fbpx

لدمشق وجوه كثيرة:
واحد عن الحب وآخر للحزن…

المعضلة في مشاعرنا تجاه أطفال الشوارع تكمن في التناقض بين إدراكنا أنهم مجرد أطفال خذلتهم الحياة وعائلاتهم والبلد، أطفال شوهت الحرب والأزمات طفولتهم ورمتهم في عالم الكبار القاسي، وبين تصرفات بعضهم المريبة...

الكتابة اليوم عن دمشق مرهقةٌ. 

يحمل كثيرون عن دمشق في بالهم كرمز للحبّ والألفة. فمن يحمل من رحل عنها ما زال وجهها مشرقاً في داخله، دفء المنازل، وجبة الفول والفتّة الشامية كإفطار تقليدي ليوم الجمعة، طيبة الناس ولهفتهم. يُقال، كانت أيام خير، فهل فقدت دمشق خيرها؟ 

صديقي الذي أسميه ولشدّة حبه لدمشق: “أكثر من يحبُّ دمشق في العالم”، يسألني الكتابة عن الوجه الآخر والجميل للمدينة، فعلى رغم كلّ المآسي ما زال هناك جانب تجب الكتابة عنه. وقفت حائرة فعن أي دمشق أكتب؟ دمشق ما قبل 2011 أو ما بعدها، هل أكتب عن الذكريات الجميلة والتفاصيل المعمارية المذهلة والتي تستمر في اكتشافها في كلّ يوم وهي حقيقية وموجودة بالفعل، أم عن الفقر والجوع والأزمات وفقدان الوقود والخبز؟ للمرة الأولى أحار بين الجمال والقبح، بين رغبتي في النظر إلى الجانب المشرق من الحياة وبين قسوة المدينة التي لا تترك لي فسحة للاستمتاع بهذا الجمال.

عن أيّ دمشق يجب أن أكتب؟

أصادف في باب توما كالعادة بعض أطفال الشوارع يبيعون المحارم والورد. هذا ليس مشهداً جديداً، لكن ما تغير هو تصرفاتهم وطريقة تعاملهم مع المارّة أحياناً. يعترض أحدهم طريقي، طفلٌ لم يتجاوز الثامنة، يعرض علي شراء المحارم، أتجاهله ولا أنظر في عينيه. في الحقيقة لو أردتَ منح المال لكل طفل تقابله في دمشق ستحتاج إلى راتب كامل، أتابع طريقي لكن الطفل يعترضني مجدداً ويمنعني من المرور فأقول له: “لا أريد الشراء، دعني أكمل طريقي”، لكنه يلتصق بجسدي، للحظة يرفض عقلي الاعتراف بأن هذا الطفل يتحرش بي، حسناً كلّ الأطفال قد يلمسوننا بحثاً عن حنان ما، لكن التصاقه بي ازداد حتى دفعني نحو الحائط محاولاً لمس كامل جسدي بجسده، حينها صرخت به فدفعني بقوة وابتعد مبتسماً بخبث. طوال الطريق إلى المقهى حاولتُ إبعاد فكرة أن هذا الطفل متحرش، شعرتُ بالغضب منه وبالحزن عليه، كيف ستشعرين لو تحرش بك طفلٌ؟

لم أصدق أن طفلاً من أطفال الشوارع تحرش بي حتى أكدت صديقات تعرضهن لما حدث معي. تذهب إحدى الصديقات برفقة طفلتيها أثناء تدريبهما مع فرقة الكشاف، حيث تمضي وقت الانتظار في حديقة السبكي القريبة، لكنها كانت تشعر بالقلق من نظرات بعض أطفال الشوارع، وفي إحدى المرات قام طفلٌ لم يتجاوز الثالثة عشرة بلمسها فصرخت بوجهه وراحت تضربه بقنينة مياه تحملها وحين قدم شاب لمساعدتها قال له الطفل: “هي التي نظرت إليّ!”. تؤكد صديقتي أنها نظرت إليه بالفعل، لأنها شعرت بالحزن على حاله وهو يحمل السيجارة ويدخن في هذه السن، لكن لم يخيل لها أن يستقبل نظرتها كدعوة إلى التحرش، فهو طفل في النهاية! 

عانت صديقة أخرى من مضايقات أطفال الشوارع خلال انتظارها حافلة العمل في الصباح الباكر، إذ كان الأطفال فيما يبيعون الخبز، يتفرّسون جسدها ويطلقون كلاماً مزعجاً عن لباسها ويضحكون. تقول: “تخيلي أنا امرأة في الثلاثين من العمر وكنتُ أشعر بالخوف!”، لاحقاً بات زوجها ينتظر معها الحافلة.

عن أي دمشق أكتب؟ عن دمشق حيث يتحرش بكِ طفل شوارع مسكين مثلك؟ أم عن دمشق التي تمتلك أجمل الأبواب في العالم؟ هل أكتب عن طفل لم يتجاوز الثامنة، تعرض لانتهاكات نفسية وجسدية مرعبة حتى بات يحاول محاكاتها؟ أم عن قصور دمشق العريقة، كقصر العظم وقصر النعسان؟ وسط هذا كله تصغُرُ دمشق الجميلة في مخيلتي يوماً بعد آخر.

إقرأوا أيضاً:

لهم دمشقهم ودمشقنا لنا

ساهمت الحرب والأزمة الاقتصادية في سوريا في زيادة عدد أطفال الشوارع، وهذا ما يضعهم في منافسة دائمة للحصول على المال من سكان المدينة الذين يعانون من أزمات حياتية ولا يجد كثيرون منهم قوت يومهم. وهكذا يدخل هؤلاء الأطفال معركة لم يختاروها، حيث التجارب القاسية والحرمان والجوع والمرض ويصادفون مستغلين ومتحرشين. شوّهت المدينة القاسية بعضهم، ونجا آخرون  بطريقة ما. 

ذات مرة رفضت طفلةٌ تبيع البسكويت المال الذي أعطيتها إياه وأصرت على منحي حقّي مقابله، كما سمته، أي قطعة بسكويت، رفضتُ الحصول عليها في البداية، أتذكر عينيها المشرقتين وأنا آخذ البسكويت منها. أفكر بالمبادئ الصغيرة التي تعلمتها هذه الطفلة من مكان ما. الكثير من أطفال الشوارع هم ضحية الحرب وكانوا يمتلكون بالفعل عائلات ومنازل وغرفةً خاصة يرسمون ويدرسون فيها، ثم وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها في الشارع يبحثون عن حياتهم، وقد فقدوا أبسط حقوقهم.

لا أحد يستطيع فهم معاناة أطفال الشارع وتصرفاتهم، أتذكر شابين رأيا ما حصل معي ولم يجربا المساعدة إنما اكتفيا بإطلاق النكات السخيفة التي جعلت الطفل يتمادى أكثر، فرددا بدهشة: “ليك كيف لزقها!”، وكان عليَّ وسط كل ذلك أن أتصرف بأكبر قدر من العقلانية وألا أتعامل مع الطفل بقسوة، فكان عقلي يصرخ طوال الوقت: “إنه طفل يا الله”، بينما نصحني بعض الأصدقاء بضربه وهو قطعاً ما لن أفعله يوماً. هذه البلاد منحتنا كتيّباً لنتعلم التعامل مع كل المآسي، مآسينا ومآسي الآخرين.

أكثر ما يؤلم هو أنني لا أملك شعوراً محدداً نحو المدينة، تراكمت الحكايات الموجعة يوماً بعد آخر حتى غدت دمشق مشوّهة داخل من بقي فيها، تماماً كما تشوهت براءة هؤلاء الأطفال وانتُهِكَتْ حياتهم بأبشع الأساليب، بينما حافظ من رحلوا على صورة قديمة لها. لديهم دمشقهم ولدينا دمشقنا، يحمل من رحلوا تلك الصورة القريبة والدافئة للشام، فيرفض كثر من أصدقائي في الخارج تصديق قسوة المدينة، “الشام مش ممكن تصير بشعة”، نعم الشام ليست قبيحة، الشام أصبحت هكذا، تبدل وجهها وتحولت كما تحوّل هؤلاء الأطفال وغدا بعضهم مخيفاً. وبينما أُقنع صديقتي بالوجه الآخر والقبيح لدمشق، أفكّر هل أتوقف عن ذلك وأترك لها صورة الشام الجميلة التي لا جوع ولا فقر ولا ألم فيها؟ 

لا تتعلق قضية أطفال الشوارع بالحاجة إلى المال وحسب، إذ تقبع خلفها مافيات وجهات تقوم على تشغيل هؤلاء الأطفال.

أطفال خذلهم البلد والحياة

قررنا أختي وأنا منذ سنين منح الطعام لأطفال الشوارع عوضاً عن المال، نسألهم إن كانوا جائعين ونشتري لهم الطعام أو الحلوى، تبدو فكرة عرض الطعام أو الحلوى جيدة حين لا تعلم إن كان الطفل جائعاً حقاً أم أنه يعمل وحسب! بالفعل تحمس بعض الأطفال للفكرة واختاروا طعاماً محدداً، طلب أحدهم في حي باب شرقي “سندويشة سودة دجاج”، يتردد بعض الأطفال، فالأمر جديد بالنسبة إليهم وقد يبدو مريباً، هم الذين يخافون من الآخر الذي قد يكون منتهكاً جديداً لطفولتهم، أحد الأطفال رفض الطعام كلياً وأصر على المال، ثم رحل تاركاً السندويشة.

المعضلة في مشاعرنا تجاه أطفال الشوارع تكمن في التناقض بين إدراكنا أنهم مجرد أطفال خذلتهم الحياة وعائلاتهم والبلد، أطفال شوهت الحرب والأزمات طفولتهم ورمتهم في عالم الكبار القاسي، وبين تصرفات بعضهم المريبة، والطريقة الأفضل للتعامل مع طفل يحاول لمسك بطريقة مزعجة!

لا تتعلق قضية أطفال الشوارع بالحاجة إلى المال وحسب، إذ تقبع خلفها مافيات وجهات تقوم على تشغيل هؤلاء الأطفال. يؤكد مصدر فضّل عدم ذكره والجهة التي يعمل معها أنه وخلال إعداد تقرير حول أطفال الشوارع، تبيّن أن كثراً من هؤلاء يقوم بتشغيلهم بعض أصحاب المطاعم في دمشق مقابل النوم ليلاً في المطاعم، وبعد مواجهة أحدهم أنكر التهمة، مدعياً أنه يشفق على هؤلاء الأطفال وحسب ثم أنكر الأطفال ما قالوه سابقاً عن قصة العمل لدى الرجل، خوفاً منه، لكن أحد العاملين في المطعم أكد لاحقاً للمصدر أن مديره هو من يقوم بتشغيل الأطفال بالفعل. 

من الصعب حقاً التعامل مع أطفال الشوارع في ظل تخلي عائلاتهم عنهم، وغياب دور حقيقيّ للجهات الرسمية، ما عدا بعض المبادرات المحلية مثل مبادرة “سيّار” التي تقدم التعليم لأطفال الشوارع، لكن التحديات اليوم كبيرة بخاصة وسط جهلنا بمن يقف خلف هؤلاء الأطفال، أطفالٌ كبروا وهم يظنون أن أي يد عون تمدّ ما هي سوى حبس لهم، لذلك لطالما هربوا من أي شخص أو جهة تأويهم في أماكن لائقة اعتقاداً منهم أن إبعادهم من الشارع يعني حتماً وضعهم في مكان أقرب إلى السجن، فلنتخيل حجم الخوف والتجارب القاسية التي عاشها هؤلاء الأطفال ليخافوا منّا إلى هذا الحد!

حين بدأتُ الكتابة عن تفاصيل دمشق اليومية ذهبت تلقائياً إلى أكثر الأماكن ظلمة، وكنت أغرق فيها يوماً بعد آخر، تنهكني المدينة فأكتبها، تضيق بي سبل الحياة فأكتب أكثر عن دمشق الموحشة، دمشق التي تتفنن في أذيتنا، أدرك أنها أضعف منّا، وأنها مدينة مُنهكَة، ويدرك صديقي “أكثر من يحبُّ دمشق في العالم” ذلك جيداً لذلك يحميها بإظهار تفاصيل جمالها، أفهم ما يفعله، يحميها بتذكيرها وتذكيرنا بأنها مدينة جميلة، وأنا أردد خلفه نعم دمشق مدينة جميلة، إنما حزينة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يونس عيسى – صحافي عراقي
“بسبب فقدان الكثير من الأسر لمعيلها تلجأ للأطفال كبديل معتمد للعمل فضلاً عن استسهال أصحاب المهن لتشغيل الأطفال مقابل أجور زهيدة إذا ما قورنت بالشباب الأكبر عمراً والذين يطالبون بأجور أعلى”.
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني