لبنان: مسرحية مداهمات تشطب وجهي
“حزب الله” و”القوات اللبنانية”

على رغم المسافات السياسية بين ابراهيم الصقر محتكر البنزين وبين عصام خليفة محتكر الدواء، إلا أنهما اجتمعا على أمرين، الاحتكار، والمبالغة بالتدين، ذاك أن صوراً انتشرت لهما، الأول يشارك في القداس في الكنيسة والثاني يبكي في مجلس حسيني!

شهد لبنان موجة مداهمات، نفذها الجيش وقوى الأمن الداخلي وأمن الدولة ووزارة الصحة على مخازن محروقات ومستودعات أدوية، معدّة للاحتكار، فيما يواجه اللبنانيون تحدّيات كبيرة للحصول على الوقود والدواء.

تجار تبين أنهم يحتمون بأحزاب بارزة في البلاد: “حزب الله”، “القوات اللبنانية”، “تيار المستقبل”، “الحزب التقدمي الاشتراكي”. 

تحالف كارتيلات الاحتكار هذا، ليس الحلف الرباعي الانتخابي الشهير الذي ولد عام 2005، بل هو تضامن غير معلن لجهات سياسية تغطّي المحتكرين المنتمين إليها.

في التفاصيل، داهمت وزارة الصحة، بحضور وزيرها حمد حسن ليل 23/8/2021 مخازن لتوزيع أدوية. وعُثر في الغازية جنوب لبنان على مخزن دواء تابع لمستودع New Pharm، لصاحبه عصام خليفة المنتسب لـ”حزب الله”، فيما تمت مداهمة مستودع في جدرا، لصاحبه حسين مشموشي، الذي تردد أنه ينتمي لـ”تيار المستقبل” حالياً، وفي بحث صغير عن اسمه على الانترنت، نكتشف أنه تبرع بعشرة آلاف دولار في بداية هذا العام، لإنشاء مركز للصليب الأحمر في داريا بحضور الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وهو معروف بعلاقته به وبـ”الحزب التقدمي الاشتراكي”.

على خط مواز، تكررت مداهمات الجيش وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي لأماكن تخزين محروقات على مختلف الأراضي اللبنانية، فتم العثور على مستودعات لكميات كبيرة من البنزين والمازوت، معجّة للسوق السوداء.

“القوات” لها حصتها أيضاً

في 16 آب/ أغسطس، عثر الجيش في منطقة قرب مطار رياق على 400 طن من المازوت وتمت مصادرتها، وقيل حينها أن المخزن تابع لشخص اسمه إبراهيم الصقر وشقيقه، وقد ثبت أن الرجل فعلاً يخزن المحروقات المدعومة. فقد داهمت قوة من فرع المعلومات مخازن محروقات ابراهيم الصقر في حوش الأمراء/ زحلة وعثرت على نحو مليوني ليتر من مادة البنزين.

من هو ابراهيم الصقر؟ 

ابراهيم الصقر هو رجل أعمال وصاحب محطات Saker المنتشرة في مناطق لبنانية عدة (يملك هو وشقيقه أكثر من 20 فرعاً) من زحلة وصولاً الى جونية، وهو أحد الوجوه “القواتية” المعروفة إعلامياً.

ابراهيم صقر

“أنا بضيف قهوة بمعراب”، هكذا يقول الصقر في إحدى مقابلاته التلفزيونية، والمثيرة دائماً، وهو كان ضيفاً عزيزاً في قناة الـOTV التابعة للتيار العوني. والأرجح أن المحطة تستضيفه لأن حديثه يضر بفريقه، فلطالما أطلق كلاماً طائفياً وكشف عن ضيق بالطوائف الأخرى، وهو بالمناسبة ما مارسه في محطات الوقود التابعة له. ففي تموز/ يوليو الماضي كتب على صفحته على “فايسبوك” أنه لن يزود أحداً بالمحروقات من محطاته في جبيل وكسروان إلا لأولاد المنطقة، أو للمنتسبين لـ”القوات اللبنانية”، أي أن لا بنزين “للغريب”، كما انتشر فيديو منذ أيام من إحدى محطاته، يُسأل فيه المواطنين إن كانوا يملكون بطاقة انتساب لـ”القوات اللبنانية”، ومن لا يحمل بطاقة لا يحصل على البنزين.

 يخفف القواتيون من وطأة “الفضيحة” ويعتبرون أنه مجرد حزبي عادي وليس قيادياً ولا يملك أي منصب رسمي في الحزب. وكانت “القوات” أصدرت راهناً بياناً اعتبرت فيه أن “أقلاماً مأجورة” تريد زج اسمها بالحادثة، من دون أن يأتي البيان على ذكر اسم الصقر ومن دون التبرؤ منه بشكل مباشر طالبين أن يأخذ القضاء مجراه. 

الصقر وخليفة في زنزانة واحدة؟

على رغم المسافات السياسية بين ابراهيم الصقر محتكر البنزين وبين عصام خليفة محتكر الدواء، إلا أنهما اجتمعا على أمرين، الاحتكار، والمبالغة بالتدين، ذاك أن صوراً انتشرت لهما، الأول يشارك في القداس في الكنيسة والثاني يبكي في مجلس حسيني!

الحاج عصام خليفة، “رجلٌ يعرف الله كثيراً”، وذلك يظهر بوضوح على جبينه (الزبيبة ظاهرة جداً)، ومن الخواتم في يده، كما في صوره وهو يبكي الحسين في مجالس عاشوراء الأخيرة، أما ابراهيم الصقر، فلا يفوته قداس في انطاكيا وسائر المشرق، وهو معروف بتردده على الكنائس! وهو ما يدفع المرء إلى تخيلهما في زنزانة واحدة (إلى الآن لم يتم توقيف الصقر)، لعلهما يتبادلان الخبرات، على اعتبار أن ما تجمعه التجارة والاحتكار والدين لا تفرقه الخلافات السياسية.

منذ الأول من شهر آب/ أغسطس، نشطت أجهزة الدولة الأمنية فجأةً بعد طول انقطاع عن تحمل مسؤولياتها، فقد أعلن الجيش في بيان أنه لن يتهاون مع المحتكرين، وسيوزع المحروقات مجاناً، فكان أن حصلت مجزرة عكار في 15 آب، ورأينا تحركات وزير الصحة حمد حسن لمكافحة تخزين الأدوية بعد ضوء أخضر تلقاه من أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله بعد خطابه الأخير الذي تطرق فيه “بخجل” الى موضوع الاحتكار والتهريب، داعياً الدولة على غير العادة إلى تحمل مسؤولياتها.   

على رغم هذه المداهمات، لمخازن المحروقات والأدوية، تبقى هذه الحلول عاجزة عن التعامل مع المشكلة الأساسية، والدليل أن نقص المحروقات في السوق مستمر إلى الآن.

طالما أن لدى الدولة نواباً وأشقاء نواب ووزراء وأشقاء وزراء ومحظيين يعملون بأمان في التهريب والتخزين، وطالما أن التهريب هو قرار سياسي متخذ على أعلى الصعد، فهذا يعني أن السوق السوداء ستبقى مفتوحة في لبنان، وحتى رفع الدعم لا حلول فعلية للمشكلة. سوريا بحاجة إلى المحروقات وغيرها من المواد، والقرار السياسي والأمني في لبنان بيد “حزب الله”، ما يعني أن تجاراً صغاراً سيسقطون مرحلياً لضرورات تنفيس الاحتقان الشعبي الملقى على أحزاب المناطق، وستعاود هذه الأحزاب “مسرحية المداهمات” وتستكملها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
“كل ما أريده هو العودة إلى بلدي”… بعدما لم يعد البقاء في لبنان المنكوب خياراً بالنسبة للعاملات الأجنبيات، افترش بعضهن الأرض تحت مقرّ القنصلية الكينية مطالبةً بتسهيل أمورهن لمغادرة البلاد

2:45

Play Video
بعدما أفلت المدرب الرياضي مروان حبيب من تهمة التحرش بشهادة أكثر من 20 ناجية في لبنان، اعتُقل في أميركا بعدما اعتدى جنسياً على امرأة… حادثة أعادت قضية الإفلات من العقاب للمتحرشين وتمتّعهم بمساندة وتبرير وسائل إعلام ومؤثرين إلى الواجهة.

2:13

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني