fbpx

مغدوشة & عنقون: حرب البلطجي والبرغوت

عموماً، وفي ظل تنافر سياسي هائل ودائم بين "أمل" والعونيين، لا تزال طقوسه سارية حتى الراهن، كان لا بد لهذا التنافر أن يعبر عن ذاته ككل مرة، وهو راهناً، ومن على محطة بنزين، باشر سياقاً آخر أخرج الألسن ومذماتها كتعبير عن حقد تصعب مداراته بصيغ إنشائية كالعيش المشترك...

تكشف حادثة الصدام الطائفي بين أهالي بلدتَي عنقون ومغدوشة في الجنوب اللبناني، أن كثيرين ما زالوا واقفين على تخوم الحرب، التي قد تأتي شرارتها الراهنة من مادة تتعدى قابلية انفجارها الذاتي إلى محفز لهؤلاء المتأهبين للحرب، لمباشرتها من جديد.

    وحادثة كحادثة القريتين المتجاورتين كانت باشرت تناميها في مدن وقرى كثيرة، لكنها ظلت أقرب إلى فوضى ممسوكة كما حصل في العباسية وكفرا وقانا وعكار وأماكن لبنانية  كثيرة، سهَّل حدوثها في بؤر ذات طابع مذهبي واحد عملية وأدها، لكنها في  لحظة اقترابها من تماس طائفي كالذي بين  عنقون الشيعية ومغدوشة المسيحية، أتاح للغرائز أن تغادر شهوتها المكبوتة إلى فضاء غير محكوم بجغرافيا القريتين، وفي بلد لم تغادره غرائز الحرب.

ولأننا في لبنان، كان لا بد للسياسة أن تحضر، وهي حضرت مُثقِلة بوطأتها الجميع، أما الحاضرون على مائدتها فهم “حركة أمل” والتيار العوني و”حزب القوات اللبنانية”، وبدا ابن مغدوشة ميشال موسى (النائب في المسيحي في تكتل حركة أمل) أكثر من أصابته لعنة السياسة في تلك المعركة.

   يقول شارل ديغول، “إذا أردت الحديث في السياسة فانظر إلى الخريطة”. إنها الجغرافيا إذاً، ومغدوشة هي قرية مسيحية في محيط ذات غالبية شيعية، وهي أيضاً بموقعها الجغرافي، وثقلها الديموغرافي، أكثر القرى المسيحية أهمية بين قريناتها المتناثرة في قضاء الزهراني، ومن هنا تحديداً تدخل السياسة التي أثقلت أهل القرية أكثر من الحادثة التي نكتب عنها الآن.

لا بأس من قدح الذاكرة إذاً، والعودة إلى الأثر الذي تركته الانتخابات النيابية الأخيرة في رفد الصراع السياسي العميق بين الرئيس نبيه بري، ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل. ففي حين يمسك بري بالتمثيل المسيحي في دائرة الزهراني منذ عام 1992، وعبر ابن مغدوشة ميشال موسى، حاول باسيل إنهاء مفاعيل ذلك التمثيل في معركة انتخابية انتهت بخسارته. لكن في مقدمات تلك المعركة الانتخابية ما هو أعمق منها تعبيراً عن النفور بين الطرفين، وعبارات مثل “البلطجي” و”البرغوت”، تجد لها مكاناً في الذاكرة أكثر من مآل تلك الانتخابات التي انتهت بقطيعة سياسية حادة بين الطرفين، أنهت مفاعيلها وساطة إيلي الفرزلي واعتذار خفر من باسيل.

عموماً، وفي ظل تنافر سياسي هائل ودائم بين “أمل” والعونيين، لا تزال طقوسه سارية حتى الراهن، كان لا بد لهذا التنافر أن يعبر عن ذاته ككل مرة، وهو راهناً، ومن على محطة بنزين، باشر سياقاً آخر أخرج الألسن ومذماتها كتعبير عن حقد تصعب مداراته بصيغ إنشائية كالعيش المشترك الذي بدت هشاشته انعكاساً طردياً لصلابة بعد طائفي، لا يزال أقوى بمراحل من صيغ اجتماعية ظهر تهافتها أمام فائض قوة شيعي مثلته “أمل” من جهة، وانشطار عوني- قواتي يحاول الاستثمار بالمسيحيين وحقوقهم من جهة أخرى.

لحظة كتابة هذا المقال، كانت معالجة  ذيول حادثة عنقون- مغدوشة قد أعادت الوقائع إلى ما قبل اشتعالها بسبب مادة البنزين، وبمعزل عن الروايات المتضاربة عن أسباب الإشكال والتي حاول كل طرف رميها على الآخر، يبقى أن أسوأ ما في التبريرات المساقة من الطرفين محاولتهما إخراج الحادثة من السياسة مع أنها الأكثر حضوراً فيها، فتصير والحال كما لو أنها حادث عادي، لا يلبث أن يُكذِّب عاديته الكلام السياسي النافر واشتغاله على غرائز الناس، مع سيامة عونية بدت الأكثر وضوحاً، ناهيك بالمبادرين للمصالحة وموقعهم السياسي.

وأغلب الظن أن بلداً على هذه الدرجة من الضحالة السياسية، بإمكان مادة البنزين التي تحولت بالمناسبة في أكثر القرى، ومنها مغدوشة، إلى حق حصري لقاطنيها، أن تؤسس لمعارك صغيرة قابلة لأن تتنامى بتنامي الأزمات الاجتماعية، إلى ما هو أخطر من مشهدية عنقون- مغدوشة، التي لا يتمنى عاقل أن تتمدد إلى حرب كانت شرارتها ذات يوم “بوسطة”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يونس عيسى – صحافي عراقي
“بسبب فقدان الكثير من الأسر لمعيلها تلجأ للأطفال كبديل معتمد للعمل فضلاً عن استسهال أصحاب المهن لتشغيل الأطفال مقابل أجور زهيدة إذا ما قورنت بالشباب الأكبر عمراً والذين يطالبون بأجور أعلى”.
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني