قمة بغداد: دفء خليجي، اهتمام فرنسي وإيران تتخطى حدود الدبلوماسية

بدلا من تصفية الحسابات على أراضيها، استضافت في الأشهر الأخيرة لقاءات مغلقة بين ممثلين للقوتين الإقليميتين.

إلى طاولة مؤتمر بغداد جلس قادة “دول الجوار” المتخاصمة في الشرق الأوسط وممثّلوهم، وفي غرفة جانبية قريبة من قاعة القمة جرت لقاءات استثنائية على الهامش، حيث أجرى الرئيس المصري محادثات مع أمير قطر، والتقى رئيس الوزراء الإماراتي وزير الخارجية الإيراني، كما التقى نائب رئيس الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مع أمير قطر ووصفه بأنه «شقيق وصديق» في مؤشر على دفء العلاقات بين البلدين.

الغرفة نفسها التي احتضنت الأضداد، صَعُبَ عليها أن تجمع السعوديين والإيرانيين، على الرغم من أن بغداد، الراغبة في حوار بين جيرانها بدلا من تصفية الحسابات على أراضيها، استضافت في الأشهر الأخيرة لقاءات مغلقة بين ممثلين للقوتين الإقليميتين.

في قمة الدول التسع شارك زعماء الشرق الأوسط، مصر ممثلة بالرئيس عبدالفتاح السيسي، والأردن بالملك عبدالله، وقطر بأميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وأوفدت الكويت والإمارات رئيسي حكومتيهما، بينما أرسلت إيران والسعودية تركيا وزراء خارجيتها.

ماكرون آخر المغادرين!

في زيارته الثانية للعراق خلال أقل من عام، شارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القمة، وكان أول الواصلين وآخر المغادرين، خلال زيارة على مدى يومين تهدف إلى دعم الحوار الإقليمي والالتقاء بالزعماء العراقيين وزيارة القوات الخاصة الفرنسية المشاركة في القتال المستمر ضد تنظيم داعش والتي قال إن بلاده «ستبقي حضوراً لها في العراق لمكافحة الإرهاب، طالما أراد العراق ذلك مهما كان خيار الأميركيين».

وبعد يوم من تعهده، زار ماكرون الجامع النوري في الموصل، حيث أعلن داعش خلافته المزعومة عام 2014.

لفرنسا حضور ثقافي وعلمي في المنطقة ومصالح اقتصادية واسعة النطاق في مجال الطاقة وصناعة السيارات وكذلك الزراعة والتكنولوجيا مع دول الشرق الأوسط، ويحاول ماكرون من خلال زيارته للعراق أن يكون لباريس دور مهم في التهدئة والذهاب إلى التنمية، بدلاً من الحروب؛ إذ تحتفظ بعلاقات متوازنة مع إيران والسعودية ودول الخليج.

يقول السفير العراقي الأسبق في فرنسا الدكتور غازي فيصل إن «باريس تهتم بالأقليات التي تتعرض لانتهاكات من قبل داعش في العراق، وأن لديها رعاية للدفاع عن حقوق المسيحيين الذين تعرضوا للعنف والطرد من منازلهم خلال حقبة داعش».

ويضيف فيصل في حديثه لــ«درج» أن «زيارة ماكرون لمدينة الكاظمية في بغداد هي لإبراز فلسفة التوازن في العلاقة مع مكونات الشعب العراقي على صعيد الأديان والقوميات والطوائف واحترام حق الشعب في تقرير مصيره واختيار نظامه الثقافي والسياسي من دون أي تدخل من دول الجوار في فرض هيمنة مذهبية أو أيديولوجية».

ولم يغب المشهد الأفغاني عن قمة بغداد؛ إذ كان، على الأقل، ضمن أجندة الرئيس الفرنسي الذي استغل المؤتمر في لقاء أمير قطر للحديث عن السبل التي يمكن للدوحة عبرها مساعدة فرنسا على إجلاء اللاجئين الأفغان قبل 31 آب/أغسطس عبر طائرات الخطوط القطرية من مطار كابول.

خروقات ديبلوماسية ايرانية

في أول تمثيل دبلوماسي له، أثار وزير الخارجية الإيراني الجديد حسين أمير عبداللهيان غضب مواطنين ونشطاء عراقيين على وسائل التواصل الاجتماعي، بتصرف خلال المؤتمر واعتبروه «خرقا للأعراف الدبلوماسية».

فخلال حضور الرؤساء والمسؤولين المشاركين في المؤتمر لالتقاط صورة جماعية، رصدت الكاميرات تحركات الوزير الإيراني، الذي يبدو أنه ترك المكان المخصص له في الصف الثاني مع وزراء الخارجية ووقف في الصف الأول المخصص للزعماء.

واقعة الصورة الجماعية لم تكن الوحيدة؛ إذ قال اللهيان خطأً خلال كلمته في القمة بأن التبادل التجاري بين العراق وطهران بلغ 300 مليار دولار، لكن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي رد عليه قائلاً: إن حجم التبادل يبلغ 13 مليار دولار فقط. 

كما سبق كل ذلك، زيارة عبد اللهيان لمكان اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني الذي رأى فيه عراقيون إصراراً إيرانياً على التعامل مع العراق كصندوق بريد لإرسال الرسائل للأميركيين، حتى في خضّم مؤتمر، أكد فيه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أن “العراق يرفض استخدام أراضيه للصراعات الإقليمية والدولية”. 

الجلوس إلى الطاولة “إنجاز”

تقول بغداد إن المؤتمر لم يهدف إلى بحث «القضايا الخلافية» في المنطقة، إلا أن المشاركين شددوا «على ضرورة توحيد الجهود الإقليمية والدولية بالشكل الذي ينعكس إيجاباً على استقرار المنطقة وأمنها»، لكن لم تسجل القمة تقدما دبلوماسيا كبيرا، وكان الجلوس إلى الطاولة إنجازا كافيا بين الدول المتخاصمة.

ويعزو مستشار المركز العراقي للدراسات  الناصر دريد سبب عدم عقد لقاء ثنائي سعودي- إيراني إلى “عدم وجود رغبة حقيقة بين الطرفين، ولا أستبعد حدوث اللقاء  قريباً، وإن وجرى فسيكون بعيداً عن الأضواء وليس في مؤتمرات عامة مثل قمة بغداد”.

“كل اللقاءات الثنائية كان متوقعا لها أن تحدث” بحسب الناصر الذي يقول لـ”درج” «إنها مُهِّدَ لها قبل مؤتمر بغداد، وظهر واضحاً أن أصحابها يريدون تجاوز خلافاتهم، أما لقاء الإيرانيين والسعوديين فإن عقدة اللقاء لا تزال قائمة، ولم ينجح مؤتمر بغداد في إحراز تقدم على هذا المستوى”.

دعم اجراء الانتخابات

وفي البيان الختامي أعرب المشاركون في المؤتمر عن «وقوفهم إلى جانب العراق حكومة وشعبا»، مشددين على «ضرورة توحيد الجهود الإقليمية والدولية وبالشكل الذي ينعكس إيجابا على استقرار المنطقة وأمنها».

وثمّن المشاركون «الجهود الدبلوماسية العراقية الحثيثة للوصول إلى أرضية من المشتركات مع المحيطين الإقليمي والدولي في سبيل تعزيز الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتبني الحوار البنّاء وترسيخ التفاهمات على أساس المصالح المشتركة».

وأشار البيان إلى «دعم المشاركين لجهود الحكومة العراقية في تعزيز مؤسسات الدولة وفقا للآليات الدستورية وإجراء الانتخابات النيابية الممثلة للشعب العراقي ودعم جهود بغداد في طلب الرقابة الدولية لضمان نزاهة وشفافية عملية الاقتراع المرتقبة».

من بوابة بغداد مرت العديد من قضايا العالم ونوقشت خلال قمتها الاستثنائية والتاريخية، وأذابت اللقاءات الثنائية جليد خلافات استمرت سنوات بين دول خليجية متخاصمة، يطمح ويطمع العراق من كل ذلك إلى لعب دور إقليمي يحرز من خلاله انفراجة تساعد على خفض حدة التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط، وجعله ساحة للحوار وتلاقي المصالح بدلا من تصفية الحسابات.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مارسيل نظمي
منذ اللحظة الأولى لدخول مكتبه، لم ينظر إلي، شعرت كما لو كنت شفافة تماماً أو قطعة ممتدة لزجاج مكتبه، كان كلامه كله موجهاً إلى خطيبي، ظللت أتابع أسئلته فقط وأحاول التحكم في عضلات فمي لئلا أضحك وأفسد أي شيء أثناء حوارهما الأكثر غرابة وربما طرافة أيضاً.
Play Video

3:14

Play Video

3:28

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني