لبنان: مرضى على حافة الموت
ومستشفيات بلا أدوية ولا أطباء!

يشهد لبنان انهياراً في مختلف القطاعات، ويبدو الانهيار الصحي أحد أصعب أوجه الأزمة، بعدما كان ضمن أكثر الدول التي حققت تقدماً في توفير الرعاية الصحية ونوعيتها ضمن البلدان ذات المؤشر الاجتماعي الديموغرافي المتوسط.

“حرارتي 40 بس عندي دوام وما في حدا يغطي، مستحيل الطوارئ تكون فاضية”، يصف محمد بولاد وضعه كطبيب طوارئ في مستشفى بيروت الحكومي. ويضيف حين سؤاله عن عائلته: “في غصة عند بيي، كان بيحب تكون حياتي أسهل من هيك، وزوجتي أكيد بتعاني من غيابي، بس هيدا قراري باختيار هيك اختصاص”.

ويروي الطبيب الطرابلسي معاناة الوصول إلى المستشفى في ظل شح البنزين وأزمة المواصلات، “بروح وبجي كل يومين تقريباً، أيام ما بلاقي بنزين بضطر عبي سوق سوداء لأوصل، بالعلم أنا معاشي مليون ونصف”. وأضاف: “نحن ما تعودنا على هيدا الذل بحياتنا بس هلق عم نتأقلم على مستوى حياة دون المستوى اللي كنا فيه”.

وعند انتهاء الدوام يضطر بولاد إلى البقاء في المستشفى ليوفر بعض البنزين الذي بات الحصول عليه يتطلب الوقوف في الطابور لساعات أمام المحطات المزدحمة، “عائلتي بحاجة الي بشكل يومي بهيك وضع حساس، النومة بالمستشفى صعبة نفسياً خاصة بالنسبة لشخص متزوج وعندو بنت عمرها شهر”.

طموحات بولاد، الذي أنهى دراسته في روسيا، كغيره من الأطباء والشباب، كانت بعيدة ووردية، لكنّ أحوال البلاد فرملت كل شيء، حتى إن قرار ترك العمل والبقاء في البيت بات قريباً، لأسباب كثيرة، منها أزمة البنزين والراتب الذي لم يعد يكفي لتأمين الحاجات الأساسية.


الهجرة هي الحل…

نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون كان أشار في تصريح سابق إلى غياب الطواقم الطبية القاطنة في مناطق بعيدة، “بات وصولهم إلى المستشفيات يكلفهم أكثر من 30 أو 40 ألف ليرة، ما يعني نحو مليون ليرة شهرياً، فيما الراتب غالباً لا يتعدى المليوني ليرة”.

وأضاف هارون أن المستشفيات قد تضطر إلى “رفع الفاتورة الطبية لتغطية زيادة الرواتب أو خسارة أطقمها الطبية”. علماً أن حوالى 55 في المئة من الطواقم الطبية في لبنان، منهم 1600 ممرض وممرضة منذ عام 2019، هاجروا بحسب نقابة الممرضين والممرضات.

وتصف الممرضة مريم (29 سنة) صراعها بين الهجرة من أجل مستقبلها وبين واجبها كممرضة “واجبنا عم نعمله بس حقوق ما عنا، دوام 12 ساعة باليوم كرمال معاش ما بيطلع 50 دولار بروح كلو على المواصلات”.

إقرأوا أيضاً:

انهيار القطاع الصحي: لا دواء ولا مستشفيات

يعاني القطاع الطبي من أزمة انقطاع الأدوية والمعدات الطبية الخاصة بالعمليات الجراحية وأمراض القلب والأوعية الدموية ومادة “البنج” المخدرة. ويعود ذلك إلى عجز مستوردي الدواء عن استقدام الأدوية، إذ تطالب المصانع في الخارج بأموالها التي لم يدفعها مصرف لبنان.

وإذا كان مصرف لبنان قد أعلن رفع الدعم عن الدواء، فإن سياسته العشوائية في دعم المستلزمات الطبية قد دفعت المستوردين إلى بيعها بسعر غير مدعوم، ما جعل المستشفيات عاجزة عن تحمل تكلفة مضاعفة بنحو 10 مرات.

“ست ساعات بالمستشفى ناطرين الدواء، الصبي مريض، فات طوارئ ولهلق ما لاقوا شي”، تقول والدة الطفل آلاء التي التقاها “درج”، وتضيف: “أنا عندي تأمين إلي ولابني، فايتين طوارئ مع هيك نطرنا ساعتين حتى وافق التأمين لنفوت على الغرفة، وكمان جبرونا نعمل فحص كورونا لطفل ما عمرو سنة ما ما بيعاني من أي عوارض لكورونا”.

وبسبب شح مادة المازوت توقف “مستشفى المقاصد” عن استقبال المرضى الجدد، إذ أصبح عاجزاً عن تأمين الخدمات اللازمة لهم. وأعلن “مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت خروجه عن الخدمة، بعد عجزه عن تأمين ما يكفيه من المازوت لتوليد الطاقة.

وحذرت المستشفى من توقف أجهزة التنفس الاصطناعي عن العمل إذ “يعيش 40 مريضاً بالغاً و15 طفلاً على أجهزة التنفس”. وأضافت أن “المئات من مرضى السرطان قد يموتون خلال الأسابيع والأشهر القليلة اللاحقة من دون علاج مناسب”.

حوالى 55 في المئة من الطواقم الطبية في لبنان، منهم 1600 ممرض وممرضة منذ عام 2019، هاجروا بحسب نقابة الممرضين والممرضات.

مرضى السرطان في مواجهة الفساد

تروي إسراء التي تعاني من مضاعفات سرطان الثدي والغدد، معاناتها مع انقطاع الأدوية: “انا ناجية من السرطان مرتين، بدي دواء خاص لحتى ما ترجع الخلايا السرطانية، بس فجأة وبدون سابق انذار انقعطوا الأدوية، الابرة اللي باخدا باستمرار اختفت، حاولت اسأل بصيدلية لجمعية ما لاقيت شي، سألت بسوريا كمان ما لقيت شي”.

وعند استخدامها البديل الذي وصفه طبيبها، تضرر البنكرياس وأصبحت تعاني من مرض السكري. وتنقل اسراء ما قاله الطبيب: “1 في المئة من الناس يمكن أن تحصل معهم حالة من هذا النوع. ويبدو أنني أحد هؤلاء لسوء حظي”.

 تلجأ إسراء إلى شراء أدويتها من تركيا وسوريا وبالعملة الصعبة، فالضمان الاجتماعي لا يغطي الأدوية غير المسجلة لديه. وتصف حالتها في ظل الأزمات التي يعيشها لبنان: “أنا مدمرة نفسياً، جسدياً، اجتماعياً، مالياً، أعيش بقلق وخوف من ألا أجد الدواء الذي علي تأمينه لمدة عشر سنوات حتى أشفى. عشر سنوات… ماذا سأفعل؟”. 

رئيس جمعية “بربرا نصار” المعنية بمساعدة مرضى السرطان، هاني نصار، يضف ما يحصل اليوم بـ”إبادة الجماعية”، إذ اضطر مرضى السرطان إلى الاحتجاج في الشارع للمطالبة بأبسط حقوقهم، الرعاية الصحية والدواء.

يشهد لبنان انهياراً في مختلف القطاعات، ويبدو الانهيار الصحي أحد أصعب أوجه الأزمة، بعدما كان ضمن أكثر الدول التي حققت تقدماً في توفير الرعاية الصحية ونوعيتها ضمن البلدان ذات المؤشر الاجتماعي الديموغرافي المتوسط. في المقابل، لا حلول في الأفق، وينشغل المعنيون في المناكفات السياسية والمحاصصات، فيما يعيش آلاف المرضى على حافة الموت.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
تحرك الجهات المختصة السريع حول العالم لدراسة البروفيل الجيني للمتحور الجديد أظهر مفاجآت في المتحور لم تكن بالحسبان
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني