fbpx

“جينز” روبي الممزّق
يلهي الأردنيين عن أزماتهم الخانقة

يمعن جزء واسع من الأردنيين في الانغلاق في المسائل الاجتماعية والتلهّي بتأديب كل من يحاول كسر الأنماط التقليدية العشائرية السائدة من الجيل الجديد، خصوصاً حينما تخرج محاولات الكسر هذه عن نساء، فتكون النقمة أكبر...

من يتابع النقاشات على “تويتر” في الأردن، يظنّ أن البلاد مهدّدة بالانهيار بسبب موضة سراويل “الجينز” الممزقة. فتمزّق بنطلون لاعبة منتخب الأردن في كرة السلّة روبي حبش كاد أن “يمزّق” الشارع الأردني بين مؤيّد ومعارض، بعدما منعها التلفزيون الرسمي الأردني من الدخول إلى مبناه لإجراء مقابلة، لأن “الجينز” الممزّق “لا يلائم القيم والتقاليد الأردنية”. ذكّرت روبي القيمين على التلفزيون الرسمي، عبر حسابها على “تويتر”، بأننا “في العام 2021 وكل مالنا لورى”. وقالت إن شاباً دخل قبلها إلى التلفزيون وكان يلبس سروالاً قصيراً (شورت) وسمح له بالدخول. وأرفقت التغريدة بصورة لسروالها “الممزّق” عند الركبة، وهي موضة عالمية شائعة منذ سنوات طويلة في الشارع العربي، خصوصاً بين المراهقين. 

الأمير علي ابن الحسين صوّر بنطاله الممزّق هو أيضاً ووضع الصورة على “تويتر” وأرفقها بعبارة “معك يا روبي!”، ليتحوّل النقاش إلى “ترند”، تعرّضت خلاله اللاعبة الشابة إلى أبشع أنواع التنمّر والتقريع، بسبب تجرّؤها على طرح الإشكالية على العموم، ومواجهة سلطة التلفزيون الرسمي المسنودة بمنظومة أخلاقية، تنظر إلى القيم والأخلاق من خلال ثقب في سروال “جينز”. وردّت حبش على الحملة بتغريدة ذكّرت فيها بأن كثراً ممن يتنمّرون عليها اليوم، أبدوا اعتراضهم على مسلسل “مدرسة الروابي” (من إنتاج نيتفلكس) الذي أثار ضجة ونقاشاً كبيرين في الشارع الأردني، واعتبره كثيرون يشوّه صورة المجتمع وينقل صورة خاطئة عنه: “لما نزل مسلسل “مدرسة الروابي” صرتوا تحكوا هاد الاشي ما بمثلنا إحنا شعب ما بتنمر ومنحترم الكل ومنتقبل الغير، وانتوا من مبارح لليوم بس نازلين تنمر في ومش متقبليني ولا متقبلين شقفة بنطلون جينز”. 

وفي خضّم النقاش الذي أخذ في معظم جوانبه منحى انفعالياً، الذي وقع ثقله بشكل أساسي على الرياضية الأردنية الشابة، نال الأمير علي قسطاً من التنمّر الذي شمل أيضاً بنطاله الممزق، لكن اللافت في التعليقات على تغريدة الأمير، الإشارات المتقطّعة إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأردنيين من قبل مغرّدين، بينهم من ذكّره بأن رجلاً أربعينياً رمى بنفسه من فوق جسر روماني قديم بعدما اضرم النار بجسده منتحراً، بسبب مصادرة الشرطة لبسطة الخضار التي يبيع عليها. حكاية تشبه حكاية رمز انطلاقة “الربيع العربي” التونسي محمد البو عزيزي الذي أحرق نفسه في بداية عام 2011 بعد مصادرة عربة الخضار والفواكه التي يعتاش منها. حضر “بو عزيزي” الأردن، في خضمّ الحملات التي يخوضها متشدّدون وحرّاس الأخلاق ومغلّبو المنطق العشائري ضد تمزّق في سروال شابة، ليكشف كيف يمعن جزء واسع من الأردنيين في الانغلاق في المسائل الاجتماعية والتلهّي بتأديب كل من يحاول كسر الأنماط التقليدية العشائرية السائدة من الجيل الجديد، خصوصاً حينما تخرج محاولات الكسر هذه عن نساء، فتكون النقمة أكبر، ويتحملن عبء منظومة متحجرة من القيم الفجّة التي لا تقبل التطور ولا مجاراة الزمن.

حدث ذلك قبل أسابيع في عيد الأضحى، مع عضو لجنة تحديث المنظومة السياسية في الأردن وفاء الخضرا، حين انتقدت في تغريدة طقوس ذبح الأضاحي، واعتبرت أنها “تفتقر للرحمة والرأفة”. تعرضت الخضرا لحملة شعواء طالبت بإقالتها ومحاسبتها، وهي في موقع وظيفي يتطلب منها أن تفكر في التحديث و”تقديم التوصيات المتعلقة بتطوير التشريعات الناظمة للإدارة المحلية وتوسيع قاعدة المشاركة في صنع القرار”، بحسب المهمات الموكلة إلى اللجنة التي تشكلت بأمر ملكي, وبالتالي فإن  تطوير المفاهيم وجعلها أكثر ملاءمة للعصر، يأتي في صلب عمل الخضرا، وهو ما ظهر في شرحها الضمني للتغريدة، التي عادت واضطرت إلى حذفها، إذ رأت أن مشهد الذبح لم يعد يلائم عصراً “تطورت وتغيرت فيه السياقات المعيشية ومفاهيم التوازن البيئي والطقوس الحقوقية والعقد البيئي”.

لكن الزمن الذي تنتقده، هزمها بعد الهجمة عليها، وأقيلت من منصبها تحت ضغط “الجماهير” التي عاقبتها جماعياً على مجرّد إبداء رأيها، وهي تضطر اليوم، كما يقول صديق أردني، إلى أن تتنقل بمرافقة أمنية، بعدما تعرضت لتهديدات جسدية. 

الخضرا ليست الضحية الأولى لهذا النوع من التأديب الاجتماعي الصارم الذي تمارسه فئات رجعية في المجتمع الأردني، تذهب إلى حدّ وأد أي فكرة خارجة عن المألوف، بمعناه المحلي، يمكن أن تنجبها امرأة أردنية متحررة من سطوة الدين والعشيرة والتقاليد، وهو ما حدث مع ممثلي مسلسل “جن” الذي عرضته نيتلفكس عام 2018، والذي تعرض بدوره لحملة كبيرة بسبب قبلة بين مراهقين تظهر في المسلسل، وتحولت الحملة إلى موجة تنمّر ضد الممثلين والممثلات، تماماً كما حدث اليوم مع روبي. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
“الأرقام تبدو مشجعة بالنسبة إلى مشاركة النساء في الانتخابات حيث يمثلن 30 في المئة من المرشحين وهذا من شأنه تحقيق التوازن في صنع القرار”
Play Video
بعد 16 عاماً من توليها منصب المستشارة الألمانية، قرّرت أنغيلا ميركل مغادرة الساحة السياسية بسيرة ذاتية حافلة بالدفاع عن الحقوق المدنية وحقوق اللاجئين وانتقادات لمساوتها مع قوى استبدادية عالمية… من هي أنغيلا ميركل؟

2:52

Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني