الأردن يستضيف هاربين من “طالبان”
وإسلاميوه يرحّبون بعودتها!

لم يُفاجأ العالم بقرار الانسحاب الأميركي من أفغانستان، الذي جاء بموجب "اتفاقية إحلال السلام" بين "طالبان" والولايات المتحدة الأميركية بعد مسار مفاوضات امتد لسنوات...لكن المفاجأة كانت بالسقوط السريع لحكومة أشرف غني وقوات الأمن الأفغانية...

بينما كان وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، يعبر عن قلقه “من المسار الذي آلت إليه الأمور في أفغانستان”، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي مولود تشاوش أوغلو، كان السفير الأفغاني في عمّان، طارق شاه بهرامي، يوجّه عبر شاشة قناة المملكة رسالة طمأنة للمجتمع الأفغاني “لا تقلقوا… قادة طالبان وسياسيون أفغان يسعون إلى تشكيل حكومة مقبولة للشعب الأفغاني، بالتنسيق مع المجتمع الدولي، لكن من السابق لأوانه الحديث عن طبيعة هذه الحكومة”، موكداً العلاقة “التاريخية والأخوية” بين عمان وكابول، داعياً الحكومة الأفغانية الجديدة إلى الحفاظ على هذه العلاقة لمصلحة البلدين.

بالتزامن، عبر منصات التواصل الاجتماعي، تداول أردنيون مقاطع مصورة تظهر دخول حركة “طالبان” إلى كابول، وسيطرة عناصرها على القصر الرئاسي، وانتشارهم في الشوارع وعند نقاط التفتيش والحواجز، ومقاطع أخرى التقطت الذعر الممتد على مساحة المطار، لأفغان تشبثوا بعجلات طائرة إجلاء أميركية تغادر بلادهم. رافقت ذلك تعليقات متباينة حول الحدث. شطر من الجمهور اعتبره انتصاراً للحركة، فيما رأى آخرون أنها فاجعة ألقت بظلالها على أفغانستان.

أما الأردن الرسمي فأعلن عن استقباله حوالى 2500 لاجئ أفغاني موقتاً، لغايات لوجستية بحتة، لتسهيل نقلهم إلى الولايات المتحدة الأميركية، بحسب ما صرح الناطق الإعلامي في وزارة الخارجية، ضيف الله الفايز، لـ”درج”، مؤكداً أنه لن يتم منحهم حق اللجوء بالمملكة.

لكن المحلل السياسي حسن البراري، استبعد عبر منشور على “فايسبوك”، خروج اللاجئين الأفغان من الأردن، وقال “لا ضمانات بأنهم سيخرجون في القريب العاجل، أثبت تاريخ الأردن مع استقبال موجات اللجوء، أن اللاجئ لا يعود حتى لو زالت أسباب لجوئه”، وذهب برأيه للاعتقاد أن لذلك علاقة باتفاقية الدفاع بين الحكومة وأميركا.

هذه الأصداء، جاءت على وقع فرض حركة “طالبان” سيطرتها على العاصمة الأفغانية كابل، بعد نحو 20 عاماً من إطاحة الولايات المتحدة بها في أعقاب هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

في المقابل، لم تعلن عمان الرسمية عن موقفها تجاه تطورات الشأن الأفغاني، على رغم إعلان دول عربيية عن مواقفها، إذ أكدت وزارة الخارجية السعودية وقوفها مع الشعب الأفغاني وخياراته التي يقررها بنفسه من دون تدخل من أحد، وفي سلطنة عمان، هنأ المفتي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، الشعب الأفغاني بما اعتبره “فتحاً مبيناً ونصراً على الغزاة المعتدين”. وفي فلسطين، اعتبرت الرئاسة أن أحداث أفغانستان تؤكد أن الحماية الخارجية “لا تجلب الأمن لأي دولة”، داعية إسرائيل “لاستيعاب الدرس”. كذلك، هنأت “حماس” حركة “طالبان” بـ”الانتصار” الذي حقّقته باستعادتها السلطة في أفغانستان.

لكن الناطق باسم خارجية الأردن أكد لـ”درج” أن الموقف الرسمي سيعلن عنه في الوقت المناسب، لافتاً إلى أنه لا جديد عما تحدث به وزير الخارجية أيمن الصفدي في المؤتمر الصحافي مع أوغلو.

إقرأوا أيضاً:

عمّان تنتظر واشنطن

غير أن تصريحات السفير الأفغاني لقناة المملكة، وهي قناة رسمية حكومية، عقب سيطرة “طالبان”، وهروب الرئيس الأفغاني أشرف غني مع أمواله إلى الإمارات، أثارت شهية سياسيين أردنيين لتكهن موقف عمّان الرسمي من “طالبان”.

“تصريحات من ممثل عن حكومة مفترضة”، بحسب وصف الخبير في مجال الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية، الذي اعتبر أن هروب الرئيس غني، يعني انتهاء حكومته على الأرض، واستضافة قناة المملكة سفير هذه الدولة المنتهية قد يؤشر إلى عدم اعتراف الأردن بـ”حركة طالبان”.

على أن أبو هنية رجّح لـ”درج” أن يتبع الموقف الأردني، الموقف الأميركي تجاه الاعتراف بحركة “طالبان”، لذلك لا يتعجل الرسميون في عمان إعلان موقفهم، خصوصاً أن لا علاقات مباشرة بين عمّان وكابول، وبرأيه أن العلاقات لن تصل إلى حد الاعتراف الصريح بالحركة أو التمثيل الديبلوماسي معها.

وزير الإعلام الأسبق، محمد المومني، يرى أنه من المبكر الحديث عن اعتراف الأردن بحكومة “طالبان”، مشدداً على أن لا ضرورة للاستعجال، لأن العلاقات الثنائية متواضعة ولا تملي سرعة الاعتراف. سيراقب الأردن، وفقاً للمومني، سلوك “طالبان” في هذه المرحلة ومدى اتساقه مع ما يجعل أفغانستان دولة مسالمة لا تصدر الإرهاب. 

استضافة قناة المملكة السفير الأفغاني في عمّان، يقول المومني لـ”درج”، تأتي من قبيل البحث عن المعلومة والحقيقة في ما يختص بالأوضاع في أفغانستان ونقلها للأردنيين.

ويلفت الوزير الأسبق إلى أن الأردن سيدعم ما يفضي إلى استقرار أفغانستان وشعبها، وما يضمن ألا تعود دولة حاضنة للإرهاب كما حدث إبان احتضانها “القاعدة”. 

يعزز دفء علاقة عمّان- واشنطن، منذ فوز الرئيس جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الأميركية، التوقعات حول استتباع الموقف الأردني للأميركي من حركة “طالبان”.

وبرزت التحليلات في أعقاب زيارة عاهل الأردن، عبدالله الثاني، الولايات المتحدة، في تموز/ يوليو الماضي، وهو أول زعيم عربي يلتقي الرئيس بايدن، عن عودة المملكة إلى واجهة الحلفاء العرب للبيت الأبيض، وقد سبقت الزيارة “اتفاقية دفاع” بين الجانبين، في آذار/ مارس الماضي، والتي جاءت لأغراض “التدريب والتعاون في مكافحة الإرهاب”، بحسب تصريحات وزير الخارجية أيمن الصفدي.

لاحقاً، مع بدء انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان مطلع أيار/ مايو، تداولت وسائل إعلام عربية ودولية تصريحات لمسؤولين عسكريين أميركيين لـصحيفة “نيويورك تايمز”، بأن الأردن سيكون وجهة قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) لاستكمال تدريب القوات الأفغانية، فيما أعلنت خارجية الأردن أن الأردن لن يكون أكثر من نقطة عبور للقوات المنسحبة، وللاجئين الأفغان.

أثبتت أميركا انحيازها إلى مصالحها بعكس ما تروج له عن الديموقراطيات الزائفة.

“ضربة مروّعة” لحلفاء واشنطن

لم يُفاجأ العالم بقرار الانسحاب الأميركي من أفغانستان، الذي جاء بموجب “اتفاقية إحلال السلام” بين “طالبان” والولايات المتحدة الأميركية بعد مسار مفاوضات امتد لسنوات وانتهى بالتوقيع عليها بتاريخ 29 شباط/ فبراير 2020 في الدوحة، برعاية قطر. 

لكن المفاجأة كانت بالسقوط السريع لحكومة أشرف غني وقوات الأمن الأفغانية، وذلك باعتراف الرئيس بايدن في أول خطاب له بعد سيطرة “طالبان” على كابول، قائلاً إنه “انهيار أسرع من المتوقع”، بعد عقدين من الحرب ضخت خلالها الولايات المتحدة نحو تريليوني دولار على تدريب القوات الأفغانية. وكان بايدن استبعد في تصريحات سابقة أن تتمكن “طالبان” التي يبلغ قوامها حوالى 75 ألف مقاتل، من السيطرة على أفغانستان في ظل وجود 300 ألف من قوات الأمن الأفغانية المُدربة.

وتعرّضت إدارة الرئيس بايدن لانتقادات قاسية على وقع قراره “المتعجل بالخروج”، وضعف أجهزته الاستخبارية التي لم تتوقع فوضى الانسحاب، واعتبر محللون غربيون وعرب أن الانسحاب “ضربة مروّعة” لصدقية الولايات المتحدة بوصفها شريكاً وحليفاً، ولمكانتها الأخلاقية في الشؤون العالمية، على عكس روسيا التي أظهرت التزامها تجاه حلفائها الاستراتيجيين.

وفي هذا السياق، يقول لـ”درج” النائب السابق في البرلمان الأردني وعضو لجنة الإصلاح، المهندس خالد رمضان، إن أميركا أثبتت انحيازها إلى مصالحها بعكس ما تروج له عن الديموقراطيات الزائفة، وبرأيه أن من قصف العراق وأفغانستان ودعم إسرائيل غير معني بديموقراطية الشعوب.

الأمين العام لـ”حزب جبهة العمل الإسلامي”، المهندس مراد العضايلة، يرى أن “الاندحار الأميركي” بعد عقدين من الهيمنة على أفغانستان، كما وصفه، نتيجة طبيعية، فللاحتلال دورة تنتهي وتزول، وذهب للاعتقاد بأن هذا الاندحار سيمنح الأمل لكل الشعوب المحتلة، بزوال الاحتلال مهما طال.

وأوضح العضايلة لـ”درج”، أن “على الأنظمة السياسية الحاكمة  التي تتكئ على وهم الشرعية الممنوحة لها من الغرب، الاتعاظ من الدرس الأفغاني، والاستدارة لشعوبها، فأساس بقائها هو نجاحها في إدارة بلدانها وعلاقاتها مع شعوبهم”.

ونصح العضايلة، أن تتعامل عمّان الرسمية مع خيار الشعب الأفغاني الذي رحب بـ”طالبان”، وفق قوله، بدلاً من اتباع الموقف الغربي تجاه الحركة.

إقرأوا أيضاً:

 مستقبل الحركة و”نشوة” الحركات الإسلامية 

 تتقاطر في الأثناء أخبار تتحدث عن مفاوضات تجريها كل من الصين وروسيا مع حركة “طالبان”، للاعتراف بها مقابل عدم السماح للتنظيمات والجماعات الإسلامية استخدام الأراضي الأفغانية كمسرح للعمل ضد روسيا.  

لكن في ظل أفول نجم تنظيم “القاعدة” والتحولات التي طاولت غالبية الجماعات الإرهابية، واختفاء قياداتها، يرجح الباحث في الجماعات الإسلامية، مروان شحادة لـ”درج”، أن “دولة طالبان الجديدة” كما سماها، لن تعود ملاذاً للتنظيمات الإرهابية، مستشهداً بالدلالات التي قدمتها الحركة عبر لقاءاتها مع الأطراف كافة، وتصريحاتها المبشرة بمستقبل آمن وأكثر انفتاحاً ومرونة في حكمها.

غير أن “طالبان” قد تستعين بالتنظيمات الموصوفة بأنها “إرهابية” في حال تدخلت أطراف خارجية لبث الفوضى في أفغانستان كالميليشيات والجماعات الموالية للتحالف “الروسي الصيني”، كما قال شحادة، لافتاً إلى أن مستقبل الحركة سيحدده التعامل الدولي والإقليمي تجاهها.

وبما أن الولايات المتحدة فشلت في ترسيخ حكم عادل وبناء مؤسسات دولة بعد عقدين من الحكم في أفغانستان، كما قال شحادة، فهذه فرصة “طالبان” لتغيير سلوكها في الحكم، على أساس المواطنة لا وفقاً للانتماءات المذهبية والعرقية، فتسقط ذرائع التدخل الدولي بشؤونها.

على الضفة المقابلة للمجتمع الدولي الذي يراقب مآلات سيطرة “طالبان” على أفغانستان وسلوكها في الحكم، تراقب حركات الإسلام السياسي والجهادي المشهد بنشوة بالغة، كما يصفها الخبير في مجال الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية، فـ”طالبان” اليوم غدت نموذجاً جاذباً لتلك الحركات للسير على النهج ذاته وتكرار التجربة الطالبانية.

ويضيف أبو هنية لـ”درج” بأن الحركات الإسلامية لم تُعامل باحترام، على رغم ما قدمته من تنازلات، والتجربة الأفغانية منحتها أملاً جديداً بالنظر إليها كحركات معتدلة مقبولة.

وفي ظل ضبابية القرار الدولي تجاه “طالبان”، وغموض التوجه حول عزلها أو الاعتراف بها، يتوقع أبو هنية، أن أميركا وأوروبا لن تعترفا بها، بالمقابل قد تصل العلاقة بين الحركة وكل من روسيا والصين وإيران وباكستان، إلى حد التمثيل الرسمي وتبادل السفراء.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هديل الروابدة- صحافية أردنية
هذا المشهد، يحتاج إلى جلوس مكونات” الدولة الرسمية والسيادية، على طاولة حوار وطني، لتحديد العلاقة بينها، وبلورة هوية الإصلاح المنشودة، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، قبل الذهاب إلى تعديلات الدستور وقانوني الانتخاب والأحزاب”.
Play Video

0:46

Play Video

2:09

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني