حين تقع “معاداة الإمبريالية” في حبّ طالبان

تُنتزع الحركة من سياق علاقتها السيئة مع المجتمع، وتركيبتها السلطوية، حيث في أرشيفها سلسلة من الانتهاكات بحق الأفغان لاسيما النساء والقابلة للتكرار طبعاً، ويُختلق لها سياق آخر، من خارج الشروط الموضوعية، ينتمي لعالم الإيديولوجيا التبسيطي.

أيقظت، سيطرة حركة “طالبان”، على أفغانستان، عداء عربي إيديولوجي للإمبريالية، والذي سريعاً ما توسع، ليشمل نقد الاستشراق، وتحديداً “الصورة النمطية” لمقاتلي “طالبان”، فشرع كثيرون بكيل المديح على سلوك مقاتلي الحركة التي “انتصرت” على التكنولوجية والتقنية.

تسابق المعادون للإمبريالية، والمتمثلة هنا بالولايات المتحدة، من كتاب ومعلقين وإعلاميين، وغالبيتهم يساريين ممانعين، لإعلان “هزيمتها”، مدرجين ذلك الحدث، في سياق سلسلة هزائم طالما منيت بها” القوة المتجبرة” على يد “الشعوب المستضعفة والمقهورة”، ما حوّل “طالبان” إلى حركة “تحرر وطني”، ذو بعد طبقي – ريفي، إذ إن مقاتليها “حفاة” ويمضون وقتهم بالجبال، وينذرون أنفسهم لـ”قضيتهم”.

وهؤلاء، إذ أغفلوا في عملية تدوير “طالبان”، ونقلها من موقع التنظيم المتطرف إلى موقع حركة “التحرر الوطني”، طبيعة وتركيبة “طالبان”، وتاريخها في ممارسة القمع ضد المجتمع الأفغاني وليس الإمبريالية، أغفلوا كذلك أن أفغانستان ليس بلدا ناجز الوطنية ومحسوم الإجماعات، لينتج مقاومة وحركات تحرر ضد الاحتلال، عدا عن أن حركات “التحرر الوطني” نفسها، التي انتعشت في حقبة سابقة لها علاقة بحسابات الحرب الباردة، انتهى زمنها، وتحولت لحركات تعتاش على المظلوميات والتناقضات الداخلية، وتوظف في حسابات الدول ومدّ النفوذ.

يطرد معادو الإمبريالية السياسة والمعرفة، ويستبقون الإيديولوجيا، التي لا تقتصر نتائجها على جعل “طالبان”، حركة “تحرر وطني” بل تطور نظرة ثقافية حيال سلوكيات وممارسات مقاتلي الحركة، هي امتداد بطبيعة الحال لمعاداة الإمبريالية أو من أدواتها.

وعليه، فإن إسقاط صفات على “طالبان”، تتناقض معها أو لا تملك شروط موضوعية في بلد مثل أفغانستان، هو نتيجة العداء الميكانيكي للإمبريالية، وتحديداً أميركا، والقائم بطبيعة الحال، على ما هو إيديولوجي، لدى اليساريين، وديني لدى الإسلاميين. وهذا العداء الميكانيكي لا يصب فقط لصالح “طالبان” عبر تبديل موقعها وإسباغ هوية إيجابية عليه، وإنما يشوش، وأحياناً يمنع، بحث أسباب فشل سياسات الولايات المتحدة حيال أفغانستان، وغيرها من البلدان والاستسهال في نقل النماذج، عبر التدخل الخارجي، دون وجود حوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية، تلتقط هذا التدخل وتؤسس عليه.

فبدل إدانة الولايات المتحدة، انطلاقا من مشاريع سياسية غير نافعة، يجري التصويب الإيديولوجي عليها، يساريا وإسلامياً، بحيث يتحول مقاتلو حركة “طالبان” إلى “محررين” و”أبطال”، وتظل أميركا “عدوة”، دائمة، وليس دولة تخطأ في سياساتها.

هكذا يطرد معادو الإمبريالية السياسة والمعرفة، ويستبقون الإيديولوجيا، التي لا تقتصر نتائجها على جعل “طالبان”، حركة “تحرر وطني” بل تطور نظرة ثقافية حيال سلوكيات وممارسات مقاتلي الحركة، هي امتداد بطبيعة الحال لمعاداة الإمبريالية أو من أدواتها.

فهؤلاء المقاتلون، “فقراء”، “ريفيون”، “محرومون”، و”مهمشون”، ما يعني، تبعاً لمعادي الإمبريالية، أنهم جزء من السردية الكلاسيكية حول المركز والأطراف، وأنهم يجسدون خلل التوازن بين الدول الغنية التي “تنهب” الشعوب، والدول الفقيرة التي تتعرض للنهب، وأيضاً، جزء من صراع العالم “البدائي” مع العالم المتقدم. رئيس سابق انتخب عقب نجاح الربيع العربي في بلده، سئل، في بيان، “كيف كُسرت الشوكة الأمريكية مرة من قبل شعب من الفلاحين في فيتنام، ومرة ثانية من جبليين فقراء في أفغانستان؟”

وأجاب: “الردّ والدرس أن القيم الرخوة والإرادة الرخوة ولو مدعومة بحاملات الطائرات وصواريخ السماء والأرض لا تستطيع شيئا أمام القيم الصلبة والإرادة الصلبة متسلحتين بالبنادق البدائية وحتى دون أدنى سلاح”.

إقرأوا أيضاً:

يتواصل استخدام أدوات معاداة الإمبريالية، لخدمة “طالبان”، بحيث تصبح السخرية من مقاتلي الحركة، تنميط استشراقي، إذ إن كاتبا ممانعا معروفا، لم ير، في السخرية، من مقاتلي “طالبان” وهم يلهون داخل نادي رياضي، أو في مدينة ألعاب، تحطيم لسلطة طغيان دينية، كما يحصل غالبا مع المستبدين، بل ذهب نحو رفض “تبني التنميطات الاستشراقية عنهم”، مضيفا أن “لا شيء مضحكًا في دخولهم ناديًا رياضيًا أو ناديًا للتسلية ربما لم تتِح لهم ظروفهم الاجتماعية دخولَه من قبل. ولا تتفاجأ أن بعضهم سيكون سبّاقًا في إدخال مقتنيات (الحضارة الغربية) الاستهلاكية إلى بلاده”.

هكذا يحوّل معادو الإمبريالية “طالبان” إلى حركة “تحرر وطني” هزمت الولايات المتحدة، ويجعلون مقاتليها تمثيلا للصراع العالمي بين الأضعف والأقوى، المتقدم و”البدائي”، محصنين إياهم من أي نقد أو تحطيم، تحت طائلة الاتهام بالاستشراق.

 وبهذا، يجري رفع التناقضات الطبقية والمجتمعية التي صعدت من خلالها “طالبان” وشكلت حوامل للحركة، في أفغانستان، إلى ما هو إيديولوجي عام ضمن ثنائيات العداء للإمبريالية، مثل “ناهب ومنهوب”، “متقدم وبدائي”، “قيم رخوة وإرادة صلبة”.

 وعليه، تُنتزع الحركة من سياق علاقتها السيئة مع المجتمع، وتركيبتها السلطوية، حيث في أرشيفها سلسلة من الانتهاكات بحق الأفغان لاسيما النساء والقابلة للتكرار طبعاً، ويُختلق لها سياق آخر، من خارج الشروط الموضوعية، ينتمي لعالم الإيديولوجيا التبسيطي، حيث يصبح أي طرف، مهما بلغ من السوء، طرفا إيجابيا طالما يحارب الولايات المتحدة، فيما الأخيرة معفية من النقد الموضوعي على سياساتها الخاطئة، طالما النظرة إليها لا تحتمل الخطأ والصواب، وإنما العداوة الدائمة من موقع إيديولوجي. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ندى محمد – باحثة في علوم الأحياء في جامعة اكسفورد البريطانية
تحرك الجهات المختصة السريع حول العالم لدراسة البروفيل الجيني للمتحور الجديد أظهر مفاجآت في المتحور لم تكن بالحسبان
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني