السودان: حكومة بلا مسيحيين
ومسيحيون بلا كنائس

"تشكلت الحكومة الجديدة ولكن للأسف القائمة خالية من المسيحيين، وهو النهج المتبع منذ العهد البائد في إقصاء المسيحيين من المشاركة في الحكومات".

تشكلت الحكومة الجديدة في السودان، ولكن للأسف جاءت خالية من المسيحيين، وهو النهج المتبع منذ العهد البائد في إقصاء المسيحيين من المشاركة في الحكومة.

تشير تقارير صادرة عن منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان، الى تعرّض حوالى 250 مليون شخص من معتنقي الديانة المسيحية حول العالم للاضطهاد عام 2019، وسجُلت أكثر الانتهاكات بين تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، وتشرين الأول/ أكتوبر 2019. فيما ارتفع عدد المسيحيين، المعرضين للاضطهاد حول العالم، إلى 340 مليوناً عام 2020، بحسب تقرير منظمة “الأبواب المفتوحة” الصادر في بداية هذا العام في العاصمة الفرنسية باريس، والتي تعنى برصد الانتهاكات خصوصاً بحق المسيحيين حول العالم.

التقرير يبيّن أن الحرية الدينية في السودان تحسنت بشكل قليل نوعاً ما من خلال وقف هدم الكنائس، إضافة إلى إلغاء حكم الردة ولكن لا يزال الإسلام المحافظ هو المهيمن على طابع المجتمع، ولا يزال المسيحيون يواجهون صعوبات في الحصول على تراخيص لبناء الكنائس، لأن الحكومة السودانية بحسب التقرير لا تريد إثارة حفيظة المسلمين، على الأقل في الوقت الحالي.

وتقدمت السودان بعض الشيء في ترتيب الدول الأكثر اضطهاداً لمعتنقي الديانة المسيحية، بعد التغيير الذي حصل عام 2019 بعد احتلالها في العام ذاته المركز السادس والعام الذي يليه المركز السابع وعام 2021 احتلت المركز الثالث عشر في هذه القائمة.

ويرجّح التقرير أن عدد المسيحيين يشكلون نسبة 4.5 في المئة من عدد سكان السودان البالغ أكثر من 43 مليون، إذ يقدرعددهم بحوالى مليوني نسمة والاضطهاد يتمثل بثلاثة أوجه: الدين والسياسة والفساد، ويلفت التقرير إلى أن الديانة اليهودية في السودان تواجه تحديات خطيرة، إضافة إلى أن الطائفة الشيعية ممنوعة من إقامة مراسيمها الدينية كما أن البهائيين معرضون للخطر.

عام 2019 شطبت الحكومة الأميركية اسم السودان من قائمة الدول التي تنتهك الحريات الدينية وفي نهاية العام الماضي أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تقرير الحريات الدينية، حيث أعلن وزير الخارجية الأميركي السابق، مايك بومبيو، حذف اسم السودان من قائمة المراقبة الخاصة، قائلاً إنه “أحرز تقدماً ملموساً في ملف الحريات الدينية”.

تهميش حكومي 

لا يخفي شمسون يوحنا وهو صحافي سوداني مسيحي غضبه من تشكيلة الحكومة السودانية الجديدة، ولا يعترض على الأشخاص بقدر اعتراضه على التهميش المستمر لمسيحيي السودان: “تشكلت الحكومة الجديدة ولكن للأسف القائمة خالية من المسيحيين، وهو النهج المتبع منذ العهد البائد في إقصاء المسيحيين من المشاركة في الحكومات”.

المسيحيون السودانيون استبشروا خيراً بالثورة في بدايتها، بحسب يوحنا، ولكن إلى الآن لم يحدث تقدم كبير في أوضاعهم، ولم يحصلوا سوى على عطلة رسمية، في أيام الأعياد الدينية الخاصة بهم، وكذلك تم تغيير القانون الجنائي، ليسمح للمواطنين بحرية اعتناق الديانة التي يريدون. فيما لم تُعط رخص لبناء الكنائس حتى الآن، ويعتمد المسيحيون على البيوت المؤجّرة من قبل المؤمنين، لأداء صلواتهم. ولم يثبّتوا بعد حقوقهم في التعليم والعمل والتمثيل البرلماني.

ويرى يوحنا أن الحكومة الحالية ناقصة وضعيفة و”مشاركة الأقليات في الحكم ليس من ضمن أولويات حكومة عبد الله حمدوك ولا قوى الحرية والتغيير المتعاركة على المناصب”، مبيناً أنه “من المؤسف والمثير للدهشة إصرار رئيس الوزراء حمدوك على الحديث عن إدارة التنوع، وهو ما يجعلنا نفترض أن ما يقصده الرجل لا يعني بأي حال التنوع الديني”.

إقرأوا أيضاً:

استمرار الاعتقالات

في عهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير كان النظام يعتقل رجال الدين والمؤمنين من المسيحيين، كما يؤكد يوحنا لـ”درج”، وكانت السلطة تقوم باعتقال النشطاء المسيحيين الذين يطالبون بحقوقهم ومن بينهم إعلاميون ومحامون كان يتم اتهامهم بالتخابر والتعاون مع دول أجنبية.

وفي عهد البشير، يتابع يوحنا، كانت تتم مصادرة ممتلكات الكنائس والمسيحيين أيضاً، وتحطيم الكنائس، وهذه الممارسات توقفت في مناطق كثيرة من السودان الآن، لكنها ما زالت مستمرة في في بعض المناطق على رغم الإطاحة بنظام البشير. والمسيحيون شاركوا بفعالية في إسقاط نظام عمر البشير، في كل التحركات السلمية (التظاهرات، والاعتصامات، والعصيان المدني) حتى أسقطوا النظام وكان لهم وجود ملحوظ ولكنه لم يؤخذ في الاعتبار.

“اتهموني بتحريض المسيحيين على المطالبة بحقوقهم، وسمعت رجال الأمن يصفون المسيحيين بأنهم عملاء الخواجات”

تهديدات لـ”عملاء الخواجات”

الناشط “أ.م” اعتقله في 19 نيسان/ أبريل الماضي جهاز أمني في إحدى ولايات السودان بتهمة تحريض المسيحيين على المطالبة بحقوقهم.

عند الحادية عشرة والنصف صباحاً أثناء مروره في الطريق العام، فوجئ الناشط بوقوف عربة مظللة ماركة توسان بجانبه، ونزل منها أفراد ملثمون، يحملون أسلحة وطالبوه بالصعود إلى العربة تحت تهديد السلاح، “بعد صعودي إلى العربة عصبوا عينيّ بقطعة قماش وذهبنا مسافة نصف ساعة، ثم دخلنا إلى أحد المباني” .

يقول الناشط إنه تعرض للضرب الشديد “اتهموني بتحريض المسيحيين على المطالبة بحقوقهم، وسمعت رجال الأمن يصفون المسيحيين بأنهم عملاء الخواجات”، وقالوا له بالحرف الواحد وباللهجة السودانية “السودان دولة إسلامية ما بنسمح بوجود المسيحيين داخل الولاية”.

بعدها طالبوه بمغادرة الولاية فوراً، “نحن ما عايزين نشوفك في الولاية دي، ولو شوفناك بنقتلك”، وتم إطلاق سراحه في اليوم ذاته، بعد نحو 8 ساعات داخل مباني جهاز الأمن، لكنه لم يمتثل لتهديدات الأمن وبقي في ولايته إلى اليوم.

مسيحيون من دون كنائس 

القس يحيى عبد الرحيم، رئيس السنودس الإنجيلي في السودان يصف لـ”درج” التغيير الذي حدث بـ”السطحي ولا يلامس طموحات الشعب في اختراق المألوف، وصنع واقع جديد، كما يبدو أن كل الأنظمة ترى المكون المسيحي خارج اللعبة، ما يخلق مزيداً من عدم الرضا”، ويتابع عبد الرحيم: “إذا كانوا يقولون هي حكومة محاصصات أو توازنات، فالأولى إنصاف الكنيسة وشعبها الذي عانى كثيراً، ولو بمناصب تشريفية، فالمسيحي مواطن سوادني وله حقوق وعليه واجبات”.

ويلفت القس مبارك حمادة، إلى أن “الوثيقة الدستورية نصت على مشاركة التنوع الديني والتباينات الإثنية والثقافية في إدارة الدولة، إلا أن الحكومة ما زالت تسير في النهج السابق في إقصاء المسيحيين”، مبيناً أنه “منذ اندلاع الثورة السودانية لم يتحقق أي شيء يذكر، ما يؤكد أن الحديث عن إدارة التنوع عبارة عن شعارات زائفة”.

شهدت ثمانينات القرن المنصرم آخر تصديق رسمي لبناء كنيسة في السودان. خلال حقبة حكم البشير التي امتدت ثلاثين عاماً، لم تُبنَ كنيسة واحدة في السودان بحسب شمسون يوحنا. ومطالب المسيحيين باتت واضحة وتهدف إلى ضمان منح التراخيص لبناء الكنائس وضمان مشاركتهم الحقيقية في الحياة السياسية وإعادة الأراضي التي استولت عليها سلطة البشير.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي كريم إذهيب – صحافي عراقي
كانت المياه الواردة من إيران إلى العراق تبلغ 7 مليارات متر مكعب يومياً فيما تبلغ اليوم صفراً. بعد قطع طهران مياه ثلاثة أنهار بشكل مفاجئ ودون الإدلاء بأي تصريح رسمي، وهي أنهار سيروان والكارون و الكرخة التي تمد مناطق شرق العراق بالمياه العذبة.
Play Video

1:36

Play Video

42:22

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني