبنان بألا أعود، قالوا لي: أنت ذاهب إلى الموت… لم أصدقهم لأنها (سوريا) بلدي”… يقول كريم، الشاب السوري الذي تعرّض للاعتقال والتعذيب 6 أشهر بعد عودته من لبنان إلى سوريا. 

تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن نسبة صغيرة من العدد الإجمالي للاجئين قد عادت إلى سوريا، إذ سجّلت المنظمة عودة حوالى 280 ألف سورياً بين عام 2016 ومنتصف عام 2021، وإن كان من المرجّح أن يكون الرقم الحقيقي، بما في ذلك العائدون عبر طرق غير رسمية، أعلى من ذلك.

نهج نظام الأسد لا يزال قائماً.

من خلال تحقيقاتها، وثقت “منظمة العفو الدولية” 66 حالة لأفراد تعرضوا لانتهاكات جسيمة لدى عودتهم إلى سوريا، ويتألف هؤلاء من 13 طفلاً تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أسابيع و17 عاماً، و15 امرأة، و38 رجلاً.

كان من بين المعتقلين ماهر الذي عاد من لبنان في مطلع عام 2018، وقال إن “عملاء المخابرات اعتقلوه لمدة شهرين ونصف الشهر، واستجوبوه 15 مرة، وكانوا ناقمين عليه بسبب موطنه الأصلي في سوريا”. إذ قالوا له وفقاً لما رواه لـ”آمنستي”، “أنت من جنوب حلب، أنت إرهابي”. 

الاعتقال التعسفي شمل 59 من بين العائدين الـ66 الذين تعرضوا لانتهاكات بعد عودتهم من الخارج، وبينهم سيدتان حاملتان وتسعة أطفال تتراوح أعمارهم بين ثلاث أسابيع و16 سنة، سبعة منهم لا يتجاوز عمرهم أربع سنوات. في إشارة إلى أن السلطات السورية تتخذ الاحتجاز كوسيلة للابتزاز، فمن الشائع أن تضطر عائلات المعتقلين إلى دفع أموال من أجل الحصول على معلومات أو تأمين الإفراج عن أقاربهم المحتجزين. إذ قال أشخاص ممن تواصلت معهم المنظمة إنهم “دفعوا مبالغ تتراوح قيمتها بين 1200 و27000 دولار أميركي. 

“ظنت عائلتي أنني مُتّ، وشيعوا جنازتي”… الإخفاء القسري وسيلة أيضاً

“صعقوني بالكهرباء بين عيني، شعرت وكأن دماغي بأكمله يرتجف، كنت أغيب عن الوعي أحياناً… وفي نهاية المطاف، لم أعد قادراً على تحمل جسمي، انخلع كتفي من مفصله، سلطوا الكهرباء على رأسي، تمنيت الموت آنذاك”. يقول اسماعيل، الذي أُلقي القبض عليه بعد يومين من عودته من لبنان واحتُجز لمدة 3 شهور ونصف الشهر، في شهادةٍ أخرى حصلت عليها “آمنستي”.

الضرب العنيف أيضاً هو إحدى وسائل الأمن السوري المعتمدة، وذلك باستخدام أدواتٍ كالقضبان المعدنية والكابلات الكهربائية، الأنابيب البلاستيكية، وجنزير دبابة في إحدى الحالات. وذلك غالباً بهدف انتزاع “اعترافات” بالإكراه على ارتكاب جرائم مزعومة من العائدين، أو لمعاقبتهم، أو بدعوى معارضتهم للحكومة. 

ليس هذا وحسب، الإخفاء القسري هو نهج لا يزال قائماً لدى النظام السوري. 

“ظنت عائلتي أنني مُتّ، وشيعوا جنازتي”، يقول سامر (اسم مستعار) الذي أخفته قوات المخابرات العسكرية قسراً لمدة 9 شهور إثر عودته من مخيم الركبان في الأردن. كما وثقت “منظمة العفو الدولية” 27 من حالات الإخفاء القسري، من بينها 4 أطفال، اختفوا بعد اعتقالهم. 

ما ورد في تقرير “العفو” يُظهر أن نهج نظام الأسد لا يزال قائماً ويرتكب طائفة واسعة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ضد السوريين، خصوصاً تجاه العائدين الذين يعدّهم “خائنين” ويضعهم في خانة خصومه السياسيين منذ بدء الصراع. 

تقرير “العفو” الدولية يؤكّد أن ادعاءات الأمان في دمشق وضواحيها كاذبة والعودة إليها خطر، إذ إن ثلث الحالات الموثّقة في تقرير المنظمة ينطوي على انتهاكات وقعت في دمشق.

“قولوا للناس لا تعودوا إلى سوريا، لا تعودوا إلى بلدكم، لقد عدت إلى بلدي وأنا نادمة على ذلك، المصالحة أكذوبة كبيرة…”، تقول آية التي اغتصبها ضُبّاط المخابرات بعد عودتها من لبنان إلى “بلدها” سوريا. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني