نجيب ساويرس الذي ورّط “بطوط” بالصفقات ولوّثه بالسياسة

أعطى ساويرس لشخصية بطوط الكارتونية دوراً واقعياً وامتداداً استخباراتياً وبرغماتياً محنّكاً، وورّطه معه في الصفقات، ولوّثه بالسياسة.

لطالما ظهر رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس بسترة مرسوم عليها الشخصية الكرتونية “بطوط”، محاولاً إظهار نفسه في هيئة رجل الأعمال “الكاجويل”.  

يترك رجل الأعمال المصري، مسافة معقولة بينه وبين السلطة (السياسية، الاجتماعية، الثقافية) تسمح له بأن يكون قوة موازية، تعيف من تقديم تنازلات “محدش قدر عليا، ولا أذهب مطلقاً لطاولة المفاوضات”. يرفض انتقاد الرئيس لكنه لا ينضم إلى الحزب السياسي الحاكم، ويحتفظ بعلاقات ود مع الوزراء المؤثرين، وهو ما وضعه في صورة “الشريك المتعاون” مع الحكومات المتعاقبة وهو ما ظهر في المشروعات الأخيرة، بعدما أسس شركة “أورا” للعقارات. كما أنه يتبنى دعم المهرجانات الفنية المؤثرة كـ”مهرجان الجونة”، بعدما حاول السيطرة على المهرجان الأبرز “القاهرة السينمائي”. 

ينتقي نجيب ساويرس من الدين والسياسة ما يخدم مصالحه.

ينتقي نجيب ساويرس من الدين والسياسة ما يخدم مصالحه. يؤكد إيمانه بحرية الرأي وانتقاد الدولة وسياساتها، لكنه رفض رحيل حسني مبارك ورفض ميدان التحرير والمتظاهرين. يعبر عن رفضه الحكم العسكري، لكنه يرحب بوجود عبد الفتاح السيسي في الحكم. يرفض اليسار المصري لكنه يتقرب من رجاله ويتودد إلى المثقفين المنتمين للتيار السياسي ويدشن جائزة باسم الشاعر أحمد فؤاد نجم. يؤمن بحقوق العمال والفقراء، لكنه لا يتورع عن المطالبة بعودتهم إلى مواقع أعمالهم في ظل تفشي أزمة “كورونا”. 

ينفي نجيب ساويرس دائماً وجود اضطهاد للأقباط في مصر. لكنه في الآن عينه، يطالب بتدخل الحكومات الغربية لحماية الأقليات في مصر. يساند الفلسطينيين، لكنه يتعاون في أنشطته التجارية مع إسرائيل، ويشيد بتعاون مبارك مع إسرائيل “أؤيد مبارك لأنه أنشأ علاقات جيدة مع إسرائيل، وساند الغزو الأميركي للعراق”، على حد قوله. 

تقسيم تركة النفوذ 

نجيب ساويرس ابن رجل الأعمال المصري أنسي ساويرس (المولود بمحافظة سوهاج، 1930) والذي دشّن  شركة للمقاولات بالشراكة مع لمعي يعقوب، وأممتها حكومة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر،  وتغير اسمها لـ”شركة النصر للأعمال المدنية” وعُين أنسي مديراً عاماً لها، لكنه قدم استقالته بعد خمس سنوات وهاجر إلى ليبيا عام 1966، وأسس شركة جديدة للتجارة في النفط، مستغلاً ارتفاع أسعاره لأكثر من 5 أضعاف لتبعات فرضتها حرب أكتوبر بين مصر وإسرائيل 1973. 

قرر أنسي العودة  إلى مصر عام 1975، ليؤسس شركة للتجارة والمقاولات تحت اسم “أوراسكوم”، بعدما حصل على تعويضات عن قرار تأميم شركته الأولى، بحسب قانون التأميم لسنة 1961، الذي قضى بتعويض لأصحاب المشروعات المؤممة معادلاً لكامل القيمة الحقيقية لحصصهم ونصيبهم. 

بعد زواج أنسي من يسرية لوزا، أنجب نجيب عام 1955، و سميح 1957، وناصف عام 1961. الأول سافر إلى سويسرا لدراسة الهندسة الميكانيكية، والثاني إلى برلين لدراسة التخصص نفسه، والأخير إلى أميركا للحصول على شهادة في علم الاقتصاد. 

لم يُشر أي من الأبناء الثلاثة في تصريحاتهم الإعلامية إلى طابع يوحي بأن والدهم بسط يده في معاملاته المالية مع أي منهم، بل اتفقوا جميعاً على “تقتيره” في مصروفهم الشخصي والدراسي. يقول “ساويرس”:”كنت أحصل على أقل مصروف دراسي بين زملائي، لم يتخط 10 جنيهات أبداً، واضطررت أثناء الدراسة في سويسرا للعمل في غسيل الأطباق والسيارات”.

أثناء دراسته في سويسرا، تولى نجيب إدارة حسابات والده الذي كان لا يزال في ليبيا. لكن الدور الأكبر الذي لعبه، كان عبر تضخيم حجم شركة “أوراسكوم” المكونة من أربعة موظفين عام 1997، إذ سيطرت الشركة على تنفيذ مشروعات مقاولات وزارة المواصلات لعشرين عاماً، وأدار وجهة الشركة للخارج، لتحصل على توكيلات شركات أميركية “مايكرو سوفت”، “أي بي إم”، ليتخطى حجم رأسمال الشركة وقتها (1997) أكثر من مليارَي جنيه. 

آخر تصنيف لمجلة “فوربس” الأميركية نيسان/ أبريل 2021، يبيّن حجم ثروة “الإخوة ساويرس”، إذ حل الشقيق الأصغر ناصف في المرتبة 83 عالمياً، بعدما بلغت ثروته 8.3 مليار دولار، وحل بعده نجيب بثروة 3.2 مليار دولار بترتيب عالمي (956)، وهو ما يعكس تراجع  تصنيفه العالمي الماضي الـ(680)، ولم يشر التصنيف إلى حجم ثورة سميح. 

أم نجيب يسرية لوزا، اكتفت بأدوار اجتماعية، إذ ترأست مؤسسة “ساويرس” للتنمية الاجتماعية (المعنية بمكافحة الفقر والبطالة وتقديم الخدمات الطبية والتعليم  وتشجيع الإبداع الفني والثقافي، بحسب الموقع الرسمي للمؤسسة)، وحصلت على عضوية المجلس القومي للمرأة، وعينها مبارك في مجلس الشعب عام 1995 لمدة خمس سنوات. لكنها لم تحقق نجاحاً لافتاً، ويندر ظهورها في وسائل الإعلام. 

نفوذ داخلي 

لم يرتض نجيب بفتات شركات الحكومات الأميركية في مصر، وقرر الحصول على مناقصات من أميركا، فأنشأ شركة “كونتراك” في مدينة أرلينغتون عام 1985، وحصل على الجنسية الأميركية، وتوطدت علاقته بالحكومة الأميركية بمشروعات عقارية أغلبها ذي طابع “عسكري”، عبارة عن مهابط للطائرات، ومراكز للجنود وتوزيع الذخيرة، ونقاط لتوزيع الوقود، ومراكز لخدمات الطائرات وصيانتها، وتوسعة مركز القيادة البحرية، في  الكثير من الدول كأفغانستان، البحرين، بلجيكا. 

تحققت أولى خطوات حلم الابن الأكبر في مناطحة الشركات العالمية، وتبعها بتوغل السوق المصرية والعربية والأفريقية من خلال شركة الاتصالات “موبينيل”. وعمل على نسج شراكات مع السلطات المتعاقبة، من حسني مبارك إلى محمد مرسي، وصولاً إلى عبد الفتاح السيسي، لكنه، يقول مدافعاً عن نفسه، إنه  لم يخضع لأي منها: “أنا رجل جنوبي صعيدي، لا تُلوى ذراعي، أو يفرض علي شيء”، حقق طموحه الاقتصادي داخلياً من خلال الإنشاءات العقارية وتجارة الأراضي، والإنتاج السينمائي، إلى جانب الاستثمار في القنوات الفضائية والصحف المصرية.

ملفات ملغومة

صفقة شركة اتصالات “موبينيل” مُررت لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس أواخر فترة التسعينات، وسط شبهات تعرّض لها البرلمان المصري وهيئة سوق المال، إذ كشف عضو مجلس الشعب محمد البدرشيني، المخالفات الدستورية والقانونية التي شابت عملية بيع الشركة لساويرس من الحكومة المصرية برئاسة الدكتور كمال الجنزوري، إذ صرح لجريدة “الأهرام العربي” عام 2002، أنه لم يتم تحرير عقود خاصة ببيع شبكة المحمول، إضافة إلى مخالفات غش وتدليس وتزوير في بورصة الأوراق المالية، أحيلت إلى النيابة العامة، وهو ما دفع نجيب لطلب تسوية الأزمة ودياً، قبل اللجوء لمحكمة القضاء الإداري. 

رجل الأعمال محمد نصير المنافس آنذاك لـساويرس للحصول على ملكية “موبينيل”، تعرض لاستفزاز من الصحف المصرية المقربة من ساوريس، بالإشارة إلى سوء خدمة شركة “كليك” للاتصالات التي حصل عليها بمثابة ترضية من الحكومة المصرية بعد فقدانه رخصة “موبينيل”، لكنه اكتفى بالرد القصير عبر جريدة “الأسبوع”: “المنافسة مع نجيب ساويرس لذيذة وستستمر إلى الأبد، وسبقني بالحصول على الترخيص وهو ما يعطيه الأفضلية، لكنني مستمر في التطور”.

وزير الإسكان أحمد المغربي، الذي حُكم عليه بالسجن المشدد خمس سنوات، وعزله من وظيفته عقب ثورة يناير 2011، لتورطه في مساعدة رجل الأعمال منير غبور في الاستيلاء على أراضي الدولة، سبق أن أصدر قراراً عام 2007، بتخصيص ألفين فدان (10 جنيه للمتر) في منطقة 6 أكتوبر “الأغلى سعراً”، لشركة “أوراسكوم” المملوكة لعائلة ساويرس، مع تسهيلات في سداد سعرها على عشر سنوات بعد دفع 10 في المئة من المقدم. وبرر وكيل وزارة الإسكان، فؤاد مدبولي، الصفقة وقتها، بأن أي شركة لم تطلب، بخلاف “أوراسكوم”، هذه المساحة من الأرض، وعلى رغم أنه صرّح بإمكانية تخصيص المساحة نفسها لأي شركة أخرى، إلا أن الوزارة توقفت عن تخصيص الأراضي في هذا المشروع، بعدها مباشرة. 

وساعدت الحكومة المصرية ساويرس، ضمن خطة الخصخصة بداية التسعينات، ممثلة في هيئة السكة الحديد، بالاستيلاء على أراضي يملكها ورثة شرعيون، سعرها 190 مليون جنيه مصري، في منطقة “إمبابة” على امتداد كورنيش النيل، بحسب ما ورد في صحف آنذاك. ومُنحت له بقيمة 28 مليون جنيه، باعتبارها استثماراً وثيق الصلة بالأمن القومي، وصناعة إستراتيجية، لرجل أعمال ينادي منذ التسعينات بضرورة خصخصة الاقتصاد وفتح المناخ العام أمام رجال الأعمال للمنافسة. أسس ساويرس شركة “نهضة مصر” للإنتاج السينمائي عام 1997 برأسمال يبلغ مئة مليون جنيه، بغرض “ظاهري” كشف عنه في حوار صحافي لجريدة “الدستور”، وهو استعادة دور مصر الثقافي في المنطقة العربية. لكن الباطن هو شراء أصول السينما المصرية. ووصل الأمر إلى تهديد الحكومة المصرية وقتها، وتخييرها بين البيع أو مواجهة موجة ضخمة من الأفلام الأميركية التي تهدد سوق الفيلم المصري.

لم يخف نجيب نية الحكومة المصرية بيع أصول السينما المصرية، لكن الصفقة عادت إلى الأدراج مرة أخرى، وأكد في تصريح لجريدة “الدستور” 1997، أن الحكومة المصرية حرضتهم على التقدم للشراء، ثم رفضت، وعادت في قرارها خوفاً من إثارة الرأي العام على رجال الأعمال، وأضاف: “أنا لست متفرغاً للاستثمار في السينما، رغم وعود الحكومة بتخفيض الضرائب والجمارك على المواد الخام، لدي ما يكفيني”. وعلى رغم ذلك موّل مهرجان القاهرة السينمائي عام 2006، وسط تخوفات من تحويل المهرجان “الرسمي” إلى مهرجان “استثماري” لمصالحه الخاصة. 

ينفي نجيب ساويرس دائماً وجود اضطهاد للأقباط في مصر. لكنه في الآن عينه، يطالب بتدخل الحكومات الغربية لحماية الأقليات في مصر.

تضاربت مواقف نجيب ساويرس وتصريحاته للقنوات الفضائية في أحداث ثورة يناير عام 2011، فتارة راح يدافع عن مبارك وبقائه في السلطة، وطوراً راح يغير موقفه بتغير الأحداث المتتالية، وطالب بضرورة صون كرامة مبارك لعلاقته الجيدة معه خلال 30 عاماً، ووصفه  بأنه “رجل عسكري له إيجابياته”، قائلاً: “هناك محاولات خارجية لتخريب البلاد، الشعب المصري يريد بقاء مبارك، وأرفض البذاءات التي يتعرض لها”. لكنه غيّر موقفه لاحقاً وناصر ميدان التحرير.

وكانت المرة الأولى التي يظهر فيها نجيب بعيداً من عائلته في نشاط سياسي، وأسس حزب “المصريين الأحرار” وحصل على 15 مقعداً من أصل 498 في البرلمان المصري. كما حصل على نسبة 12 في المئة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

دخل الأخوة ساويرس في صدام مع حكم الإخوان المسلمين، بعدما طالبتهم حكومة الرئيس محمد مرسي بدفع ضرائب بقيمة 14 مليار جنيه  عن سنوات سابقة، لكن تم التوصل في النهاية إلى صفقة تنهي الأزمة، يتنازل بمقتضاها نجيب عن جزء من شركاته لرجال أعمال الجماعة، مقابل حصوله على مزايا. 

بعد الانقلاب العسكري، استردت عائلة ساويرس ما سددته لمصلحة الضرائب المصرية، أكثر من ملياري جنيه، بعدما طعنت في اتهام أفرادها بالتهرب الضريبي، وأعلن ناصف من باب “رد الجميل” تبرعه بالمبلغ لمصلحة صندوق “تحيا مصر” الذي أسسه عبد الفتاح السيسي لدعم الاقتصاد المصري. 

كما كشفت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية عن رشاوى وعمولات قدمها ساويرس لوزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك مقابل تسهيل شراء شركة اتصالات إسرائيلية. 

نفوذ خارجي 

تتفرع قوة نجيب الاقتصادية لتطاول دولاً خارجية عربية وأجنبية، من خلال امتلاكه نسب أسهم كبيرة في شركات عابرة للحدود، من خلال شركة “كونتراك” للمقاولات (يمتلك 45 في المئة من أسهمها)، ساهم من خلالها في مشروعات نفذها لمصلحة الحكومة الأميركية، وتوسع بأعمال في روسيا والبحرين ومصر والعراق وأفغانستان. 

ويملك ساويرس شركات اتصالات عدة في بلاد أوروبية وعربية وأفريقية، بعضها لم يتوفر عنه معلومات مؤكدة، حول الملكية أو حقوق الإدارة. لكن من المؤكد أنه يمتلك خمسة كيانات أساسية في مجال الاتصالات “غلوبال تيليكوم هولدينغ”، “أوراسكوم للاتصالات والإعلام والتكنولوجيا القابضة”، و”أوراسكوم تيليكوم للاتصالات والإعلام والتكنولوجيا للاستثمار”، شركة “كونتراك”، “أوراسكوم تيليكوم القابضة”، بحسب وحدة الرصد والتوثيق في “المعهد المصري للدراسات”. 

أعطى ساويرس لشخصية بطوط الكارتونية دوراً واقعياً وامتداداً استخباراتياً وبرغماتياً محنّكاً، وورّطه معه في الصفقات، ولوّثه بالسياسة، ومعروف أن أكثر سمة مشهورة في شخصية بطوط هي عصبيته. ولا نعرف ما إذا كان بطوط على “تي شيرت” ساويرس قد بدأ يغضب فعلاً من أفعاله.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني