fbpx

جوانب أخرى لأنغيلا ميركل

سبتمبر 5, 2021
في عصر ابتُلي بقيادات تتسم بالتذبذب والعنترية أمثال دونالد ترامب وبوريس جونسون وناريندرا مودي وجايير بولسونارو، قدمت ميركل نموذجاً للقيادة العاقلة والراسخة.لكن هل هذا هو الوجه الوحيد لحقبتها؟

هذا الصيف، ومع انكسار حدة الوباء وإعادة فتح أوروبا للأعمال والترفيه، ستنتهي حقبة ميركل. عقب فترة حكمها التي دامت 16 عاماً بصفتها مستشارة ألمانيا، تستحق أنغيلا ميركل أن تنال الكثير من الإعجاب والثناء على شتى الأصعدة. عندما صنعت ميركل التاريخ في خريف عام 2005 لكونها أول امرأة تُنتخب في منصب مستشارة ألمانيا، كان معدل البطالة يتجاوز نسبة 11% بقليل، وكانت مكانة ألمانيا متدنية على نطاق واسع بوصفها “رجل أوروبا المريض”. كان طلاب الدكتوراه على جانبي المحيط الأطلسي يكتبون أطروحات لمحاولة الكشف عن أسباب وعكة ألمانيا متسائلين عن العراقيل التي تحول دون عملية الإصلاح في ألمانيا. وفي أعقاب أربع حكومات لميركل منذ توليها المنصب، بلغ معدل البطالة في ألمانيا 6% (وقد كان من الممكن أن ينخفض المعدل بنسبة أكبر لولا الوباء الذي اجتاح العالم أجمع)، وما من أحد يُشكك في قيادة ألمانيا السياسية والمالية والاقتصادية للاتحاد الأوروبي.               

في عصر ابتُلي بقيادات تتسم بالتذبذب والعنترية أمثال دونالد ترامب وبوريس جونسون وناريندرا مودي وجايير بولسونارو، قدمت ميركل نموذجاً للقيادة العاقلة والراسخة. بالفعل، في السنوات الأولى لرئاسة ترامب، كان المراقبون السياسيون على ضفتي الأطلسي مغرمين بوصفها “قائدة العالم الحر” الجديدة. وقد رفضت ميركل على الدوام هذا اللقب التشريفي، على الرغم من أنها كانت بلا شك الزعيمة الفعلية للاتحاد الأوروبي. لكن أي نوع من الزعامة قدمتها للمشروع الأوروبي؟      

تُصور العديد من التقييمات المساندة [المؤيدة/المتقدة]، التي تناولت فترة حكمها، ميركل باعتبارها منقذة أوروبا – صاحبة الأيدي الثابتة والواثقة التي قادت الاتحاد الأوروبي في خضم سلسلة من الأزمات غير المسبوقة. كما تسرد تلك التقييمات دورها خلال العقد الماضي على النحو التالي ذكره. عندما هددت أزمة الديون الأوروبية (أزمة منطقة اليورو) باجتياح مؤسسات الاتحاد الأوروبي، تغلبت ميركل على المقاومة المحلية للتفاوض بشأن تقديم كفالات إنقاذ مالية لأعضاء منطقة اليورو الأكثر تضرراً، كما قدمت الدعم السياسي لعمليات ضخ السيولة الضخمة التي نفذها البنك المركزي الأوروبي، علاوة على تمهيد الطريق لعدد لا يُحصى من مؤسسات الاتحاد الأوروبي الجديدة، بما في ذلك اتحاد مصرفي شامل. وعندما ضمت روسيا بقيادة فلاديمير بوتين شبه جزيرة القرم وتدخلت عسكرياً في منطقة دونباس شرق أوكرانيا، تمسكت بحالة من ضبط النفس وتولت زمام المبادرة للتفاوض بشأن اتفاقيات مينسك. وفي غمرة أزمة اللاجئين في صيف عام 2015، أظهرت إنسانيتها – بكلفة سياسية كبيرة – عند السماح لأكثر من مليون شخص أغلبهم من اللاجئين السوريين بدخول ألمانيا.
علاوة على ذلك، ساعدت ميركل دول الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على جبهة موحدة خلال مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد. وأصرت على عدم المساس بالحريات الأربع للتنقل باعتبارها حريات لا تتجزأ – للسلع والخدمات ورأس المال والأشخاص – والتي تُميز السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. وفي ربيع عام 2020، ألقت بثقلها السياسي لدعم إطلاق صندوق للتعافي من للوباء بقيمة 750 مليار يورو (913 مليار دولار) يتم تمويله من خلال السندات المشتركة الصادرة من المفوضية الأوروبية، مما يُمثل خطوة بارزة تجاه تأسيس نظام اتحاد مالي واقتصادي في الاتحاد الأوروبي.     

German Chancellor Angela Merkel sits in a car after her visit at the flood-damaged municipality of Altenahr, western Germany, on September 3, 2021. – After days of extreme downpours, devastating floods hit the valley of the river Ahr in July 2021. (Photo by Markus Schreiber / POOL / AFP)

                 

ثمّة بعض الحقائق في هذه السردية الرائعة عن ميركل، لكنها تسرد جانباً واحداً فقط من القصة. فهناك أيضاً جانب أكثر قتامة في قيادة ميركل في أوروبا – سواء بالنسبة لتكتيكات صنع القرارات المحددة التي اعتمدت عليها أو بالنسبة للمبادئ العامة التي وجهّت سياساتها.

عند التعامل مع الأزمات السياسية في أوروبا، كانت حيلة ميركل السياسية الأساسية هي المماطلة والتردد. اشتهرت ميركل باتباع هذا النهج لدرجة أن المراهقين الألمان أصبحوا يحولون اسمها إلى فعل – “ميركلين” – [(Merkeln) فعل استحدث في اللغة الألمانية مشتق من اسم ميركل يعني عدم القدرة على اتخاذ القرارات أو إبداء آرائك الخاصة] حتى أصبحت كلمة عامية تدل على التردد الشديد وعدم قول أو فعل أي شيء تجاه أي مسألة. (احتل هذا اللفظ في البداية الصدارة في مسابقة كلمة الشباب لهذا العام في 2015 للناشر لانغنشيدت، لكن انتهى الأمر بخسارته أمام لفظ Smombie، وهي كلمة تجمع بين الكلمتين “Smartphone” و”Zombie” [للإشارة للأشخاص الذين يمشون في الشوارع دون مشاهدة أين يذهبون، لأنهم ينظرون فقط إلى شاشة هاتفهم]).        

ففي أغلب الأزمات، تبنت ميركل نهج المماطلة – مترددة في اتخاذ قرارات مهمة حتى آخر لحظة ممكنة، ثمّ بعد ذلك، توافق غالباً على فعل الحد الأدنى الضروري للحفاظ على سير الأمور على ما يرام وعدم انهيارها. وفي حالات عديدة – بدءاً من أزمة اليورو وصولاً لأزمة سيادة القانون في المجر وبولندا – أدى تقاعسها الاستراتيجي لمشكلات خطيرة تتفاقم لتصبح أكثر عمقاً.   

لم يقتصر الأمر فقط على المشكلات المترتبة على تكتيكات المماطلة التي تتبعها ميركل، فالأكثر إثارة للقلق هو جوهر العديد من سياساتها، والتي يمكننا أن نطلق عليها ببساطة لفظ “الميركلية”، والذي يعني إعطاء الأولوية المنهجية للمصالح التجارية والجغرافية-الاقتصادية لألمانيا في مقابل القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان أو مبدأ التضامن بين دول الاتحاد الأوروبي. فبدءاً من تدليلها للرجل المجري القوي فيكتور أوربان من خلال مساندته في بناء أول حكم استبدادي في الاتحاد الأوروبي ووصولاً إلى توددها الشديد للمنافسين الجيو-استراتيجيين لأوروبا في روسيا والصين، إذ مالت ميركل إلى وضع الربح والمنفعة الخاصة بألمانيا فوق المبادئ والقيم الأوروبية. وكان هذا هو الحال مع أزمة منطقة اليورو، عندما نُظمت برامج كفالات الإنقاذ المالية التي نفذها الاتحاد الأوروبي لتحقيق منافع للمصرفيين الألمان بصورة تدعو للسخرية وذلك على حساب العمال اليونانيين والبرتغاليين. حتى في اللحظة الأكثر جرأة في قيادتها الأخلاقية، خلال أزمة الهجرة عام 2015-2016، أخفقت في نهاية المطاف في إقناع نظرائها من قادة الاتحاد الأوروبي بصياغة سياسة إنسانية مشتركة، ولجأت بدلاً من ذلك إلى عقد صفقة بغيضة – “المال مقابل اللاجئين” – مع تركيا.                

وأخيراً، انقلبت ميركل على عقبيها في كلمتها لعام 2020 حول سندات اليورو التي صدرت استجابة لتداعيات جائحة كورونا، وأوضحت بصورة جلية أنها رأت في هذا الإجراء مبادرة تضامن يمكن تنفيذها لمرة واحدة للاستجابة للظروف الاستثنائية بدلاً من اعتبار هذه الخطوة وسيلة للتحول الجوهري تجاه تكامل مالي أوثق في الاتحاد الأوروبي. يسعى هذا النهج لتخليد ما يمكن وصفه بالامتياز الألماني الفاحش في منطقة اليورو، حيث تستمر ألمانيا في تحقيق المنافع من معدلات الفائدة شديدة الانخفاض بسبب وضعها كملاذ آمن في الأسواق المالية وكذلك الاستفادة من اليورو المتوفر بأقل من قيمته السوقية لتعزيز قطاع الصادرات القوي هناك. في الوقت الذي تترك فيه الاقتصادات الأوروبية في الجنوب تعاني من مساوئ مطردة.    

إقرأوا أيضاً:

      

في أواخر التسعينيات وأوائل الألفينات، وقبل تولي ميركل منصب المستشارة الألمانية، اعتاد الاتحاد الأوروبي تصوير نفسه بوصفه قوة “معيارية”. ولطالما روَّج زعماء الاتحاد الأوروبي لفكرة أنه بالرغم من افتقاره إلى سمات القوة العسكرية العظمى التقليدية، فبوسعه تولي دفة القيادة العالمية من خلال تعزيز معايير مثل الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي. لكن قيادة ميركل على مدى ستة عشر عاماً جعلت مثل هذه التطلعات السامية محط سخرية. فقد دفعت ميركل الاتحاد الأوروبي إلى استرضاء الحكام المستبدين بدلاً من الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإلى تبني التقشف والإصلاحات المؤلمة بدلاً من  تعزيز التضامن والاستثمار العام.

وفي ربيع عام 2010، حينما اتضح لأسواق السندات أن وضع ميزانية اليونان غير مستدام، عُرف عن ميركل إصرارها على توجيه قواعد منطقة اليورو نحو القوي وليس الضعيف، وتعهدت رسمياً بعد عامين بأنها لن تعتمد حلولاً منهجية مثل إصدار سندات اليوروبوند- أي أدوات الدين المشتركة- طوال فترة عملها في المستشارية (“طالما بقيت”). كان الخيار المطروح أمام ميركل وقادة آخرين من الدول الأعضاء “الأساسية” في الاتحاد الأوروبي هو إما إنقاذ الأعضاء “الواقعين على أطراف منطقة اليورو” مثل اليونان وأيرلندا أو السماح لهم بالتخلف عن السداد مع بقائهم في منطقة اليورو. ولم يكن الخيار الأخير مستساغ سياسياً لأنه كان سيضر الدائنين في أوروبا الشمالية وكان سيلقي على برلين عبء إنقاذ البنوك الألمانية مجدداً. تجدر الإشارة إلى أن عمليات الإنقاذ كانت بمثابة عمليات غسيل أموال وتحويل للمسؤولية السياسية. وقد أطلقت البلدان الأساسية مثل ألمانيا عمليات الإنقاذ المالية- تحت شروط قاسية للغاية في شكل تقشف في الميزانية وإصلاحات هيكلية– لحكومات الدول الواقعة على أطراف منطقة اليورو، والتي استخدمت تلك الأموال فيما بعد لتسديد دينها للبنوك الألمانية والفرنسية والهولندية.

ومن خلال تأطير أزمة ديون منطقة اليورو كنتيجة للإسراف المالي والتقاعس عن اللحاق بركب التنافسية في أيرلندا ودول البحر الأبيض المتوسط​، شجّعت ميركل السكان الألمان وكثير من بقية دول أوروبا الشمالية على التفكير في أزمة اليورو من منظور قصة أخلاقية تدور حول القديسين الشماليين والخطاة الجنوبيين. كانت القيادة الحقيقية تتطلب الاعتراف بالجذور الهيكلية لمشاكل منطقة اليورو ومعالجتها- مع الإشارة إلى أن الأزمات المالية والمصرفية كانت حتمية في اتحاد نقدي تدفق فيه رأس المال بحرية في غياب الآليات المشتركة المناسبة لتنسيق السياسة المالية، ولتنظيم الخدمات المالية، أو لتيسير تعديل الاقتصاد الكلي. لكن ميركل وحلولها المقترحة أنكرت أي مسؤولية للبنوك أو الهيئات التنظيمية الألمانية عن الإقراض المفرط لدول منطقة اليورو الطرفية خلال سنوات الازدهار، بل وعززت ببساطة الصور النمطية الشمالية الشائعة عن إسراف وكسل حكومات “نادي المتوسط” (نادي ميد- Club Med) وشعوبها. 

أفضى نهج ميركل إلى انتكاس مفاجئ لعملية التقارب الاقتصادي بين الشمال والجنوب والتي بدأت في منتصف التسعينيات؛ إذ بدأت مستويات المعيشة تتفاوت مجدداً بين البلدان الأساسية والطرفية بعد عام 2010. ومع ازدهار اقتصادات الشمال، نمت صادراتها على خلفية ضعف اليورو وخُفّفت العبء عن حساباتها المالية إلى حد كبير بسبب عوائد السندات السلبية. أما اقتصادات الجنوب فدخلت في ركود عميق جعل جيل كامل من الشباب يعاني من ارتفاع قياسي في معدلات البطالة. وكان الناخبون في جنوب أوروبا معذورين على تساؤلهم عما إذا كانت لعبة التكامل الأوروبية لا تزال تستحق كل هذا العناء، مع توافدهم على الأحزاب الشعبوية والمتشككة في جدوى الاتحاد الأوروبي، التي أدانت عمليات الإنقاذ. وكان للافتقار إلى التضامن، وكذلك سياسات التقشف التعسفية، أثر سلبي على الاتحاد الأوروبي في ربيع عام 2020، عندما ضربت جائحة فيروس كورونا، في تحول قاس للأقدار، إيطاليا وإسبانيا أولاً، وهما دولتان كبيرتان عضوتان في الاتحاد الأوروبي اضطرّتا إلى تقليص أكبر قدر من الإنفاق على الصحة العامة خلال العقد الماضي.

وبقدر ما ترددت ميركل في إظهار التضامن مع الديمقراطيات المتعثرة في جنوب أوروبا، كانت راضية عن رؤية مليارات اليورو من إعانات الاتحاد الأوروبي تنهال على الأنظمة الاستبدادية الناشئة في الشرق. وفي الواقع، احتفظت صاحبة لقب زعيمة العالم الحر بسر صغير قذر على مدار العقد الماضي؛ وهو أن ميركل كانت الراعي السياسي الأكثر أهمية لزعيم اليمين المتطرف في أوروبا: فيكتور أوربان، الذي يشغل منصب رئيس وزراء المجر. ولعل السبب الرئيسي وراء تمكن أوربان من تفكيك الديمقراطية المجرية تدريجياً واستبدالها بما يصنفه فريدوم هاوس ومعهد في-ديم (V-Dem) كأول نظام هجين في الاتحاد الأوروبي هو تمتعه بالحماية السياسية التي وفّرتها له ميركل واتحادها الديمقراطي المسيحي (CDU). ولطالما كان وراء حماية ميركل لأوربان أسباب سياسية وتجارية.

وفي حين لن تفكر ميركل أبداً في التعاون مع “حزب البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، إلا أنها كانت سعيدة طوال العقد المنصرم بالتحالف على مستوى الاتحاد الأوروبي مع حزب فيدس اليميني الاستبدادي الذي يقوده أوربان. وحتى آذار/مارس المنصرم، كان الاتحاد الديمقراطي المسيحي التابع لميركل وحزب فيدس التابع لأوربان متحالفين كعضوين في حزب الشعب الأوروبي (EPP)، الذي يعتبر أقوى حزب سياسي أوروبي [في البرلمان الأوروبي]. ويُذكر أن أتباع أوربان قدموا أصواتاً لصالح حزب الشعب الأوروبي في البرلمان الأوروبي، وكانت لهم يد في تولي أورسولا فون دير لاين، المدعومة من ميركل، منصب رئيس المفوضية الأوروبية، ناهيك عن مساهمتهم في بقاء حزب الشعب الأوروبي بوصفه القوة المهيمنة في سياسة الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، منحت ميركل أوربان حصانة من عصا (شجب وانتقاد) الاتحاد الأوروبي.  وبالرغم من رغبة بعض أعضاء الأحزاب ذوي المبادئ في خروج أوربان من كنفهم منذ أمد طويل، أوقف حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزبه “البافاري” الشقيق، والمعروف باسم الاتحاد الاجتماعي المسيحي، طرد أوربان مراراً. وحتى عندما هُيئت الظروف لخروجه من حزب الشعب الأوروبي في آذار /مارس بعدما تصاعدت الخلافات بينه وبين بعض قادة حزب الشعب الأوروبي، لم تتفوه ميركل قط بكلمة سلبية بشأن هجوم واعتداءات أوربان على الديمقراطية.

بيد أن تحالف ميركل مع أوربان لم يكن متعلقاً بالسياسة الحزبية فحسب؛ بل اتسم بطابع المذهب الميركنتلي التجاري. تُعد المجر مركزاً تصنيعياً رئيسياً منخفض الأجور، وتتسم بموقع متميز وقريب بالنسبة للشركات الألمانية متعددة الجنسيات. والواقع أن الشركات الألمانية في قطاع صناعة السيارات تشكل المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في المجر. ورغم أن أوربان يعتدي على سيادة القانون ويقوم أتباعه من الرأسماليين بابتزاز المؤسسات صغيرة ومتوسطة الحجم، فإن نظامه “الذي يعاني من خلل في الديموقراطية” يعامل الشركات الألمانية العاملة في قطاع السيارات مثل أودي ومرسيدس وبي إم دبليو معاملة المشاهير. أقرت ميركل بأن العلاقات الجيدة مع نظام أوربان صبت في مصلحة التجارة الألمانية، ومن ثمَّ استغلت نفوذها الهائل لحمايته من انتقادات الاتحاد الأوروبي. وقد طبّق أوربان بدوره دليل النظام الاستبدادي ثم أتاح المجال لغيره من الحكام المستبدين المتعطشين في الاتحاد الأوروبي، مثل ياروسلاف كاتشينسكي في بولندا، وهي دولة أخرى تضطلع بدور محوري بصفتها مركز تصنيع للقطاع الصناعي الألماني. ورغم أنه يقيناً ثمة عوامل أخرى تساعد في تفسير إخفاق الاتحاد الأوروبي في مواجهة الرجعيين الديمقراطيين [المرتدين عن الديمقراطية/رواد التدهور الديمقراطي] بين ظهرانيهم إلا أن قدراً كبيراً من اللوم يمكن تتبعه وصولاً إلى الخطيئة الأولى المتمثلة في تحالف ميركل مع أوربان.

لم تفضل ميركل الأرباح على المبادئ حين تعلق الأمر بالحكام المستبدين المفضلين داخل الاتحاد الأوروبي فحسب، بل فعلت ذلك أيضاً على نطاق أوسع من خلال النهج الذي اتبعته مع المنافسين الجيوستراتيجيين – الأنظمة الاستبدادية السافرة لروسيا والصين. ومن حيث المبدأ، كانت حكومات ميركل المتعاقبة تسترشد بشعار واندل دورش هاندل (“إحداث التغيير عبر التجارة”) – النظرية التي تُفيد بأن تعميق العلاقات الاقتصادية من شأنه أن يستحث الاضطلاع بإصلاحات تقدمية في موسكو وبكين. إلا أنه على الصعيد العملي، فقد تخلوا منذ فترة طويلة عن شِق التغيير. ويتجلى هذا أكثر ما يتجلى في تصميم ميركل على مواصلة العمل على خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2” على الرغم من المعارضة الشديدة التي أبداها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. قد يشير المدافعون عن نهج ميركل في التعامل مع نظام بوتين إلى الدور الريادي الذي اضطلعت به، بعد غزو روسيا لشبه جزيرة القرم وضمها لها، في وضع مجموعة من العقوبات التي صمدت حتى الآن بشكل جيد للغاية. لكن ميركل أبطلت وقوضت أي تأثير لهذه العقوبات على بوتين وشركائه عبر الاستمرار في دعم “نورد ستريم 2″، وهو المشروع الذي يمنح نظامه جائزة أعظم بكثير.

سيوفر خط الأنابيب “نورد ستريم 2” الإمداد بالغاز مباشرةً من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، وبالتالي يتجنب مسار خط الأنابيب الحالي الذي يمر عبر أوكرانيا وبلدان أخرى في شرق وسط أوروبا. سيمكّن خط الأنابيب روسيا من قطع إمدادات الغاز عن أوكرانيا ودول أخرى في المنطقة مع الاستمرار في بيع الغاز إلى ألمانيا وأوروبا الغربية. ومن ثم، يزيد هذا المشروع من خطر الغزو الروسي لأوكرانيا، ويهدد أمن إمدادات الطاقة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل بولندا، فضلاً عن أنه يقوض الجهود الشاملة للاتحاد الأوروبي للحد من الاعتماد على الطاقة القادمة من روسيا. إذن، فلماذا استمرت ميركل في دعم استكمال “نورد ستريم 2” برغم معارضة الولايات المتحدة والحلفاء في شرق وسط أوروبا والبرلمان الأوروبي، بل وحتى المنتقدين المحليين مثل حزب الخضر؟ يكمن الجواب في أن خط الأنابيب “نورد ستريم 2” يبشر بتوفير إمدادات طاقة وفيرة منخفضة التكلفة لقطاع الصناعة والمستهلكين الألمان. ونظراً إلى قرار ميركل المفاجئ بالاستغناء التدريجي عن الطاقة النووية كرد فعل لكارثة فوكوشيما التي وقعت في اليابان عام 2011، ازداد اعتماد ألمانيا على النفط والغاز الطبيعي – توفر شركة “غازبروم” مصدر الإمداد الأدنى تكلفة. وليس فيما تقدم ما يُشير إلى أن ميركل تتعاطف مع نظرة الديكتاتور الروسي للعالَم – أو أنها تتصف بالتعبير السياسي الألماني “بوتين- فيرستير”، بمعنى أنها شخص يتفهم بوتين، كما أشار بعض المنتقدين – إلا أنه من الواضح أنها مستعدة لتجاوز انتهاكاته الصارخة والمتكررة للقانون الدولي وقواعد حقوق الإنسان لو أدَّى ذلك إلى توفير طاقة أرخص للمصانع والمنازل الألمانية.

تتبع ميركل نهجاً مماثلاً من “تفضيل الأرباح على المبادئ” فيما يتعلق بالتعامل مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ. فمن المؤكد أنها لم تبذل سوى أدنى حد من الجهد لإظهار الاهتمام بأوضاع حقوق الإنسان في البلد. إذ أعربت عن قلقها إزاء اعتداء بكين على المتظاهرين المنادين بالديمقراطية في هونغ كونغ، وأشارت بشكل غير مباشر إلى معسكرات اعتقال الإيغور في إقليم شينجيانغ، ودعت إلى استئناف الحوار بشأن حقوق الإنسان، كما ناشدت الحكومة الصينية احترام المعايير الدولية فيما يخص العمل القسري. وفي ربيع هذا العام، دعمت حكومتها أيضاً قرار الاتحاد الأوروبي بفرض تدابير حظر السفر وتجميد الأصول على مجموعة من المسؤولين الصينيين كرد فعل على مستجدات الأحداث في إقليم شينجيانغ. ولكن في نفس الوقت الذي شاركت فيه ميركل في إرسال الإشارات الداعية للفضيلة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، استغلت حكومتها رئاستها الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي في أواخر العام الماضي للاستعجال في إبرام صفقة استثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين والتي اعتبرها المنتقدون هدية كبرى لبكين. ومنذ ذلك الحين، اضطلع البرلمان الأوروبي بتجميد المصادقة على الصفقة في أعقاب تصاعد التوتر بين الاتحاد الأوروبي والصين بشأن هونغ كونغ وقمع الإيغور، لكن ميركل – مراعاة لمصالح الشركات الألمانية متعددة الجنسيات وحرصاُ على السعي إلى إيجاد فرص في السوق الصينية المتنامية – استمرت في دعم هذه الصفقة.

وعلى صعيدي – استجابتها لأزمة الهجرة عام 2015 ووباء فيروس كورونا المستجد الذي انتشر مؤخراً – اتسمت قيادة ميركل بالشجاعة وكانت أقل تأثراً بالمنطق الميركنتلي. غير أنها، حتى فيما يخص هاتين المسألتين، تترك وراءها إرثا متفاوتاً ومحل شك إلى حد ما.

خلال صيف عام 2015، ومع فرار مئات الآلاف من طالبي اللجوء الفارين من الصراع القائم في الشرق الأوسط، وعبورهم البحر الأبيض المتوسط إلى اليونان، ثم التحرك غرباً، أعلنت ميركل سياسة الباب المفتوح. أسقطت قواعد لائحة دبلن الخاصة بالاتحاد الأوروبي التي كانت ستسمح لألمانيا بإرجاع أي طالب من طالبي اللجوء إلى أول دولة مر بها من دول الاتحاد الأوروبي. وعوضاً عن ذلك، صرّحت بأن اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى ألمانيا سيُسمح لهم بالبقاء. وعلى الرغم من أن العديد من الألمان قلقوا من تزايد وتيرة تدفق اللاجئين إلى بلادهم، أعلنت ميركل جملتها الشهيرة، “يمكننا فعل ذلك!” (Wir schaffen das!). من الواضح أن ميركل أرادت تجنب حدوث أزمة إنسانية. رأت ميركل أن اليونان تعجز عن التعامل مع التدفق الجماعي للاجئين، ولا سيما بعد أن شهد ذاك الصيف الموافقة للتو على عملية الإنقاذ الثالثة المثيرة للجدل، إضافة إلى تصاعد التوتر بين الدول التي يمر بها اللاجئون في رحلتهم إلى الغرب. وعلى الرغم من إصرارها منذ البداية على الحاجة إلى استجابة منسقة من جانب الاتحاد الأوروبي، إلا أنها عندما واجهت هذه الأزمة اتخذت وحدها قراراً بالسماح لأكثر من مليون لاجئ معظمهم من السوريين بالسفر إلى ألمانيا، حيث سيتم الترحيب بهم بحفاوة.

إقرأوا أيضاً:

كانت محاولتها الانفرادية رحيمة إلا أنه سريعًا ما اتضح أن ميركل لم تتمكن من إقناع زملائها من القادة باتباع نهج مشترك إزاء أزمة الهجرة. وبحلول ربيع عام 2016، سافرت ميركل إلى أنقرة للتفاوض على عقد صفقة تتضمن دفع مبلغاً إضافياً قدره 3 مليار يورو (3.69 مليار دولار أميركي) وعرض حوافز أخرى نظير اضطلاع الدولة بمنع اللاجئين من العبور إلى الاتحاد الأوروبي. أُبرِمت صفقات مماثلة فيما بعد مع ليبيا والمغرب، وهي مجرد نماذج لـ “دول ثالثة آمنة”. ورغم أن الكثيرين يشيدون بخطوتها النبيلة الأولية تجاه اللاجئين، إلا أن عدداً أقل بكثير يُدرِك أنها سرعان ما تخلت عن الإلحاح والضغط بشأن تبني سياسة هجرة مشتركة إنسانية في الاتحاد الأوروبي، وبدلاً من ذلك تبنت نهجاً يدفع فيه الاتحاد الأوروبي أموالاً لبلدان العبور بصورة رئيسية لاحتجاز اللاجئين – غالباً في ظروف غير إنسانية إلى حد كبير – لمنعهم من دخول أوروبا. وإن الاتحاد الأوروبي اليوم  ليس أقرب من الاتفاق على إصلاح قواعد اللجوء، بما في ذلك توزيع اللاجئين توزيعاً أكثر إنصافاً عبر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مقارنةً بما كان عليه الحال عندما دعت ميركل إلى ذلك في صيف عام 2015. ومن ناحية أخرى، يتمثل الوضع المأساوي في أنه منذ ذلك الحين، سُجل أكثر من 14,000 حالة وفاة للمهاجرين في البحر الأبيض المتوسط.

تصرفت ميركل بجرأة مرة أخرى في ربيع عام 2020، عندما رأت ارتفاع سريع في عدد وفيات فيروس كورونا في إيطاليا وإسبانيا. وقرَّرت التضافر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنشاء صندوق تعافي أوروبي يضطلع بتوزيع مِنح الاتحاد الأوروبي مباشرةً على الدول الأعضاء ويتم تمويله من سندات اليورو أو “سندات كورونا” التي تصدرها المفوضية الأوروبية وتكفلها جميع الدول الأعضاء بصورة مشتركة. اتفقت أيضاً على تعليق القواعد المالية للاتحاد الأوروبي، وقدَّمت حكومتها مبلغاً غير مسبوقاً من الدعم العام للشركات الألمانية. وبينما كشف وباء كوفيد-19 عن أوجه القصور الهيكلية في الاقتصاد الألماني، من النقص المزمن في الاستثمار العام في البنية التحتية إلى أوجه القصور الشديدة في رقمنة أنظمة التعليم والرعاية الصحية، وضعت حكومتها جانباً هوسها بالحفاظ على “الصفر الأسود” (schwarze Null) للحسابات المالية للبلاد بتحاشي الإنفاق العجزي. وقد صُرِّح لوزير المالية الاشتراكي الديمقراطي في حكومة ميركل، أولاف شولتس، بتوفير أكبر حافز مالي في أوروبا لتفادي انهيار الاقتصاد الألماني.

على الرغم من أن بعض المحللين أشادوا بتحول ميركل نحو سندات اليورو باعتبارها “اللحظة الهاملتونية” التي كان ينتظرها الاتحاد الأوروبي، إلا أنه ليس واضحاً على الإطلاق ما إذا كان حجم الصندوق، الذي يُطلَق عليه “الجيل القادم للاتحاد الأوروبي”، سيكفي للتصدي لتحديات ما بعد الوباء القائمة، ناهيك عما إذا كان هذا الصندوق سيُصبح مستداماً. كانت ميركل نفسها حريصة على تقديم “الجيل القادم للاتحاد الأوروبي” إلى الناخبين الألمان باعتباره دفعة منفردة من أموال الاتحاد الأوروبي، وهو ما ليس له مسوغ إلا في ضوء جائحة القرن التي ضربت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشكل أصعب كثيراً عن غيرها. وعلاوة على ذلك، وكما هو الحال مع عمليات الإنقاذ السابقة في الاتحاد الأوروبي، تكون صناديق التعافي الجديدة مرتبطة بالإصلاحات الاقتصادية في الدول التي تحصل عليها، فضلاً عن خضوعها لرقابة المفوضية الأوروبية، مع ما يسمى بـ “إجراء الإيقاف” الذي يمكن أن يُجمّد التمويل إذا لم تحرز الدولة تقدماً كافياً فيما يتصل بإصلاحاتها. يحافظ هذا المنطق على ديناميكية “الخطاة والمصلحين” الضارة التي أثبتت أنها ضارة للغاية بالمشروع الأوروبي أثناء أزمة منطقة اليورو عام 2010، وقد تؤدي مرة أخرى لاندلاع موجة عارمة من العداء إذا زادت بدرجة كبيرة. وعليه، سيتوقف مستقبل التضامن المالي في الاتحاد الأوروبي لحد كبير على من سيتولى السلطة من ميركل في خريف عام 2021.

يتفق أغلب المحللين على أن ميركل ربما كان سيُعاد انتخابها لو اختارت الترشح لفترة رئاسية خامسة غير مسبوقة. فهي لا تزال السياسية الأكثر شعبية إلى حد ما في ألمانيا، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى دورها القيادي الاقتصادي المستقر في الداخل، أياً كانت العواقب في الخارج. ويفتقر خليفتها في حزب “الاتحاد الديموقراطي المسيحي”، أرمين لاشيت، إلى الكاريزما والأفكار الجديدة، لكنه لا يزال متوافقاً بشكل وثيق مع نهجها الميركانتيلي.

إذا كان المرء يبحث عن تغيير حقيقي في القيادة، سواء في ألمانيا أو أوروبا، فعليه أن يأمل وصول حزب “الخضر” – الذي ترأسه حالياً أنالينا بيربوك البالغة من العمر 40 عاماً – إلى السلطة في خريف هذا العام. وإذا لعب حزب “الخضر” دوراً رئيسياً في التحالف القادم، وخاصةً إذا أصبحت بيربوك المستشارة الجديدة لألمانيا، فإن تحولاً كبيراً في السياسة بشأن سندات اليورو والابتعاد عن النهج الميركانتيلي بشكل عام سيكون مطروحاً بالتأكيد. يُريد حزب الخضر في ألمانيا دفع البلاد بعيداً عن نهجها المالي، والوقوف في وجه الأنظمة الاستبدادية الناشئة في أوروبا، وإلغاء “نورد ستريم 2” واتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن حقوق الإنسان في الصين. ومن المفارقات أننا قد ننظر يوماً من الأيام إلى الوراء ونحكم على أن أحد أعظم إرث تركته ميركل للاتحاد الأوروبي كان فتح الباب أمام القيادة السياسية للمرأة في ألمانيا – حتى يتسنى ظهور زعيم جديد والذي يمكن أن يعكس العديد من سياساتها. وعلى الرغم من أن ميركل قد لا تكون منقذة أوروبا والتي جعلها البعض كذلك، إلا أنها ربما مهدت الطريق لزعيم جديد قد يكون كذلك.

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com  ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يونس عيسى – صحافي عراقي
“بسبب فقدان الكثير من الأسر لمعيلها تلجأ للأطفال كبديل معتمد للعمل فضلاً عن استسهال أصحاب المهن لتشغيل الأطفال مقابل أجور زهيدة إذا ما قورنت بالشباب الأكبر عمراً والذين يطالبون بأجور أعلى”.
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني